نشر موقع "ديلي بيست" مقالا للكاتبة الاميركية الاسرائيلية الجنسية إميلي هاوزر تحدثت فيه عن السنوات التي عاشتها في تل ابيب والاسباب التي دعتها الى مغادرة اسرائيل والاستقرار في الولايات المتحدة، قائلةً ان المجتمع الاسرائيلي اليهودي صار يركز على اضطهاد شعب آخر وسلبه حقوقه في الحرية والكرامة الانسانية والمساواة. وهنا نص المقال:
"عشت في مدينة تل ابيب لـ14 عاما، اما الان وقد عدت الى اميركا وقضيت فيها عددا مماثلا من السنوات، فانني لا ازال اتوق اليها كل يوم. وفي عيد الفصح، يجثم هذا الشوق بثقله على صدري.
فروائح الربيع في مدينة شيكاغو ليست مجزية ولا التراث فيها. فانا اريد ان اكون بين اناس يدركون لماذا اكون محمومة الحركة عشية عيد الفصح، وان يتمنى لي سائقو الحافلات عيداً سعيداً ويسألني الجيران "اين ستقضين العطلة؟". اريد ان اشعر انني في وطني.
لكنني لست كذلك. وبدلا من هذا فانني اعيش في المنفى الهادئ بالضواحي الاميركية – المنفى السياسي الاختياري الذي قررت ان استقر فيه من اجل ابنائي.
عندما انطلقت الانتفاضة الثانية، كنت وزوجي المقدسي في الولايات المتحدة بصفة موقتة، وكنت ادرس للحصول على درجة ماجستير في جامعة شيكاغو. كنا نؤكد للجميع (مرة بعد اخرى) اننا سنعود الى اسرائيل عندما يبلغ ابننا الذي ولد للتو العمر المناسب لدخول روضة الاطفال – اذ فكرنا انه سيكون من الاسهل ان يدخل الى المدرسة في البلد الذي سينمو فيه.
غير ان الانتفاضة تواصلت في ذلك الوقت، وكان الرد الاسرائيلي يتسم بمزيد من العنف، وبرفض ان يعترف باي مسؤولية، او يفي بالوعود السابقة، او يتفهم ان الفلسطينيين انما يبدون رد فعل مثلما كان سيصدر عنا لو اننا قضينا عشرات السنين المتعاقبة تحت الاحتلال.
ولقد انتابتنا زوجي وانا مشاعر الخوف لمدة سنة، الا ان ايا منا لم يكشف عنها للاخر – ثم، في احد الايام بينما كنا نزور البلاد مع ابننا بدأنا نتحدث، وادركنا: اننا لا نريد ان يترعرع طفلنا في ذلك المكان، فالدولة اليهودية لم تعد المكان الذي نريد ان ننشئ فيها عائلة "في الوقت الحاضر".
غير ان "الوقت الحاضر" اضحى يعني حياتنا الحاضرة. وصار لابننا شقيقة، وتوالت مناسبات عيدي ميلادهما. ولم يقنعنا اي شي يتعلق باسرائيل في العقد الماضي بان طفلينا الاسرائيليين يجب ان يغادرا حياة المنفى.
على العكس من ذلك، فانه مع انشغال اسرائيل بصورة اشد في مشروعات الاستيطان، والتزامها بمزيد من العنف والاحتلال اللاانساني، وتعاملها بدرجة اقل من الديموقراطية حتى مع سعداء الحظ بانهم يهود، اصبحنا ندرك ان من غير المرجح ان نخطو نحو العودة قط.
لا ادري ما اذا كان طفلانا اكثر أمنا هنا منهما هناك، ولكني اعرف ما يلي: انهما لن يجبرا على اداء خدمة عسكرية تكرس الان بدرجة اقل للدفاع عن الدولة من اضطهاد شعب اخر. وهما ليسا عالقين في نظام تعليمي تضاءل بسبب عدم توفر التمويل، رغم ان الحكومة تصب الاموال في بناء مستوطنات غير شرعية على اراض مسروقة. وهما لا يتعرضان الى شعارات يطلقها قادتهم عن السلام، في الوقت الذي لا تتجه افعالهم الا نحو القضاء على احتمالات السلام.
انهما يفكران في اسرائيل كوطن ايضا. ونحن نتبادل الحديث بالعبرية في منزلنا، واعضاء نشطين في مجموعتنا الدينية المحافظة، ونقوم بالزيارة مرة كل عام.
عندما نكون هناك، نعلمهم بين المرح على الشاطئ والامسيات في المزارع الجماعية لابناء العم، ما لا يتعلمونه في المدارس اليهودية: نجعلم يشاهدون الحواجز المنتشرة على الطرق في انحاء الضفة الغربية. وتتسمر عيوننا نحو الجدار الفاصل الذي يمتد عبر الاراضي الفلسطينية، ونسألهم ماذا سيشعرون لو جاء جنود وطردوهم من منزلهم. ونتجول في القدس الشرقية.
اذا ككانت اي شكوك قد ساورتني في صحة قرارنا، فان شريط فيديو بثه التلفزيون الاسرائيلي هذا الاسبوع قضي على اي شكوك. اذ لدى توجيه سؤال عن ردود الفعل على حادث مرور مروع ومقتل مجموعة من الاطفال الفلسطينيين، قال شاب بعد اخر بدرجات مقززة من الكراهية "انهم ابناء زنى، وليسوا بشراً، ولا يستحقون الحياة" حسب قول احد الشبان. "ويمكن ان يكبروا ليقوموا بهجمات ارهابية". وعندما اشار الصحافي الى ان القتلى لم تتجاوز اعمارهم الـ 4 الى 5 سنوات، رد الصبي "صبية صغار، وماذا يعني ذلك؟".
ولئلا تغرينا انفسنا بالاعتقاد بان هؤلاء الشبان هم ببساطة مراهقون جانحون، يجب ان نشير الى ان حوالي نصف المراهقين الاسرائيليين الذي سئلوا في عملية مسح اجريت في العام 2010 قالوا انهم لا يؤيدون حقوقاً متساوية للمواطنين العرب في اسرائيل. وقال اكثر من نصفهم انهم يرفضون اعطاءهم الحق في ان ينتخبوا ليكونوا اعضاءً في الكنيست.
ان مجتمعاً صار يركز على حماية، وإدامة وتشديد الاضطهاد لشعب آخر هي سياسة تنتج، بل وتكافيء الكراهية. وليست هذه صفة مميزة للاسرائيليين وحدهم – هذه صفة بشرية.
ولكني لا اريد ان اربي الآدميين الاثنين الاعز لدي في مثل تلك الاجواء. سأحميهم مما تحولت اليه اسرائيل، وسأربيهما على معرفة القيم اليهودية التي تقدر الكرامة الانسانية وقدسية الحياة.
وفي كل سنة في مثل هذا الوقت، سيوجعني قلبي وانا اقول "العام المقبل في القدس" لاني اعلم انني في السنة المقبلة سأكون هنا".