في الوضع العربي انحطاط سياسي ودور إقليمي فاعل

حجم الخط

في رحلة البحث القلقة عن سمات الوضع العربي الراهن يتضح مدى الانحطاط الذي وصل إليه الواقع السياسي العربي، حيث الغياب الكامل لأي قوة إقليمية عربية في المنطقة تأخذ على عاتقها استنهاض الأمة العربية، من خلال صياغة مشروع سياسي وثقافي تقدمي في مواجهة المشروع الصهيوني، الذي أصبح مشروعًا أمريكيًا إمبرياليًا خالصًا تم التعبير عنه بموقف واشنطن لأول مرة من القضايا الجوهرية للصراع العربي الصهيوني والتي تم مصادرتها وبشكل خاص قضيتي القدس واللاجئين، من بنود صفقة القرن الأمريكية التصفوية المزمع إعلانها. مرحلة من الانحطاط السياسي تميزت بدور سياسي فاعل للدور الإقليمي متمثلًا بكل من الدور الإيراني الذي يغلب عليه الطابع الطائفي الشيعي والدور التركي ذو النزعة القومية الطورانيه التي تتدثر تحت عباءة الإسلام السياسي السني، مما جعل الساحة العربية مهيأة لهرولة غير مسبوقة من قبل دول عربية نحو الكيان الصهيوني، وفي فترة يتضح بها مدى التكوين اليميني العنصري للمجتمع الصهيوني التي تمخضت بعد آخر انتخابات للكنيست، جرت قبل أشهر باستمرار بقاء نتنياهو للمرة الخامسة يرسم خريطة المشهد السياسي الإسرائيلي، ويمكن اعتبار هذه الهرولة نحو الكيان من دول كالبحرين الذي عقد في عاصمتها المنامة في 24 من شهر يونيو الماضي مؤتمر بمشاركة اسرائيلية، وكذلك سلطنة عمان التي زارها نتنياهو، كل هذه الهرولة العلنية الصاخبة بدون حياء أو خشية من ردة فعل الجماهير العربية وقواها السياسية القومية والتقدمية تعتبر في الواقع منعطفًا سياسيًا هامًا في علاقة تحالف القوى الرجعية العربية التاريخي مع الاستعمار والإمبريالية الأمريكية الحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني (التحالف الغربي الصهيوني ).

وبالمقارنة مع فترات التاريخ السياسي العربي الماضية يتكشف المدى الذي وصلت إليه حالة التدهور والتفكك في الوضع السياسي العربي المعاصر التي لم تشهدها شعوب الأمة العربية خاصة في فترتين سابقتين: الأولى يوم أن كانت البلدان العربية تحت نفوذ الإمبراطورية العثمانية مكبلة بالحكم التركي البغيض، الذي دام زهاء أربعة قرون، وقد كان بغطاء العامل الديني، لكن دافعه الأساسي هو تلبية طموحات النزعة القومية الطورانيه في الهيمنة على العالم الإسلامي، ولكن في تلك الأثناء كان الوعي القومي العربي في التزايد، بينما في هذه المرحلة هذا الوعي بخطورة المشروع الصهيوني أخذ بالتراجع بصورة ملموسة من خلال مواقف الاعتراف والتطبيع. أما الفترة الثانية هي فترة الاستعمار الغربي للوطن العربي لتلبية مصالح البرجوازية الأوروبية التي وصلت إلى السلطة السياسية بعد اندحار عصر الإقطاع السياسي، ولكن كان من دوافعه الأساسية المحركة أيضًا إضافة للمصالح الاجتماعية الطبقية؛ الموقف الديني لمذهب الأصولية المسيحية الغربية المعادية لسماحة مسيحية الشرق، ولكن كان الشعور الوطني والقومي متأججًا يسير بالشعوب العربية بخطى متسارعة نحو الاستقلال الوطني، وذلك بخلاف هذه المرحلة التي تشهد اندفاعة نحو الغرب الرأسمالي بشركاته الاحتكارية المتعددة الجنسية، والتي محصلتها في النهاية المزيد من علاقات التبعية بكل أشكالها مع النظام الرأسمالي الإمبريالي العالمي، وأيضًا المزيد من الدعم السياسي والاقتصادي لصالح الكيان الصهيوني ليقوم بأداء وظيفته العدوانية لحماية المصالح الغربية الحيوية.

مرحلة من الانحطاط السياسي أو كما يوصف عادة بعبارة الزمن الرديء بكل مظاهرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية تعيشه الأمة العربية الآن، بعد تراجع الدور القومي بعد هزيمة يونيو حزيران 67 يأصبح فيه المال السياسي النفطي الخليجي هو الذي يتحكم في اتجاهات السياسة العربية الرسمية، ويطغى على المبادئ الوطنية والقومية، وعلى الانتماء الديني أيضًا، حيث الشرعية الدينية للأنظمة الملكية العربية التي قامت على أساس ديني تتراجع الآن، في ظل خطوات التطبيع مع الكيان الصهيوني، وفي ظل عدم اتخاذ أي موقف حازم تجاه نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. كذلك فإن ظاهرة الانحطاط السياسي التي تسود الواقع العربي لا تقتصر على بلدان بعينها، بل تجاوزت ذلك بما تعبر عنه بين الفينة والأخرى الأصوات المهزومة التي دارت ظهرها للقضية الفلسطينية؛ أصوات خليجية وعربية رخيصة، مسكونة بكل مظاهر الاستلاب الحضاري، تبث حقدها في صفحات التواصل الاجتماعي؛ الفيسبوك والتويتر... تشيد بالكيان الصهيوني وبشرعية وجوده الدينية وبتقدمه العلمي والتكنولوجي، وهو ما يعتبر ترجمة عملية للواقع السياسي العربي الرسمي الذي من سمته التخاذل في نصرة القضايا الوطنية والقومية الحقيقية.