حفلة سمر .. على ضريح الوطن

حجم الخط
و كلٌ في بلادي يغني على ليلاه .. و بين ليل رام و ليل غزة ليالٍ من القهر و الغضب تستعر في أتون الصدور لتولّد ذات ليلٍ نهاراً طال سباته في قلب الليل .. فليل رام الله لقاءاتٌ عشقيةٌ مع من كان يسمى في قاموس السلطة السياسي و في التاريخ النضالي " عدواً و قاتلاً " و بات الآن " خِلّاً و سامراً " لا يحلو السهر إلا به و معه .. لقاءاتٌ تأخذ شكل مسلسل لا هو مكسيكي و لا دراما تركية بعد أن أثبت السلطة الفلسطينية تفوقها في انتاج و إخراج و تمثيل البطولة في سلسلة حلقات لامنتهية من التنازلات احترفت تقديمها على شاشة الألم و مسرح الدم الفلسطينيين لتغدو مرشحة لجائزة الأوسكار عن أفضل ملهاة تراجيدية و لتدخل موسوعة غينس عن أفضل مضحك مبكٍ محطمةً ضحكات الدموع المسجلة في الموسوعة قبلها .. و ليغدو المشهد الأكثر إثارةً ذاك الذي كُتِب بقلم رئيس السلطة و المنشور في وكالة معاً بتاريخ 7/4/2012 ومعبراً فيه عن قلقه حيال مصير اليهود العراقيين الذين كانت هجرتهم " لإسرائيل " قسرية نتيجة تآمر بريطاني صهيوني مع السلطات المحلية العراقية فلا دافع صهيوني و لا عقائدي يقف خلفها ، و كأن السيد رئيس السلطة ، رئيس الوزراء و رئيس منظمة التحرير و غيرها من المناصب المتمتع بها والتي لم تعد الذاكرة قادرة على حفظها قد أعتق الوطن من نير الاحتلال وحلّ كل القضايا الشائكة و المسائل العالقة و وصل بنا و بالوطن إلى وحدة وطنية تنسينا مرارة الانقسام الأليم فلم يبق له من شيء يقلق عليه أو يقلقه سوى قضايا اليهود العراقيين ، و هو موقفٌ لا يسعنا إلا أن نتفاجأ منه لصدوره من رجلٍ كرس سياسته و مواقفه لأجل فكرة الدولتين الفلسطينية و اليهودية لا الدولة الواحدة .. ليتزامن مقاله مع ذكرى مجزرة دير ياسين التي لمّا تزل عيوننا تدمع لذكراها و قلوبنا ترتجف لمرأى صورها رغم السنين التي مرت عليها .. فليت قلمه الذي أبدع في الإعراب عن قلقه على" أصدقاء اليوم أعداء الأمس " أبدع في وصف السروة التي لم تزل صامدة في وسط مقبرة دير ياسين المندثرة لتبقى شاهدة على همجية غربان مرت بالقرية ذات ليلة فأشبعتها و أهلها قتلاً و تدميراً .. ليثبت السيد محمود عباس مجدداً و لنفسه طبعاً و ليس للكافرين بحسن نواياه السيئة و المشككين بصدقه الكاذب أن ليل السلطة مشبوه بل و مدان بأدلةٍ قاطعة لا تقبل الطعن بها لا استئنافاً و لا نقضاً .. أما ليل غزة .. فله موالٌ آخر .. موالٌ تغنيه الشموع المضيئة لعتمته و تعزفه الآن الكهرباء التي قررت الإقامة في غزة بعد أن كانت تمر بها مرور الكرام عابرة سبيل خفيفة الظل .. و كم كانت تأشيرة دخولها و إقامتها باهظة فقد كلفت أرواحاً لبراعم لم يسعفها الليل وقتاً لتزهر في نيسان .. فهل كان لابد من موت البراعم لتنعم غزة و أهلها ببعض الكهرباء ؟؟؟ و بين ليل رام الله و ليل غزة قصص لم تروَ و ما قيل منها كان فظيعاً .. فرسائل حبٍ بين الشريف عباس و نتنياهو مكماهون .. و غزلٌ استكشافيٌ بين عريقات و مولخو ربما احتفلنا بنهايته بدخلةٍ أوسلويةٍ اسرائيلةٍ يُراق بها دماء عذريتنا للمرة المليون متناسين كل الدم المسفوك و عبر عقود لصون شرف هذه العذرية و كرامتها .. و لقاءاتٌ بين عبد ربه و بيلين فلا ندري أي أبناء مشوهين سينجبهم هذا التزاوج غير الشرعي .. و بين ليل رام الله و ليل غزة .. قمعٌ للحريات في وطنٍ يتنافس فيه القادة غير الشرعيين مع اسرائيل على قتل الحرية في مهدها ، فلا تنعم بها أرض الوطن و لا انسان هذا الوطن .. و إرهابٌ لمن تسوّل له نفسه أن يكشف الفساد المستشري هنا و هناك كسرطانٍ أو يحاول استئصاله .. و اعتقالٌ لمن " يطوّل لسانه " على جلالة السلطات المنتهية الولاية ,, فكيف لو كانت متمتعة بالشرعية حقاً ؟ .. و سجنٌ لمن لم يزل في حنجرته صوت ليرفض , و في قلمه حبرٌ ليفضح , و في فمه لسان يقول حقاً و لو قُطِع .. فإن كان جيفارا يدفع حياته لتقول رأيك المخالف لرأيه فالسلطة في رام الله و حكومة غزة ستدفعان حياتك ثمناً لرأيك المخالف لسياستهما العاهرة و لانقسامهما المميت .. و بين ليل رام الله و ليل غزة قصص ملايين اللاجئين الذين عفا عليهم الزمان ، فلا من يتذكر حلمهم و حقهم بالعودة و لا من يحزنون ، و لم تزل تلوكهم رحى الغربة و لم تبصقهم بعد و مازالوا لنهار الليل منتظرين .. قصص لآلافٍ من الأسرى وُضِعت ملفاتهم على الرف فعلاها غبارٌ بحجم معاناتهم ، و كأن إطلاق فضائية للأسرى تريح الضمير المثل بذنوب اهمالهم أو ترفع عن الكاهل وزر التقصير بحق من أطعم عمره للسجن كي لا يبقى شعبه جائعاً للحرية .. فهل يكفي أن نحيي يوم السابع عشر من نيسان رافعين الصور ، مرددين لشعارات الصبر وهتافات المصابرة كي نقول بأنّا فعلنا الواجب تجاههم ؟ و إن كانت الضمائر تستيقظ في يومهم النيساني هذا فأين تغفو بقية الأيام في أحضان آبار النفط أم على أعتاب الاحتلال النازي .. و بين ليل رام الله و ليل غزة .. شعبٌ يعيش بين مطرقة اليمين الظالم و اليسار النائم .. شعبٌ رفض الموت ظلماً فرتبوا له الموت قهراً بعد أن أغرقوه بهموم الحياة اليومية لينسى هم الوطن ، فبات رغيف الخبز حلماً و جرة الغاز تأخذ شكل الوطن و تصبح الشمعة لا البندقية هي القضية .. و كأنهم بسياسة الإرهاق و الإغراق يهزموننا من الداخل فيسهل عليهم انتزاعنا من الوطن الغارقين في عشقه. فإن كان كلٌ من ليل رام الله و ليل غزة قد دفن الوطن و أقام على ضريحه حفلة سمر فالوطن لم يمت بعد في قلب شعب يسكن أرضه و أبناء أسكنوه أرض قلوبهم .. شعبٌ لم يزل يحارب الهزيمة و يرفض أن يضيع الوطن بين مهاترات الانقسام و مهزلته .. فبات يحيا على فوهة بركانٍ سيقذف ذات ليلٍ حممه الحارقة لإخوتنا الذين ظلمونا و في قلب الليل أسكنونا و لأعدائنا الذين سلبونا و عن فلسطيننا شردونا .. و بين ليل هنا و ليل هناك ، و موال هنا و موال هناك نسمع ليل الانتفاضة يغني مواله الأجمل و الأروع .. " الليل يا غزة يسائلني .. و يقول لي سلم ع رام الله .. فالحب لا تحلو نسائمه .. إلا إذا كان الهوى فلسطيني .. فلسطينيٌ من بحره لنهره ، فلسطينيٌ بشعب داخله و شتاته ، فلسطينيٌ بوحدة فصائله و انهاء انقسامه ، فلسطينيٌ بنصره الذي سيمحو ذاكرة هزيمته .."