تعزيز القواعد الناظمة للعلاقات الدولية

حجم الخط

كان اندلاع الحركة الاحتجاجية، في مطالع العقد الثاني من هذا القرن، فرصة مناسبة لتنفيذ أجندات، لم يكن بالإمكان تحقيقها في ظل استقرار نسبي حظيت به الكيانات الوطنية، في الخمسة عقود المنصرمة. وبشكل أدق، كان فرصة لتحقيق برنامج المحافظين الجدد، بالولايات المتحدة، الذي تم الإفصاح عنه مباشرة، بعد حوادث 11 سبتمبر عام 2001. وتزامن ذلك الإفصاح مع احتلال أفغانستان والعراق، تحت ذريعة محاربة الإرهاب. كما تزامن مع قيام بعض مراكز البحوث المعروفة برسم برامج وخطط وخرائط لتقسيم المنطقة بأسرها، وتنظيرات مصاحبة بنهاية سيادة الدول واستقلالها، وأن العولمة الجديدة ستكنس في طريقها الثقافات وتلغي الحدود، وأن هناك فلسفة جديدة، ستنبثق، على قاعدة نهاية الأمم، والكيانات السياسية، واندماج العالم بأسره، في كوكبة اقتصادية وسياسية واحدة.

حمل التنظير الجديد في طياته تبشيراً بنهاية المؤسسات الناظمة للعلاقات الدولية، وبسقوط العقد الدولي المنبثق عن اتفاقية ويستفاليا. هذه الاتفاقية، التي وقعت عام 1648، بعد ثلاثين عاماً من الاقتتال الداخلي الأوروبي. وجاءت حصراً لتنقذ أوروبا من الاقتتال. وكان أساس هذه الاتفاقية هو احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وأيضاً حق الأمم في تقرير المصير.

وقد ارتبطت تلك الاتفاقية بشكل وثيق مع الحداثة، باعتبارها مقولة تاريخية، بشرت بفكرة الدولة/ الأمة، على قاعدة هزيمة الإقطاع وانتصار الثورة الصناعية.

وكانت مؤشرات التراجع السياسي للكنيسة، قد برزت بعد بزوغ حركة الإصلاح الديني، لكينج وكالفن. ليتبعها بعد حقب عدة انتصار اليعاقبة في فرنسا، والمتطهرين في إنجلترا. ولم تكن اتفاقية ويستفاليا، سوى المقدمة لانتصار مفهوم الأمة، المستند إلى احترام السيادة وحق تقرير المصير، وبروز البروتستانتية لاحقاً، معبرة عما عرفها ماكس فيبر بالعقلانية القانونية. ومن ثم بروز ظاهرة الفصل في السلطات الثلاث، ودولة العقد الاجتماعي.

وكانت أهم خاصية لتلك المرحلة هي نشوء الدولة القومية، وكسر الحواجز الجمركية، داخل الأمم الناشئة، والبحث عن أسواق جديدة، خارج أسوار الأمم الحديثة التشكل. وقد وضعت تلك المقدمات الأساس لبداية العهد الاستعماري التقليدي، الباحث عن الثروة والموارد، في الدول الفقيرة، بالقارات الثلاث: آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وهكذا فإن الدول التي وقعت معاهدة ويستفاليا، داخل أوروبا، هي التي خرقتها في خارج النطاق الأوروبي. وقد رسمت تلك البداية تناقضاً فاضحاً بين مفهوم الحداثة، الذي مورس بجدارة في القارة الأوروبية، وما قبلها الذي مورس، من قبل الأوروبيين أنفسهم، في العالم المقهور.

تعززت تلك المبادئ بعد إنجاز معظم دول العالم الثالث، الاستقلال السياسي، الذي اكتمل بالبلدان العربية، في مطالع السبعينات. ولم يتبق تحت الاحتلال المباشر من البلدان العربية، سوى فلسطين، التي بقيت جرحاً نازفاً حتى يومنا هذا.

ولأن تنظير المحافظين الجديد هو نشاز في التاريخ الإنساني، حيث لا يمكن للبشرية، أن تقبل بهيمنة إمبراطورية واحدة على مقدراتها ومستقبلها، فإن موسم الأحادية القطبية لم يقدر له أن يستمر طويلاً. وما يشهده العالم الآن، رغم الفوضى والانفلات السياسي والأمني، في كثير من زوايا كوكبنا الأرضي، هو انتقال من الأحادية القطبية إلى التعددية، بما يعني تراجع الجانب المتوحش للعولمة، وعودة الاعتبار لسيادة الدول، ولحقها في اختيار النظم السياسية التي تلائمها، من غير تدخلات خارجية. لقد تأكد أن العالم لا يمكنه احتمال هيمنة قطب واحد عليه، وأن القانون الطبيعي، في العلاقات الدولية، ليس الاستسلام والخضوع لهيمنة القوة الأعظم، بل صراع الإرادات والعمل على تحسين موازين القوة.

إن الحديث عن نهاية حقبة السيادة والاستقلال، يغيّب صراع الإرادات، وقوة الثقافات. والواقع أن آليات العولمة وقوانينها لم تكن نتاج تطور تاريخي، بل تمت بالقسر.

وهنا يقتضي التمييز بين قوة عظمى، تشاطر قوى عظمى أخرى، كما هو الحال، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، حتى سقوط حائط برلين، وبين احتكار قوة واحدة صناعة القرار الأممي.

لقد خرجت الولايات المتحدة من عزلتها الدولية خلف المحيط، منذ الحرب الكونية الأولى، وأكدت حضورها القوي على حساب مصالح الاستعمار التقليدي، البريطاني الفرنسي، بعد الحرب الكونية الثانية. ومنذ ذلك التاريخ، تربعت على عرش الهيمنة الاقتصادية، يتنافس معها الاتحاد السوفييتي على الصعيدين، العسكري والإيديولوجي.

لكن أحداث منتصف العقد الأول من هذا القرن، أكدت تراجع القوة الأمريكية في المحافل الدولية. وجاءت أول إشارة في هذا السياق، من فرنسا، العضو في الناتو والحليف التاريخي للولايات المتحدة وليس من روسيا الاتحادية. فقد هددت فرنسا، أثناء التحضير الأمريكي لاحتلال العراق، باستخدام حق النقض، في حال عرض موضوع احتلال العراق على التصويت في مجلس الأمن الدولي.

الثابت الآن أن الولايات المتحدة لم تعد الصانع الأوحد للسياسة الدولية، والسياقات التي تؤكد ذلك كثيرة، وليست على ما أحسب موضوع خلاف.
مرحلة تاريخية جديدة تبدأ الآن، سيكون لها انعكاساتها المباشرة، ينبغي أن تسهم في ترصين العلاقات الدولية، وهزيمة الإرهاب، والتأكيد على سيادة واستقلال الدول. وقد بدأ وضع اللبنات الأساسية في النظام الدولي الجديد.