"كان لدي موعد قد تأخر ربع قرن مع رجل رفعت رأسي من بعيد كي يراه، ثم حالت ظروف قاهرة بينه وبيني لألقاه، وحين جئت إلي مصر فقد كان من سوء حظي أن جمال عبد الناصر لم يعد هناك، سأزور فى مصر ثلاث أماكن الأهرامات والنيل العظيم وضريح الرئيس جمال عبد الناصر" (نيلسون مانديلا من كلمة ألقاها عند تكريمه في جامعة القاهرةعام 1995)
أما ناصر قنديل رئيس تحرير صحيفة البناء اللبنانية فكتب: "أذكر ما قاله الرئيس الراحل حافظ الأسد في نعيه لجمال عبد الناصر يوم الرحيل: إننا نودّع اليوم الرجل الذي كنا نأتي إليه بخيباتنا ليمنع تحوّلها إلى هزائم للأمة، والذي كنا نأتي إليه بإنجازاتنا ليجعل منها انتصارات للأمة.... وفي واحدة من اللقاءات التي التقى خلالها الرئيس بشار الأسد جمعاً من المثقفين العرب، وكان لي شرف الحضور، سأله أحد المحبّين قائلاً، سيادة الرئيس يوم انتهت حرب تموز عام 2006 سئل سيد المقاومة لمن تهدي نصرك فقال للأمة كلها، وأنا أسألك لمن ستهدي نصرَك القريب، فأجاب الرئيس بشار الأسد بتواضع القادة الكبار، أنا معني بالإيضاح لمصطلح النصر، فالنصر المتاح أمام سورية هو منع المشروع المعادي للعرب والعروبة من العبور، سورية تصمد، لكن النصر بمعناه العميق لا يكتمل بدون مصر. فمع مصر يتحوّل الإنجاز الذي تحققه سورية أو أي بلد عربي آخر إلى انتصار ـ وبدون مصر يبقى النصر محدوداً بالصمو د (جريدة البناء اللبنانية – 29 أيلول 2018).
الفكرة هنا... أن يتجاوز استحضار جمال عبد الناصر المقاربات المملة والثأرية حول أخطائه وإخفاقاته، وأيضا تجاوز تحويله إلى مومياء مقدسة...
الفكرة هنا... هي البحث عن ذلك الشغف والشوق لدور مصر الشاسع في مواجهة ما يجري في عالمنا العربي... فمن نجد لتطوان انفلت عقال الجنون والتوحش والنذالة، وبات مسرح العروبة باحة مشرعة للغربان والجرذان والفئران واللصوص... فالاستعمار الذي نهض عبد الناصر في وجهه يوما يحرق الآن الأخضر واليابس، في العراق وليبيا وسوريا وتونس واليمن والبحرين وفلسطين... أما النيل فتقطع عنه المياه من أعاليه.
الفكرة هنا... أن تنهض مصر لكي يستعيد شهداء بورسعيد وسيناء وحرب الاستنزاف والسويس ومدرسة بحر البقر وشهداء العبور معنى بطولاتهم واستشهادهم.
الفكرة هنا... أن تعود فلسطين إلى وعي مصر وذاكرتها وحاضرها ومستقبلها... أن تعود قضية كل بيت في مصر... فلا يستفرد بها أحد.
الفكرة هنا... أن تعود مصر إلى سورية التي بعينيها وقلبها تقاتل كل جيوش الاستعمار والظلام والتوحش .. أن يعود جيش مصر العظيم ليعانق حماة الديار ليكون مجد الانتصار.
الفكرة هنا... أن تعود مصر لتعيد أمراء الطوائف والسفاسف والملوك والسلاطين الذين يبيعون الوطن العربي بالجملة والمفرق إلى حجومهم.
الفكرة هنا أنه لا يزال على هذه الأرض من يقاوم ويكافح ويقاتل... ما نحتاجه اليوم هو مصر لتعود عنوانا لكل الأمة بعربها وعجمها، بأديانها وطوائفها، بألوانها جميعا، بلغاتها جميعا، بلهجاتها جميعا، بطبقاتها وتراثها وحضارتها.
الفكرة هي: لو أن مصر اليوم بعافيتها وعنفوانها وتؤدي دورها وواجبها وبما يليق بها وبوزنها وحضورها فهل كان سيحدث كل هذا الذي يحدث الآن في العالم العربي!؟
خلاصة القول أننا سنتذكر عبد الناصر.. وفي ذات الوقت سنبقى ننتظر مصر ... مصر التي يصفها محمد حسنين هيكل بأنها تنهض كطوفان النيل بلا مقدّمات، ولا إشارات إنذار.. لهذا وبانتظار ذلك الطوفان ستواصل هذه الأمة موهبة الصمود والمقاومة والأمل.
