التطبيع مع الكيان الصهيوني على الطريقة التونسية

حجم الخط

تتسارع خطوات التطبيع العلنية العربية مع الكيان الصهيوني مع إيقاع خطوات التمهيد للمخطط الأمريكي الصهيوني الذي ستعقد أول حلقاته في مؤتمر البحرين الاقتصادي في الخامس والعشرين 25 من الشهر الحالي، وبحضور عدد كبير من الدول العربية دون حضور فلسطيني رسمي، في حين أن إجراءات التطبيع قبل ذلك تتم بصورة غير معلنة. فبعد زيارة نتنياهو لسلطنة عُمان، وزيارات الحاخامات الإسرائيليين وغيرهم من الإسرائيليين إلى البحرين، وحضور السفير السعودي بالقاهرة حفلًا أقامته السفارة الإسرائيلية بمناسبة تأسيس دولة الكيان، بعد هذه الإجراءات العلنية للتطبيع تأتي زيارة الوفد السياحي الإسرائيلي الكبير إلى تونس قبل أيام، وبدعوة رسمية من وزير السياحة التونسي اليهودي رينيه طرابلسي، وقد كان التوقيت مناسبًا حيث ترافق مع موافقة تونس على حضور مؤتمر المنامة الاقتصادي الذي سيعمل لصالح الكيان الصهيوني بتحويل القضية الفلسطينية من مضمونها السياسي الوطني التحرري إلى قضية اقتصادية معيشية، وهذا التحول في حد ذاته فيه الامتهان الكبير للكرامة الوطنية الفلسطينية والعربية، بإعادة صياغة الوعي السياسي للشعوب العربية وتشويه للتاريخ الكفاحي الوطني والقومي الذي تجسد عبر معارك النضال ضد المشروع الصهيوني الاستعماري.

إن التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي يتم بشكل علني هو تراجع عن الموقف العربي الرسمي الذي جاء في المبادرة العربية للسلام الذي أقرته قمة بيروت عام 2002، حيث تضمنت في بنودها استعداد جميع الدول العربية على إقامة علاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني في حال قيامه بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 67، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس الشرقيه، والتوصل الى حل (متفق) عليه بخصوص قضية اللاجئين الفلسطينيين؛ والآن يتم الخروج عن هذا الموقف السياسي العربي بشكل صريح قبل الوصول إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، يحقق فيها الشعب الفلسطيني كل حقوقه الوطنية المشروعة، وهو ما يعتبر بالفعل خيانة للقضية الفلسطينية وتآمر مفضوح على الشعب الفلسطيني.

في زيارة الوفد السياحي الإسرائيلي لتونس الذي سمح له بزيارة بيت أبو جهاد الذي اغتيل فيه، دلالة رمزية على قدرة التفوق الأمني الإسرائيلي على مجابهة الانتفاضة التي كانت وقتها مشتعلة في الضفة والقطاع، والذي نقل عن بعض المواقع الاخبارية أيضًا بأن الوفد يضم في عداده أحد أفراد الكوماندوز الذي قام باغتيال القائد خليل الوزير وكانت جزيرة جربة المعروفة بقاطنيها الكثر من اليهود قبلة لزوار إسرائيليين، وحادث اغتيال القائد أبو جهاد المسئول العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية في ذلك الوقت بهذه السهولة، حيث ابحار فريق من الموساد الإسرائيلي من شواطئ فلسطين المحتلة عام 48 إلى الشاطيء التونسي، ثم التوجه إلي بيته الكائن في العاصمة تونس، وفي حي راق مميز يقطنه بعض المسئولين الحكوميين، وعودة ذلك الفريق بعد أن أنجز مهمته العدوانية سالمًا، وبدون حدوث أي اشتباك من قوات الأمن التونسي، كل تلك الوقائع تدلل على تغلغل إسرائيلي كبير في تونس عبر سياحة مخفية.

من المفيد في الحديث عن التطبيع مع الكيان الصهيوني في الحالة التونسية أن نؤكد حقيقة رفض الشعب التونسي وغضبه من هذه الخطوة التطبيعية التي جاءت بموافقة حكومة تدعمها حركة النهضة الاسلامية بقيادة الغنوشي، بحجة تعميم أواصر التسامح الديني، وأن نستذكر أيضًا موقف تونس من القضية الفلسطينية، فقد احتضنت العاصمة تونس القيادة الفلسطينية بعد الخروج من بيروت بسبب الحصار الإسرائيلي الذي فرض عليها أثناء الغزو الصهيوني للبنان في يونيو عام 82، والذي استمر زهاء ثلاثة أشهر في ظل صمت وتخاذل عربي وإسلامي رسمي مطبق، وهذا الموقف يثمنه الشعب الفلسطيني عاليًا، لكن التاريخ السياسي في المنطقة أيضًا ما زال يحفظ رؤيا سياسية خاصة قريبة من سياسة التطبيع مع الكيان الصهيوني انفردت بها تونس من بين الدول العربية قاطبة قبل هزيمة يونيو حزيران عام 67 ، حيث كان المد القومي العربي في تلك الفترة السياسية طاغيًا في عموم المنطقة العربية، وكان ذلك حين طالب الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة أثناء زيارة رسمية قام بها للأردن قادمًا من مصر، وكانت الضفة الغربية حينها جزءًا من المملكة الهاشمي؛ طالب بالاعتراف بإسرائيل حسب قرار التقسيم 181  الصادر من الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 47، وهو موقف يعتبر في الظروف السياسية الحالية متقدم كثيرًا عن مشروع حل الدولتين الذي يقوم على حدود عام 67، لكن طرحه في تلك المرحلة كان يوصف بالتنازل الخطير عن مشروع تحرير فلسطين؛ الأمر الذي عرضه وقتها لنقد من النظام العربي الرسمي، ومن أجهزة الإعلام العربية خاصة في مصر عبد الناصر وسورية بوطنيتها وقوميتها العريقة.