رسالة الأسير وليد دقة في اليوم الأول من عامه العشرين في الأسر!

حجم الخط
أخي العزيز أبو عمر.. تحية وبعد اليوم، الخامس والعشرون من آذار، هو يومي الأول في عامي العشرين من الأسر.. واليوم هو يوم ميلاد أحد الرفاق الشباب الذي يكتمل به عامه العشرون من عمره، وقد ذكرتني هذه «المناسبة».. تاريخ اعتقالي.. وميلاد الرفيق، ذكراني بالسؤال بيني وبين نفسي.. كم عُمر لينا اليوم.. التي أصبحت أمًا لطفلين..؟ وكم عمر نجلاء أمًا لثلاثة.. وحنين أمًا لطفلة.. وعبيدة الذي سافر للدراسة في أمريكا دون أن أودعه وهو يودع آخر أيام مراهقته... كم عمر أبناء إخوتي وأخواتي الذين تركتهم أطفالاً يوم اعتقلت، أو ولدوا بعد اعتقالي بسنوات.. كم عمر إخوتي «الأطفال» الذين أصبحوا متزوجين وآباء لأطفال؟ لم أسأل من قبل، لم يكن يهمني الزمن وكم يمر منه بالمعنى الواسع لمفهوم الزمان بقدر ما كان يهمني كدقائق تمر بسرعة أثناء زيارة الأهل القصيرة التي لا تكفي لأن أطرح عليهم كل ما سجلته على كف يدي من ملاحظات ومهام تحتاج سناء جهدًا خاصًا، ليس لتنفيذها فحسب وإنما لتتذكرها، حيث يمنع منا استخدام القلم والورقة أثناء الزيارات فتبقى الذاكرة وسيلتنا الوحيدة لنتذكر، فأنسى أن أتأمل الخطوط التي بدأت تحفر وجه أمي منذ سنوات، وأنسى أن أتأمل شعرها الذي بدأت تصبغه بالحناء لتخفي الشيب عني حتى لا أسألها عن عمرها الحقيقي. عمرها الحقيقي..؟ أنا لا أعرف عمر أمي الحقيقي... لأمي عمران، عمرها الزماني الذي لا أعرفه، وعمرها الاعتقالي.. أو قل عمرها في الزمن الموازي هو تسعة عشر عامًا. أنا أكتب لكم من الزمن الموازي، وفي الزمن الموازي حيث ثبات المكان، لا نستخدم نفس وحدات زمنكم العادية كالدقائق.. والساعات، إلاّ حين يلتقي خطا زماننا وزمانكم عند شبك الزيارة فنضطر أن نتعامل مع هذه الصيغ الزمانية. فهي على كل حال، الشيء الوحيد الذي لم يتغير في زمانكم وما زلنا نذكر كيف نستخدمها. بلغني على لسان شباب الانتفاضة الوافدين، بل وقيل لي شخصيًا بأنّ أمورًا كثيرة قد تغيرت في زمانكم، فالتلفون لم يعد له قرص ويعمل بدون «سمونه» وإنما يشغل بكرت.. وأن إطارات السيارات ليس لها إطار داخلي «جواني» وإنما إطار واحد (تيوبلس).. أعجبني هذا النظام من الإطارات الذي يحتوي على مادة تُغلق الثقوب فيها ذاتيًا وبشكلٍ مباشر، وتمنع تسرب الهواء منها... أعجبني لأنه يشبه السجين الذي يقاوم «مسامير» السجان بنظام الإطار الواحد، نظام»التيوبلس». وعمومًا ليس له مفر إلا أن يعتمد على هذا النظام ذاتي الاصلاح، بعد أن أكتشف بأنّ «سائقنا» أو «سائقينا» لم يتركوا مسمارًا إلاّ وداسوه، ولم يكن هناك مطب إلاّ وأوقعونا به ظنًا منهم بأنهم يقصرون الطريق ويختصرون المسافة والجهد، سائقونا ليسوا متهورين فحسب، وإنما هم ببساطة يعتمدون على هذا النوع من «الإطارات»، وكأنها ليست إطارات من لحم ودم، او ليس لها غاية وهدف... حتى غدونا نقدًا يتداول في السوق..سوق العمليات السياسية..خذ»اطارات» وإمنحنا قليلاً من المركبة. ما قيمة "الإطارات" بدون "المركبة"؟ أتمنى أن تتحسن القيادة الفلسطينية والعربية، أتمنى لشعوبنا وقواها السياسية أن تعتمد هذا النظام الذاتي الداخلي للإصلاح، دون حاجة لمدعي «البنشرجية» من الأمريكان وغيرهم ممن يعيثون اليوم فسادًا في لبنان. وإذا كان لا بدّ من حديث في السياسة، رغم أنني قررت اليوم بالذات أن لا أتحدث بالسياسة. فنحن في الزمن الموازي حيث نراكم ولا تروننا، وحيث نسمعكم ولا تسمعوننا، وكأنّ فاصلاً زجاجيًا يقف بيننا تم تعتيمه من جهتكم كزجاج سيارات الشخصيات المهمة، حتى بات بعضنا يتصرف مغرورًا وكأنه شخصية مهمة فعلاً.. لقد أقنعونا بأننا شخصيات مهمة. لِمَ لا!! «فبرستيج» الموقع يتطلب.. في كل العالم هناك دول وحكومات لها أسرى، الا نحن أسرى لنا وزارة في حكومة ليس لها دولة!! نحن لمن لا يعرف في الزمن الموازي قابعون به قبل انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوڤيتي ومعسكره الاشتراكي.. نحن قبل انهيار سور برلين وحرب الخليج الأولى والثانية والثالثة... قبل مدريد وأوسلو وقبل اندلاع الانتفاضة الأولى والثانية، عمرنا في الزمن الموازي من عمر هذه الثورة وقبل انطلاقة بعض فصائلها.. قبل الفضائيات العربية وانتشار ثقافة الهبورجر في عواصمنا.. بل نحن قبل اختراع الجهاز النقال وانتشار أنظمة الاتصالات الحديثة والانترنت.. نحن جزء من تاريخ، والتاريخ كما هو معروف حالة وفعل ماضٍ إنتهى، إلاّ نحن ماضٍ مستمر لا ينتهي.. نخاطبكم منه حاضرًا حتى لا يصبح مستقبلكم. لقد قلت بأن هنا، زماننا غير زمانكم، فالزمن عندنا لا يسير على محور من ماضٍ وحاضر ومستقبل. وزماننا الذي يجري في ثبات المكان أسقط من لغتنا مفاهيم الزمان والمكان العاديين، أو قل أربكهم وفقًا لمعاييركم، عندما لا نسأل.. متى.. وأين نلتقي مثلاً، بل نحن قد التقينا وما زلنا نلتقي في نفس المكان.. نحن نسير هنا بمرونة ذهابًا وإيابًا على محور الماضي والحاضر، وكل لحظة ما بعد لحظة الحاضر هي مستقبل مجهول لم نعد قادرين على التعامل معه. مستقبلنا لا سيطرة لنا عليه، وما أشبه حالنا بحال كل الشعوب العربية، مع الفارق الجوهري، بأنّ احتلالنا أجنبي وسجانهم عربي، هنا سُجنا لأننا نبحث عن المستقبل وهناك دفن المستقبل حيًا. في زمننا الموازي غالبيتنا لم تجب على السؤال الذي يسأل عادة للأطفال.. عندما تكبر ماذا تريد أن تصبح؟.. أو إيش بدك تصير لما تصير كبير؟.. أنا حتى الآن، ورغم أنني بلغت من العمر أربعة وأربعين عاماً.. حتى الآن لا أعرف إيش بدي أصير لما أصير كبير!! إذا كان الزمن كمفهوم، ملازمًا للمادة هو الوجه المتحرك لها، والمكان هو ثباتها، فإننا في الزمن الموازي أصبحنا نمثّل وحدات هذا الزمن.. نحن الزمن الذي يتصارع مع المكان وفي حالة تناقض داخلي معه.. لقد أصبحنا وحدات زمننا. أصبحنا نُعرّف نقاطًا على محور الزمن باعتقال فلان وحضور علان إلى السجن أو تحرره.. هذه إحداثيات زمانية مهمة في حياتنا في الزمن الموازي. نحن نعرف كيف نحدّد الساعة واليوم والتاريخ وفقًا لوحداتكم الزمانية، لكنها وحدات غير مستخدمة، وإنما المستخدم هو، أنه حدث كذا يوم جاء فلان أو قبل أو بعد تحرر علان. ولأننا لا نعرف متى سيعتقل فلان أو ينتقل من سجن إلى آخر، ليس لنا ما نحدد به إحداثية مستقبلية على محور الزمن فنستعير وحداتكم الزمانية عند الحديث عن المستقبل. زمنكم هو الزمن الحقيقي... زمنكم هو زمن المستقبل. في الزمن الموازي وفي جدلية العلاقة بيننا وبين المكان، نطوّر علاقات غريبة مع الأشياء لا يفهمها إلا من أسر في الزمن الموازي.. كيف يمكن فهم العلاقة العاطفية بين أسير و»فنيلا» كانت آخر ما ارتداه لحظة قبل اعتقاله، كيف يمكن أن نفسّر علاقتنا العميقة بأشياء مُحدّدة فُقدانها قد يؤدي للحزن أو حتى البكاء أحيانًا.. أشياء كولاعة محددة أو علبة سجائر عينية تكتسب كل هذه الأهمية العاطفية لكونها آخر ما كان معنا في «المستقبل» وكأنها تأكيد للذات بأننا كنا يومًا خارج هذا الزمن الموازي، إنها الدليل على انتمائنا لزمنكم.. هذه الأشياء ليست مجرد مواد استهلاكية تلقى في القمامة بعد استخدامها، إنها قشة الغريق في بحر الزمن الموازي فتصبح أكثر من أشياء. في عام 96 سمعت «زامور» سيارة «سوبارو» لأول مرة منذ عشرة أعوام فبكيت، للزامور في زمننا استخدام غير تنبيه المارة، في زمننا الزامور قد يثير أعمق المشاعر الإنسانية. في العلاقة مع المكان يُطوّر أهل الزمن الموازي علاقة لا تقل غرابة عن علاقتهم بالأشياء، أنت هنا قد تطور علاقة خاصة ببقع في سقف زنزانتك أحدثتها المياه المتسربة والرطوبة، أو قد تطور علاقة بثقب في حائط أو شق في باب، من يفهم هذا الحوار المليء بالانفعال.. والمشاعر.. والمقاطعة والوصف وكأنه حديث بشأن الجنة وبابها وليس بشأن زنزانة وثقوبها. الأسير الأول - فِش بعد قسم أربعة.. آه.. ساق الله على أيام قسم أربعة. الأسير الثاني - صحيح بسْ أحسن شيء في قسم أربعة زنزانة سبعة.. الأسير الأول- وهو يخرج كل هواء رئتيه حسرة على تلك الأيام مقاطعًا. بعرف.. بعرف شو بدك تقول.. من هذه الزنزانة بتسمع، وجه الصبح بالزبط.. صوت السيارات على الخط السريع. الأسير الثاني- مقاطعًا أيضًا.. ولك مش بَسْ هيك.. إنت بتعرف باب الزنزانة؟.. باب الزنزانة!! بين الباب والحيط من عند الفصالات في شق وسيع بقدر 2سم منه بتشوف.. وإنت قاعد على تختك.. بتشوف آخر المردوان. يقول آخر ويشدد عليها ويمدها بطول المردوان. الأسير الأول - يا عمي لليش الحكي، أحسن شيء قسم أربعة. ما أبسط الأحلام ما أعظم الإنسان ما أصغر المكان.. ما أكبر الفكرة. لم أخطط بأن أكتب بمثل هذا اليوم لا عن الزمان والمكان، ولا عن زماننا الموازي ولا عن أي شيء، لا في السياسة ولا في الفلسفة، بل كانت لدي رغبة بأن أكتب عما يقلقني.. عما أحب وعما أكره، لكن كتابتي غير المخططة تشبه حياتي غير المخططة.. بل أعترف بأني لم أخطط لأي شيء، لا أن أكون مناضلاً أو عضوًا في فصيل أو حزب ولا حتى أن أتعاطى السياسة، ليس لأنّ كل هذا خطأ، أو أنّ السياسة أمر منكر ومبغوض كما يحلو للبعض أن يراها، بل لأنها كانت بالنسبة لي مواضيع كبيرة ومعقدة، أنا لستُ مناضلاً أو سياسيًا مع سبق الإصر ار والترصد، بل أنا ببساطة كنت من الممكن أن أكمل حياتي كدهان أو عامل محطة وقود كما فعلت حتى لحظة اعتقالي.. وكان من الممكن أن أتزوج زواجًا مبكرًا من إحدى قريباتي كما يفعل الكثيرون، وأن تنجب لي سبعة أو عشرة أطفال، وأن أشتري سيارة شحن وأن أفهم بتجارة السيارات وأسعار العملات الصعبة.. كل هذا كان ممكنًا، الى أن شاهدت ما شاهدت من فظائع حرب لبنان وما أعقبها من مذابح- صبرا وشاتيلا.. خلقت في نفسي ذهولاً وصدمة. إن الكف عن الشعور بالصدمة والذهول، إن الكف عن الشعور بأحزان الناس.. أي ناس، وإن تبلد المشاعر أمام مشاهد الفظائع.. أي فظائع، كان بالنسبة لي هاجسًا يوميًا، ومقياسي لمدى صمودي وصلابتي. إنّ الإحساس بالناس وبألم البشرية هو جوهر الحضارة، جوهر الإنسان العقلي هو الإرادة، وجوهره الجسدي هو العمل، وجوهره الروحي هو الإحساس والإحساس بالناس وبألم البشرية هو جوهر الحضارة البشرية. وهذا الجوهر بالذات هو المستهدف في حياة السجين على مدار الساعات والأيام والسنين، أنت لست مستهدفًا ككائن سياسي بالدرجة الأولى، وأنت لست مستهدفًا ككائن ديني أو كائن استهلاكي تمنع عنه ملذات الحياة المادية. قد تتبنى أي قناعة سياسية تريد ويمكنك أن تمارس شعائرك الدينية، وقد يتوفر لك الكثير من الاحتياجات الاستهلاكية، لكن يبقى المستهدف بالدرجة الأولى الكائن الإجتماعي والإنسان فيك.. المستهدف هو أي علاقة خارج الذات، أي علاقة يمكن أن تقيمها مع البشر والطبيعة بما فيها حتى علاقتك بالسجان كإنسان.. إنهم يفعلون كل شيء ليدفعونا كي نكرههم.. المستهدف هو الحب وذوقك الجمالي والإنساني. أعترف الآن وفي عامي العشرين من الأسر بأني ما زلت لا أحسن الكراهية، ولا الخشونة والفجاجة التي قد تفرضها حياة السجن.. وأعترف الآن بأني ما زلت ولأبسط الأشياء أفرح فرح الأطفال. وأمتليء سعادة لتشجيع أو إطراء أو كلمة طيبة.. أعترف بأنّ قلبي يخفق لوردة أشاهدها على شاشة التلفاز أو لمشهد الطبيعة والبحر.. وأعترف بأني سعيد رغم كل شيء، ولا أشتاق لأي ملذة من ملذات الحياة سوى لمشهدين.. الأطفال.. والعمال، مشهد الأطفال الوافدين من كل أنحاء القرية لمدارسهم صباحًا ومشهد العمال في ساعات الصبح المبكر وهم قادمون متحفزون من كل الأزقة والأحياء، في صباحٍ شتوي ضبابي بارد، باتجاه مركز البلدة متأهبين للسفر لأماكن عملهم، وأعترف الآن بأن كل هذه المشاعر، وكل هذا الحب ما كان ليبقى من دون حب أمي فريدة، وسناء زوجتي وأخي حسني، من دون دعم كل الأهل وإحاطة الأصدقاء والأعزاء لي ولهم. أعترف بأني ما زلت إنسانًا ممسكًا على حبه قابضًا عليه كما لو كان الجمر، وسأبقى صامدًا بهذا الحب، سأبقى أحبكم، فالحب هو نصري المتواضع والوحيد على سجاني.