كي لا يلكزنا مكر التاريخ

حجم الخط

في زمانه قال «بن غوريون»: «لقد ولِدَت «إسرائيل» يهودية كما ولِدَت بريطانيا إنجليزية»، ما يعني أن صفة «الديمقراطية» التي ألصقها المذكور ب«إسرائيل اليهودية» هذه كانت مجرد تحايل على العالم لكسب اعتراف هيئة الأمم الظالم، وأن اعترافه اللفظي ب«قرار التقسيم» كان مجرد حيلة للإعداد والاستعداد لشن عدوان عام 1967 المُبيَّت لتنفيذ ثاني أكبر عملية تطهير عرقي بعد تلك التي وقعت عام 1948. وفي كتابه، (روما وأورشليم)، أكد أحد مؤسسي الصهيونية العالمية، اليهودي الألماني موشي هس، (1812- 1875): أن القدس بالنسبة إلى اليهود هي كما روما بالنسبة إلى الكاثوليك. والآن، بعد قرنٍ ويزيد من الصراع، فإن خطوات اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة ل«إسرائيل»، ونقل سفارتها إليها، وإسقاطها حق عودة اللاجئين، وتأكيد عزْمها الاعتراف بالضم الواقعي لأغلب مساحة الضفة الغربية، (فضلاً عن اعترافها بسيادة ربيبتها على الجولان السوري المُحتل)، إنما تشكل تماهياً أمريكياً مع «قانون أساس القومية» ل«إسرائيل اليهودية»، ومحاولة لحسم مصير ما تحتله الأخيرة من أرض عربية، بوصفها، أي «إسرائيل اليهودية»، تجسيداً للصهيونية ك(حركة استعمارية عنصرية تخدم المركز الإمبريالي العالمي على حساب الشعب الفلسطيني وبقية الشعوب العربية)، ولتحقيق أهداف مشروعها الذي (مثَّل على الدوام، فضلاً عن العدوان المباشر على الفلسطينيين، تهديداً لبقية الشعوب العربية، لا بل إنّه وسّع قوسَ التهديد هذا ليكون تهديداً لشعوب آسيا وإفريقيا)، كما لخص الأمر، هنا، المفكر المصري الراحل سمير أمين.

هذه «الدولة القلعة» التي، وإن اكتسبت شرعية دولية ظالمة، لم تمنحها حقائقُ الماضي شرعية أخلاقية أو تاريخية، ولا اعترفت بوجودها شعوب الأمة العربية والمنطقة. هنا نعثر على سر محاولتها اليوم، بدعم أمريكي، تغليف إنكار أزمتها الوجودية، عبر التأكيد الدستوري على يهوديتها، فيما يعلم الجميع أنها قامت، أصلاً، لجميع يهود العالم، وليس، فقط، لمن استطاعت جلبه منهم لاستيطان أرض فلسطين وأجزاء أخرى من الأرض العربية بالحديد والنار، ودعمِ دول الاستعمار «الغربي»، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

وعليه، فلنقل: إن «صفقة القرن»، وأساسها «قانون أساس القومية» ل«إسرائيل اليهودية»، هي، بمعنى ما، محاولة لتخفيف وطأة ما يعتمل داخل الأخيرة من تناقضات (داخلية وخارجية)، اتصالاً بإنكار قادتها لوجود أهل الأرض الأصليين، وحقهم فيها والدفاع عنها، وبإدراك هؤلاء القادة لما استقرّ في يقين الشعوب العربية ووجدانها مِن رفضٍ للاستسلام والخضوع لإرادة هذه «الدولة الثكنة»، بقيادة ائتلافها الحاكم الحالي المثقل بفكر عنصري فاشيّ، يعبر عن مزاج المجتمع المستوطِن، وهو المزاج الناشئ عن شعور بالتفوّق المادي والقوة الهائلة، كشعور يعزِّز حالة دفاع عن الذات المهدّدة تاريخياً وفق لاشعورٍ جمعي.

لقد حدث ذلك نتيجة عمليةٍ تراكميةٍ للهجرة والاستيطان، وتكلَّلَ بنكبة العام 1948، وتعزز ب«نكسة» العام 1967، وما التأكيد اليوم على يهودية «إسرائيل»، بعد بلوغها عقدها السابع، إلّا مجرد تطمينٍ للذات المستوطِنة الخائفة. فعلى الرغم من كلّ مشاريع «الحلول،» منذ تقسيم لجنة بيل سنة 1937، إلى قرار التقسيم عام 1947، إلى «صفقة القرن» اليوم، فإنّ ما يستقرّ في الوجدان الشعبيّ الفلسطيني والعربي، عموماً، هو رفضُ الاستيطان والمشروع الاستيطاني، وتجسيده «إسرائيل»، التي تعيش الآن قلقها الوجودي.

هنا، ورغم ما تحمله «صفقة القرن» من مخاطر وتحديات، تتعلق بما ستمارسه «إسرائيل» هذه مجدداً من حروب وعمليات تهجير وتطهير وتفريغ، فإنه لا ينبغي التعامل مع الأمر ككارثة لا رادّ لها، بل باستعادة عوامل القوة، عربياً وفلسطينياً، رسمياً وشعبياً، وفي السياسة والميدان. أما نقطة البداية فإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني خارج تلاعب قطبَي الانقسام، فتح وحماس به، تحت قيادة واحدة، وبرنامج سياسي كفاحي واحد، ومرجعية وطنية واحدة، هي منظمة التحرير الفلسطينية، إذا شئنا لها ألا تلقى المصير الذي آلت إليه «الهيئة العربية العليا» التي قادت النضال الوطني الدفاعي التحرري قبل العام 1948.

قصارى القول: إذا كانت «إسرائيل اليهودية» تواجه مأزقها البنيوي الناجم عن مكر التاريخ، المتربّص بها وهي تعاند تقدّمه بالقول: «ها أنا هنا، وأعيش، مدجّجة بكل عوامل القوة»، فيلكزها التاريخ لكزته الموجعة، فإن مكر التاريخ يمكن أن يلكزنا، أيضاً، إذا نحن قبلنا الاستكانة للواقع، في محطة مفصلية نحاول فيها أن نغيّر مجرى التاريخ الذي لا يعرف «نهاية» أو «محطة أخيرة».