دلالات الموقف الأمريكي من إيران وسوريا..

حجم الخط
عام ونيِّف والسياسة العالمية، رسمياً وشعبياً، منشغلة بملفي إيران وسوريا، وكأنه لا يوجد سواهما ما يستحق الانشغال به، ما يحيل إلى: 1: الأهمية الإستراتيجية الاستثنائية لمنطقة الشرق الأوسط في حسابات السيطرة على العالم بكل ما يقتضيه ذلك من لجمٍ للتغيير فيها ومن إجهاضٍ للجاري منه واحتوائه وإبقائه تحت سيطرة الولايات المتحدة ومنعِ امتدادِه إلى عروش توابعها سيما المتحكمة بكنز الطاقة الإستراتيجي في منطقة الخليج العربي. 2: ضخامة قوة الولايات المتحدة وعِظَمِ نفوذها السياسي في السياسة الدولية وقراراتها وسعة تأثير ترسانتها الإعلامية في صياغة الرأي العام العالمي ورسمِ توجهاته بما يخدم مصالح سيطرتها على العالم ونهب ثرواته والتحكم بمصير شعوبه بمساندة حلفائها دولياً وإقليمياً، وأولهم إسرائيل المطلوب حماية تفوقها على ما عداها من دول منطقة الشرق الأوسط وقواها. 3: أن ملفي إيران وسوريا هما عملياً ملف واحد، سواء بالنسبة لنظاميهما اللذيْن عمَّق تهديد وجودهما تحالفهما الإستراتيجي وجعله بمثابة تحالف مصير مشترك، أو بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها، (وأولهم إسرائيل)، وتوابعها من أنظمة المنطقة وأولها أنظمة الخليج العربي، سيما النظامين السعودي والقطري، ما يعني أن الفصل بين ملفي إيران وسوريا هو بالتمني أشبه، وأنه تضليل ما بعده تضليل القول بأن سبب تشديد العداء الأمريكي لهما يعود إلى الملف النووي للأول وقمع الثاني لشعبه، ذلك أن محاولة إطاحة النظام الإيراني هي سياسة أمريكية ثابتة لم تنقطع منذ ولادة هذا النظام على أنقاض نظام الشاه المخلوع في نهاية سبعينيات القرن الماضي، وأن محاولات فك تحالفه مع النظام السوري المراد "تجليسه" على مقاس الاشتراطات الإسرائيلية لتسوية الصراع هي أيضاً سياسة أمريكية قديمة وثابتة، ما يؤكد أن قضيتي الملف النووي الإيراني، (الذي لم يثبت طابعه العسكري على أية حال)، وقمع النظام السوري لشعبه، (الذي لا يختلف عن قمع "الدرع الخليجي" لشعب البحرين، مثلاً) هما مجرد ذريعتين يجري استعمالهما في إطار سياسة كبح جماح أي تهديد لسيطرة الولايات المتحدة على المنطقة ونهب ثرواتها وتفوق إسرائيل فيها. في السياق لافت للانتباه أن تعمل الولايات المتحدة على فرملة مطالبة حليفتها إسرائيل بالحسم العسكري مع إيران وتعجيل اللجوء إليه، وعلى ضبط مطالبة حليفتيها السعودية وقطر بتسليح المعارضة السورية وبالتدخل العسكري لمصلحتها، ما يشي بوجود تباينٍ بين موقف الولايات المتحدة ومواقف أهم حلفائها الإقليميين تجاه إيران وسوريا، وهو تباين، وإن كان نسبياً وتكتيكياً، ولا يرتقي لمصاف الاختلاف على الهدف، إلا أنه تباين ذو دلالة كبيرة على أسبابه وتوقيته السياسي، (بالمعنيين الدولي والإقليمي)، خاصة وأن مثل هذا التباين لم يكن قائماً يوم قررت الولايات المتحدة وحلفاؤها الدوليون والإقليميون إطاحة النظامين العراقي والليبي، وبصورة أدق يوم قررت تدمير هذين القُطْرين العربيين سياسياً ومجتمعياً وتحويلهما إلى دولتين فاشلتين تخضعان لعملية نهب اقتصادي مبرمج. هنا يثور السؤال: ترى ما هي الدلالات السياسية لهذا التباين؟ هل يعكس أن الحسابات الانتخابية لإدارة أوباما هي فقط سبب هذا التباين؟ كلا، لأن في هذا اختزال باعتبار أن الحسابات الانتخابية لإدارة أوباما كان يمكن لها أن تكون أيضاً دافعاً لخوض مغامرة عسكرية ترجح كفتها على منافسيها الجمهوريين الداعين إلى توجيه ضربة عسكرية لمنشآت إيران النووية، حيث ما انفكوا يزايدون بذلك على إدارة أوباما ويتهمونها بالعجز عن التصدي بحزم لما يشكله التحدي الإيراني من تهديد للمصالح الأمريكية في المنطقة. هل يعكس، (التباين)، تقديراً سياسياً وعسكريا وأمنياً مهنياً يرى أن من شأن أي "عسكرة" للملف الإيراني أو السوري أن تشعل حرباً إقليمية واسعة النطاق وغير مضمونة النتائج، بل، وربما تفضي بتداعياتها البعيدة إلى إطاحة كثير من أوجه النفوذ الأمريكي في المنطقة، سيما وأن الولايات المتحدة، (سياسة واقتصاداً وأمناً ومجتمعاً)، لم تبرأ بعد من تداعيات حربيها على العراق وأفغانستان، اللتين ساهمتا بقدر كبير فيما تعانيه من أزمة اقتصادية هي بأزمة نهاية عشرينيات القرن المنصرم الكبرى أشبه، وأن من شأن هكذا حرب أن تسرّع وتيرة فقدان الولايات المتحدة لسيطرتها المنفردة على العالم بعد ثبوت أن ثمة نظاماً دولياً جديداً، (متعدد الأقطاب)، آخذ بالتبلور، تفقد الولايات المتحدة فيه شيئاً فشيئا قدرة عقدين ويزيد من السيطرة المنفردة على العالم، وفي قلبه منطقة الشرق الأوسط. أجل، هذه هي الدلالات السياسية الأبعد والأعمق للتباين القائم بين موقف الولايات المتحدة ومواقف أهم حلفائها في المنطقة تجاه "عسكرة" الملفين الإيراني والسوري، ما يعني أن ملامح عودة العالم إلى مرحلة الحرب الباردة التي أزاحها انهيار القطب السوفييتي في نهاية ثمانينيات القرن الماضي باتت بادية للعيان، وأن الاختلاف الدولي تجاه إيران وسوريا ما هو إلا بداية تطبيق لهذه الحرب في هذين البلدين وليس عليهما، وبالتالي فإن الأخذ بهذا الاستخلاص لم يعد تعسفياً، بل، ولم يعد بحاجة لكثير من الذكاء ، وإلا ما معنى هذا الإصرار الروسي الصيني غير المسبوق منذ عقدين ويزيد على رفض أي شكلٍ من أشكال التدخل الدولي العسكري ضد إيران أو سوريا، لكن هذا شيء مختلف عن استخلاص أن الولايات المتحدة لن تقدم على دعم أشكال مستورة وغير مباشرة من أشكال "عسكرة" الملفين الإيراني والسوري، وإلا كيف يمكن تفسير موافقتها على الحل السياسي لهذين الملفين والعمل على عرقلته في الوقت ذاته؟ هنا ثمة تفسيراً واحداً تلخصه مفارقة كون الولايات المتحدة تشن الحروب، (مباشرة أو بالوكالة)، وتمتنع عن شنها ارتباطاً بما يوفره هذا أو ذاك من تلبية لمصالحها، وليس ارتباطاً بما يشكله أحد الخيارين من انتهاك أو دفاع عن ميثاق الأمم المتحدة، أساس القانون الدولي الحافظ لسيادة الدول واستقلالها وحقوق الإنسان فيها، وإلا كيف نفسِّر اقتصار ردَّ أوباما على تعجُّل حكومة نتنياهو وتهديداتها العلنية بتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية على القول: إن دق القيادات الإسرائيلية لطبول الحرب على إيران قد أدى إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط، وكأنه يقول: إن كان هذا هو حال ارتفاع أسعار النفط لمجرد التهديد بالحرب، فكيف ستكون عليه الحال إذا ما وقعت الحرب فعلاً.