عن أصدقائنا في الغرب

حجم الخط

المشكلة مع مفهوم «الأصدقاء» في الغرب، ليست أنّ هناك شيئاً واحداً اسمه «الغرب»، وهو سيئ جوهرياً. ولا أنّنا كأناس وأفرادٍ «أفضل» منهم (في ألمانيا، التي يراها البعض «بلد النازية»، و«البديل» اليميني الصاعد، قرأت أخيراً أن أكثر من ثلث الألمان قد ساعدوا شخصياً اللاجئين حين كانوا يتدفّقون على البلد). ولا أنّه لا توجد في أوروبا وأميركا فئات تصلح فعلاً لأن تكون «صديقة» لنا، ولا مصلحة لها في المؤسسة القائمة. المشكلة أنّ هذه الفئات (الأقليات الفقيرة، المهاجرون، الذين لا يملكون أوراقاً، إلخ) لا تملك أصلاً صوتاً في مجتمعها وتنظيماً سياسياً، ولا تأخذ مكاناً في المؤسسة، وليست هي من يخاطبك في مجالات النظام العالمي والاقتصاد والسياسة الدولية. على الهامش: ولأن أكثر العرب، في بلادهم، هم كهذه الأقليات في الغرب، لا يملكون صوتاً وتنظيماً، حتى لم تُصنَع جسور بين الجاليات العربية في الغرب وأوطانها (كما كان يحصل منذ بداية القرن العشرين مع جاليات المغرب العربي في أوروبا، أو حتى في بداية هجرة الشوام)، بل ترك أمر تثقيف هذه الجاليات وتلقينها هويتها للحكومات التي تستقبلها، أو للمنظمات الدينية التي انتشرت في المهاجر بتمويل خليجي.

هذه ليست مبالغة، في كثير من دول الغرب، لو أنّك تكلّمت إلى هذه الفئات «المستضعفة»، لوجدتَ أنّ الكثير منها أقرب في السياسة (والثقافة) إلى شعبك منه إلى خطاب المركز السياسي في بلادهم. حتّى في أسلوب التحليل ونظريات المؤامرة تجد تشابهاً غريباً: حين سكنت في مدينة أوكلاند السوداء، قمت بـ«استطلاع للرأي» في المبنى الذي أسكن فيه بين جيراني السّود، فوجدت أن 9 من 10 مقتنعون بأنّ هجمات 11 أيلول كانت «عملاً داخلياً» دبّرته الحكومة والمخابرات (والعداء لليهود بينهم، حتى أكون صريحاً، لا تجده اليوم في دير كاثوليكي). هؤلاء هم حقّاً خارج «الثقافة السياسية السائدة». العنصرية لديهم تجربة معيشة وحقيقية وتعرّف حياتهم (الكثير منهم أميركيون سود من ولايات جنوبية، أتوا الى كاليفورنيا لأنّ «وضع السود فيها أفضل» ــ مع أنني كنت أراه مريعاً ــ والعنصرية أقلّ). أمّا الارتباط بين العنصرية والحرمان ورفض المجتمع «المحترم» لهم، فهو واضحٌ وبديهيّ، ويجعلهم لا يأخذون الهوية الوطنية والعلم والجيش على محمل الجدّ (أمّا الشّرطة والدّولة والنظام القضائي، فهي العدو. ولن أتكلّم هنا على المكسيكيين الذين يقضون أوقات فراغهم في الحلم بـ«استرجاع» كاليفورنيا وتكساس والجنوب الغربي). لكنّ هؤلاء الناس لن يصبحوا جزءاً من المؤسسة - على عكس الأكاديميين والإعلاميين، وكثير من «اليساريين» الذين يتبنون سياسات تقدمية «متطرفة»، ولكنهم فعلياً في قلب النظام، وحياتهم ترتبط به بشكلٍ مباشر. وهؤلاء «المستضعفون» لا يملكون الموارد والقدرات لتنظيم أنفسهم سياسياً وتحصيل حقوقهم، فضلاً عن أن يتوجّهوا إلينا بخطاب سياسي ويبنوا معنا صلات.

المسألة هي في المؤسسة الحاكمة، والتحالفات والمصالح التي تمثلها وتنبثق منها. الفائدة الأهمّ للينين في هذا المضمار، أنّه يشرح لك أن مشكلتك ليست مع رئيسٍ سيّئ أو حزبٍ يمينيّ، بل مع نمطٍ اقتصادي-سياسيّ تكوّن تاريخياً، ودور المؤسسة الحاكمة هو أن تخدمه ــ بغضّ النظر عن هوية من يمسك السلطة. ولا يمكن المزاوجة بين الإبقاء على النمط الرأسمالي القائم والمطالبة، مثلاً، بسياسة خارجية «سلميّة» تنبذ الحروب، أو بين الحفاظ على الامتيازات الاقتصادية للغرب، وادّعاء «الصداقة» مع شعوبنا. المشكلة، في حالة أميركا مثلاً، ليست في أنّ الديموقراطيين والجمهوريين يمثّلون مؤسسة واحدة (هذا ينطبق على الداخل كما الخارج، الديموقراطيون في أميركا و«الاشتراكيون» في فرنسا كانوا أسرع وأفعل من اليمين في تمرير الإصلاحات النيوليبرالية والتخصيص)؛ المشكلة هي حين تطلب مني أن أختار بينهما، أو أكون «كارهاً للغرب». المشكلة ليست في أن تراهن على سياسي أميركي من قلب المؤسسة لأنّ لونه أسود (أو لأنّه امرأة، أو لانّه يدافع عن أقليات ضعيفة، إلخ)، المشكلة هي حين تصدّق أنّه يمثّل فعلاً هذه الفئات في السّلطة، وقد أصبح ــ بسبب لونه أو خطابه ــ «صديقنا».

ماذا يريد «اليسار»؟

لن أتكلّم هنا عن التيار السائد في الحزب الديمقراطي في أميركا، بل سأستخدم مثال يسار الديمقراطيين (الذين تسمّيهم «فوكس نيوز» اليسار «المتطرّف»). ثقافة هذا اليسار الأميركي اليوم ولغته التقدميّة تركّز على مفهوم القوّة في العلاقة بين الهويات الاجتماعية المختلفة، ودورها في ترسيم الأنا والآخر، وكيف تفرز ــ في كلّ علاقة تقريباً ــ طرفاً قوياً وآخر ضعيفاً أو حتّى ضحيّة. من هنا تخرج ثقافة كاملة تقرّر كيف يجب أن يكون التعامل الصحيح بين الرجل والمرأة، أو الأسود والأبيض، والمواطن والمهاجر، وكيف تدير الهويات الجنسية المختلفة وتخاطبها، إلخ. لكن مفهوم «القوّة» هذا لا يعبر غالباً إلى المجال الاقتصادي، كأنّه موجودٌ في اللغة والمظهر والسلوك الفردي فحسب. بمعنى آخر، أنت يمكن أن تهاجم «الرجل الأبيض» من حيث هو رجلٌ أبيضٌ له امتيازات، وتطلب منه أن يكره نفسه ويغيّر ثقافته ويحرس لغته حين يتوجّه إلى الآخرين، ولكنك لا تتوجّه إلى مصدر ثروته.

عضو الكونغرس إلهان عمر، تدافع عن المهاجرين والأقليات بشجاعة، لكنها لا تربط بين نضالهم ونضال «الرجل الأبيض» الفقير، بل تُسهم في وضعهما في مواجهة بعضهما لبعض (الأوّل «تتكلّم باسمه» مؤسسة الحزب الديموقراطي والثاني يحتكره الجمهوريون). هذا، سياسياً، لا يوصل إلى مكان، بل هو تماماً ما يريده ترامب في الفترة الحالية (كما يقول جمال غصن، فإنّ الدّور الأساسي لإلهان عمر في السياسة الأميركية، أنها قد تضمن - منفردةً - إعادة انتخاب دونالد ترامب لولايةٍ ثانية). في كلّ الأحوال، التّجربة التاريخية تقول إنّ «الفقير الأميركي» و«الفقير المهاجر»، إن تواصلا واتّحدا فعلاً (كما حصل في لبنان بين اللاجئين الفلسطينيين والمسلمين الفقراء في بداية الحرب الأهلية)، فإنّ ما سينتج من ذلك سيكون مفزعاً لحزب إلهان عمر ومثقّفيه ويساره الليبرالي ــ إن كنت برجوازياً، فمن الأسهل عليك بكثير أن تدعم المهاجر والأسود وهو «ضحيّة أبدية» على أن تقف معه حين يصبح له كيانٌ وقرار ويأخذ زمام الأمور، وأنت تفضّل أن تنادي على الراديكالية باسمه وليس على الراديكالية بطريقته.

حين تصل إلى المستوى الاقتصادي تجد أنّه، بعكس مجال الهويات وكراهية ترامب واللغة الصحيحة، لا توجد نظرة موحّدة، أو نظريّة واضحة، لدى يسار الحزب الديموقراطي. بيرني ساندرز، مثلاً، يصف نفسه بأنّه «اشتراكي» (وهذا، للحقّ، كسر محرّمٍ في السياسة الأميركية، حيث كلمة «اشتراكي» تستخدم في العادة كشتيمة واتهام)، ولكن حين يوضّح ما يقصد بالكلمة يحيل إلى «الاشتراكية الديموقراطية» التي نجدها في دولٍ مثل الدانمارك والسويد. المشكلة أنّ هذه الدّول، من ناحية، صغيرة ويمكن بناء أنظمة اجتماعية (وتنسيق بين الدولة والعمال والشركات) لا يمكن تقليدها في أميركا. وهذه الأمثلة، من ناحيةٍ ثانية، ليست حتّى «اشتراكية»، بل أنظمة رأسمالية مثل أميركا تماماً، مع مقدار أعلى من الضرائب والرعاية الاجتماعية (والسويد لم تعد سويد السبعينيات والتسعينيات، وقد مرّت بإصلاحات وخصخصة جعلتها اليوم أقرب إلى أميركا منها إلى «السويد» التي يحيل إليها ساندرز). كأكثر المرشّحين الديموقراطيين، يتكلّم ساندرز بقوّة عن المحرومين والفقراء في أميركا، لكن على طريقة الإحسان المسيحي، لا على طريقة من يريد تغيير النّظام. هو يطالب، مثلاً، بدفع القروض التي تربّت على الطلاب بسبب تعليمهم، ورفع رواتب أساتذة المدارس، ولكنّه يريد تمويل هذه السياسات من ضريبة على معاملات «وول ستريت».

لكن الجديد اليوم، أنّ هناك، للمرّة الأولى، ما يشبه النظرية الاقتصادية التي يعتنقها مؤيّدو اليسار الأميركي، وهي تنتشر بين أوساطهم، وتتبناها رموزٌ صاعدة لهم مثل ألكساندرا أوكاسيو-كورتيز (ويؤيدها أيضاً مستشارون مقرّبون لبيرني ساندرز). هذه الفكرة الجديدة اسمها «النظرية النقدية الحديثة» (MMT, Modern Monetary Theory)، وهي لها مؤيدون بين بعض المختصين في الاقتصاد منذ أكثر من عشر سنوات، لكنها تتحوّل أخيراً إلى «عقيدة اقتصادية» لدى فئة متزايدة من «يسار الديموقراطيين»، وبخاصةٍ الشباب؛ وهم يعتبرون أنهم قد وجدوا أخيراً «نظريتهم» في الاقتصاد وإدارة الدّولة، ويطالبون بأن تستبدل أفكار الاقتصاديين «النيوليبراليين»، مثل لاري سامرز وبول كروغمان، الذين اعتمدهم الديمقراطيون لسنوات طويلةٍ خبراءَ ومنظّرين.

النظرية النقدية الحديثة

«النظرية النقدية الحديثة» معقّدة بعض الشيء وغريبةٌ إلى حدٍّ بعيد، وهي لذلك تحتاج إلى شرح (وإن بدت أفكارها فانتازيّة و«سحريّة»، فهذا لأنّ النظام المالي الحديث هو كذلك). يمكن اعتبار «النظرية الحديثة» شكلاً متطرّفاً من الـ«نيو-كينزية»، بمعنى أنّ كينز كان يطالب بأن تتدخّل الدولة في الاقتصاد عبر الإنفاق والمشاريع، فيما أصحاب «النظرية الحديثة» يقولون بتدخّل الدولة عبر طباعة المال. هل تعرفون المقولة التي تكرّر دوماً عن الحكومة الأميركية بأنّها «تطبع الدولارات» حين تريد؟ هؤلاء يريدون، ببساطة، مأسسة ذلك. هم لا يجدون في «خلق المال» فكرةً سيئة (الدولة فعلياً لا «تطبع» المال اليوم، بل «يخلقه» المصرف المركزي كرقم على شاشة كمبيوتر ثمّ يحوله إلى حساب مصارف أخرى)، بل يجب توسيع استخدامه، وجعله وسيلةً لتنفيذ كلّ ما نريده في المجتمع. تريد رفع رواتب الأساتذة؟ اطبع مزيداً من المال؛ تريد برامج صحية ورعاية؟ اطبع المال الذي تحتاجه.

قد يبدو هذا التوصيف مبالغة، لكنّهم، فعلاً، يقولون هذا الكلام. في الدّول الثرية التي تقترض بعملتها الوطنية، تفيد النظرية، فإنّ الحكومة تتحكّم بالكامل بـ«صناعة المال» في اقتصادها. إن وقعت ميزانيتها في عجزٍ فما عليها سوى طباعة المال واقتراضه، بل إنّ أتباع «النظرية الحديثة» يقولون إنه ليس على الدولة أن تقترض حتّى، بل يمكنها أن «تخلق المال» لتدفع ما تحتاجه من دون أن تسجّل هذه المبالغ ديوناً. في النظرية العامّة، أنت تتجنّب إضافة المزيد من السيولة إلى الكتلة النقدية، لأنّ ذلك يؤدّي إلى التضخّم، فتنخفض قيمة العملة بشكلٍ يوازي الفائض الذي أضفته إلى السّوق. إلا أننا لم نعد نعيش في عصر التغطية الذهبية، يقول أتباع النظرية، وعلينا أن نفكّر في معايير عالمنا النقدي الحديث. قبل الحرب العالمية الأولى، مثلاً، كان طبع المال يؤدّي، بالفعل، إلى انخفاضٍ في «قيمة» وحدتك النقدية، لأن قيمتها تستمدّ من كمية ثابتةٍ من الذّهب. في عصر العملات «الاسمية»، التي تُطبع من غير تغطية، يحصل التضخّم لأسباب مختلفة تماماً، أساساً حين تفيض السيولة المعروضة في السّوق على الطّلب والاستهلاك ونموّ النشاط الاقتصادي. كلّ ما عليك فعله، إذاً، أن تولّد طلباً واستهلاكاً في المجتمع يوازي المال «الجديد» الذي تضيفه إلى السّوق (عبر مشاريع الدولة مثلاً)، ومن الجهة الأخرى، أن «تسحب» السيولة الفائضة عبر الضرائب. الضرائب في «النظرية النقدية الحديثة» ليست أداةً لتمويل الدّولة أو إعادة التوزيع، بل هي، أساساً، أداة للتحكّم بالتضخّم (تحتسب كم من المال تحتاج لأن «تخرجه» من السّوق، وتقرر على أساس ذلك معدل الضريبة لهذه السنة).

بتعابير أخرى، المال هنا مثل مال لعبة «مونوبولي» تماماً، ودور الدولة أن تدير عملية خلقه وتوزيعه وتدويره على «اللاعبين». وإن أتقنت الدولة اللعبة بكفاءة، فإنّ المال سيكون متوافراً على الدّوام وستظلّ معدلات الفائدة، في الوقت نفسه، قرابة الصفر. إن كان المال وهمٌ وشعوذة، والدّولة هي من يمسك العصا السحريّة، فحريُّ بنا أن نستثمر في هذه الحالة، و«نطبع» المال لخدمة أكبر فئاتٍ في المجتمع، ولا نتعامل مع النظام النقدي كأننا ما زلنا في أيام الجنيه الذهبي. في الحقيقة، إنّ أزمة 2009 وما بعدها قد أعطت زخماً جديداً للنظرية، وإثباتاً لبعض مقولاتها: «خلقت» المصارف المركزية الغربية، إثر الأزمة المالية، تريليونات الدولارات ــ حرفياً ــ حتى تضخّ سيولةً في النظام المصرفي. النظرية الكلاسيكية تقول إنّ هذه الأفعال يجب أن تؤدّي إلى تضخّم، وارتفاع في معدلات الفائدة، وانخفاض في قيمة العملة، ما لم يعاجل المصرف المركزي إلى امتصاص هذه التريليونات التي رماها في السّوق. لكن ذلك، ببساطة، لم يحصل. ظلّت معدلات الفائدة منخفضة ولم يقع التضخّم المنتظر، وتعيش البورصة الأميركية وشركاتها إحدى أطول مراحل الازدهار في التاريخ، أساساً بفضل توافر المال الرخيص مع انتفاء «الآثار الجانبية» المعتادة للمال الرخيص. بدلاً من أن نطبع المال لمساعدة المصارف، يقول أتباع «النظرية الحديثة»، فلنفعل ذلك من أجل تمويل البرامج الاجتماعية، ومساعدة الفقراء، وتقديم التغطية الصحيّة. أن نستخدم الدولار لخدمة الاشتراكية.

خاتمة: اشتراكية لأبناء الإمبراطورية

منذ فترة، أرسل لي الاقتصادي علي القادري، مشكوراً، نقداً نظرياً ماركسيّاً لـ«النظرية الحديثة» (طلب منّي القادري، بلطف، أن أقلّل من ذكر اسمه في مقالاتي، فقرّرت أن أقتبسه باستمرارٍ من الآن وصاعداً، بسببٍ وبلا سبب). النصّ لباحثٍ اسمه آدم بوث، وهو طويلٌ ولكنّه لا يعرّج إلا بكلماتٍ قليلة على العلاقة بين «النظرية الحديثة» والإمبرياليّة، وعلى معنى أن يعتنق يساري في الغرب مثل هذه السياسات. الفكرة هي أنّ أصحاب النظرية نفسهم يشرحون أنها لا تعمل إلا في «حالات استثنائية»: أميركا وربما أوروبا واليابان. المسألة لا تتعلّق بطبيعة المال بقدر ما هي تتعلّق بطبيعة القوّة في العالم وكيفية إنتاج القيمة على المستوى الدولي. لو سمع المستثمرون أنّ بلداً من العالم الثالث قد قرّر طباعة المال على طريقة «النظرية الحديثة»، فإنّ قيمة عملته ستنهار قبل أن تلمس السيولة السّوق (وفي لبنان، أنا أفكّر جديّاً بتحويل الليرات اللبنانية التي أملكها إلى أونصات ذهبية أبقيها قريباً منّي، كما يفعل المجانين في أميركا، وذلك لأنني لا أثق بعملتي الوطنية وأخشى أن أستيقظ على خبر انهيارها في أيّ يوم ــ وتصبح ملياراتي بلا قيمة).

تبدو «النظرية الحديثة» كحلٍّ مثاليّ أو ــ حرفيّاً ــ «سحري» لقطاع كبير من اليسار الأميركي: تسمح لك بتمويل ما تريده ولا تجبرك، في الوقت ذاته، على التصادم مع المؤسسة الرأسمالية الأميركية ومصالحها وخوض نضالٍ اجتماعيّ مرير (أنت، في شكلك الحاضر، لن تقدر عليه في كلّ الأحوال). دولارات بلا نهاية للجميع؛ الفقير والرأسمالي. لكنّ المشكلة أنّ أهمّ شروط تحقّق هذه النظرية هو، ببساطة، استمرار الإمبريالية. أي أن يظلّ الدولار عملة الاحتياط العالميّة، مع كلّ معالم الهيمنة السياسية والعسكرية التي تستلزم ذلك؛ وأن تبقي على التراتبية ذاتها بين «الدول الثرية» (التي تملك «استقلالا نقدياً» والمال عندها هو مثل ورق «مونوبولي») وتلك التي لا قيمة لجهد أبنائها وعملهم. إن تغيّر شكل هذا النظام العالمي، تنهار ــ أوتوماتيكياً ــ كل السياسات التي تقوم على هذه النظرية، وهم يعرفون ذلك من غير شك. حتّى الموقف من الصّين، التي تهدّد مقام العملة الأميركيّة، قد يتحدّد في نهاية المطاف بناءً على هذا التناقض (قد يقولون يومها إنّهم يعادون الصين لأسباب حقوقيّة، أو دفاعاً عن مسلميها، تماماً كما يفعل النظام الأميركي اليوم؛ لكنّ الأساس أنّ عقيدتهم الاقتصاديّة تجعلهم ــ ضرورةً ــ على عداءٍ «بنيويٍّ» مع كيانٍ يهدّد بتخريب مشروعهم؛ بغضّ النظر عن صفاته وسياساته الداخلية ــ أيضاً كحال النظام الأميركي اليوم). نحن نتكلّم على أقصى اليسار الديموقراطي، لا على هيلاري كلينتون، وهم يبشّرون بنظرية اقتصادية لا تهادن الإمبرياليّة فحسب، بل تعتمد عليها وتحتاج إليها. أن تكسب الأميركيين بأن تعدهم بتوزيع «اشتراكي» لعوائد الإمبرياليّة والنظام الدولي على أهل البلاد، ونحن نحصل على الكلام المعسول.