بقّ "بحصة" الانتخابات المحلية!

حجم الخط
كما يذوب الثلج الذي يخفي تحته المرج، تلعب المسوح دورها في عملية كشف المستور. فقد كشف المسح الذي أجراه المكتب المركزي للإحصاء النقاب عن الحال الذي وصلت إليه المشاركة النسائية في هيئات الحكم المحلي، دون أن ننسى أن الحال المتراجع لواقع مشاركة المرأة جزء لا يتجزأ من الاهتراء الذي تسرب تدريجياً إلى المجالس المحلية بشكل عام. يبيّن المسح أن عدد العضوات المنتخبات للمجالس المحلية تراجع بشكل ملحوظ، وذلك بسبب الاستقالات الجماعية والفردية للمجالس أو للعضوات؛ ليصبح ثلاثمائة وخمساً وخمسين عضوة عوضاً عن 538 عضوة صعدت بالانتخاب، أي بما يعادل نسبة 14% من عضوية المجالس المحلية. ويشير المسح نفسه، الصادر لمناسبة الثامن من آذار لهذا العام، إلى أن عدد النساء اللواتي يترأسن المجالس المحلية قد تراجع ليصل إلى عضوتين في محافظة رام الله والبيرة، والتراجع كذلك مسّ عدد اللواتي كن يتولين منصب نائب رئيس المجلس ليقتصر على أربعة. هذه الأرقام والنسب توضح أيّ تراجع قد وُضعنا أمامه في الطبعة الجديدة لحال المشاركة النسائية في مجالس الحكم المحلي، علماً أنها جميعاً فاقدة لصلاحياتها بانتهاء مدة ولايتها القانونية في أواخر العام 2009. لمواجهة الواقع، ونظراً لأهمية استمرار عمل المجالس بطاقتها الكاملة لارتباط مهامها بمصالح المجتمع اليومية، لجأت وزارة الحكم المحلي بموجب صلاحياتها إلى ترميم المجالس المعنية عن طريق التعيين الذي تنوعت أشكاله.. ما بين مبدأ الحصول على توافق القوى السياسية والاجتماعية إلى تشكيل لجان تسيير الأعمال من رؤساء المديريات في الوزارات. وفي محصلة العمليات الترميمية كانت النتيجة ظلماً واضحاً للنساء، الذي أعاد مشاركتها إلى المربع الذي يسبق الصفر. لقد سحب من المرأة في عملية التعيين ما حصلت عليه في قانون الانتخابات. لقد جسد التعيين التناقض في استخدام فلسفة الرؤية التي يعتمدها المجتمع للسير باتجاه التغيير انطلاقاً من ضروراته. لذلك فإن استثناء المرأة من مولَد التعيينات القائم على قدم وساق، يعتبر نكوصاً عن القيم التي حكمت المشرِّع في اعتماده مبدأ تخصيص مقاعد مضمونة للمرأة في القانون. من أصل ثمانمائة وخمسة وستين عضواً معيناً في محافظات الضفة، حصلت المرأة على سبعين مقعداً وبما يعادل نسبة 8% من حجم التعيين، علماً أن نصيب المرأة قد بلغ الصفر في محافظة رام الله والبيرة وكذلك في أريحا والأغوار وجنين، تليها محافظة نابلس بواقع 1% والخليل بواقع 3%، بينما ناصفت محافظة سلفيت المقاعد المعينة بين الجنسين في سابقة محمودة.. وفي المحصلة الجمعية لتوزع نسبة النساء في المجالس بشكل عام؛ يتبين أنها تراوح بين وجود متقدم في محافظة سلفيت بواقع 23%، وما بين تراجع سافر في محافظة قلقيلية بوصولها إلى نسبة 3% من حجم مجالسها. الكشف لم يقصر وظيفته على الإدلاء بخطابه الكمي المقروء في شتى الاتجاهات، بل ذهب قدماً نحو الإدلاء بشهادته عن تنميط المهام الموكلة للعضوات في الحقل العام. فقد وشى المسح بكيفية توزيع العضوات على اللجان الوظيفية في المجلس، حيث لم تتجاوز نسبة مشاركتهن في لجنتي إعداد الموازنات والعطاءات 11%، وبلغت نسبة مشاركتها 9% في عضوية لجنة التنظيم والبناء. بينما خُولت فقط 4% من العضوات التوقيعَ على الشيكات. المسح يعج بالأرقام والنسب التي تقول الكثير عن واقع المجالس المحلية. فالحال أصبح لا يعجب العدو قبل الصديق. فالتآكل غير مقصور على وضع المرأة التي وضعت العقبات والحواجز في وجهها، بل يمس كذلك الأعضاء الذين مسهم التعيين أولاَ بسبب ارتكاز عمل المجالس عليهم كأكثرية عددية تصنع النصاب والعمل.. فقد بلغ عدد المعينين من الرجال حوالي 38% من عضوية المجالس، وبمعنى آخر فقد تم تجديد عضوية أكثر من ثلث المجالس بالتعيين.. وأظهر المسح كذلك التناقض بين نسبة حضورهم الفعلي والشكلي للاجتماعات من خلال التوقيع على المحاضر، الأمر الذي يدفع إلى بقّ "البحصة"، والمطالبة بالتوجه فوراً إلى تنظيم انتخابات المجالس المحلية في الضفة الغربية التي صدر قرار بإجرائها عن محكمة العدل العليا. فالانتخابات المحلية على وجه الخصوص لن تزيد طين الانقسام بلّة، بل تساعد في تماسك المجتمع وتجديد ثقته بقيادته المحلية.