في ذكراه الثانية عشر... الرفيق القائد جورج حبش وتحديات اللحظة الفلسطينية والعربية الراهنة

حجم الخط

الأخوات والأخوة، الرفيقات والرفاق.. نلتقي اليومَ في الذكرى الثانية عشر لرحيل الرفيق المؤسس.. المفكر.. الثائر الوطني والقومي والأممي جورج حبش الذي رحل عنَّا في المكان لكنه لم يرحل عنَّا أو يفارقنا في الزمان وفي الوجدان، فهو ما زالَ -وسَيَظَلُ- في عُقول وقلوب الجبهاويين حيثما كانوا، مُلهماً ومُرشداً ومُفكراً ثَورياً يَستلهمونَ ويتواصلونَ مع المبادئ التي عاشَ وماتَ من أجلها .. ولا أبالغُ القولَ أن حَكيمَنَا الراحل لم يفارق عُقولَ وقلوبَ قطاعاتٍ واسعةٍ من أبناءِ شعبِنَا ، كما أنه لم يفارق عقولَ وقلوبَ رفاقِنِا وأصدقائِنِا في أحزاب وحركات اليسار في كل أرجاء الوطن العربي، والعديد من الأحزاب والقوى اليسارية الثورية التي تواصلت مع الجبهة وساندتها في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.. وعلى أساس هذه المسيرة الثورية التاريخية، استحق حَكيمُنا الراحل عن جدارة لقبَ الثائرِ الوطني والقومي والأممي، فقد كانت تلك المسيرة مليئةً بمحطات التقدم والارتقاء المعرفي والسياسي الثوري، إلا انها أيضاً واجهت العديدَ من العثراتِ الذاتية والموضوعيةِ على المستويين العربي والفلسطيني وخاصة منذ كامب ديفيد 1979 مروراً بكارثة أوسلو 1993 وصولاً إلى الانقسام ومن ثم المأزق الذي تتعرض له اليوم مسيرة النضال الفلسطيني.

في ذكرى رحيلك يا حكيمنا القائد الخالد في قلوب رفاقك وكل من عرفك من الثوريين الفلسطينيين والعرب، أقول: لم تكن تحليلاتك ورؤيتك الثاقبة يا حكيم الثورة مجافية للحقيقة، بل كانت صائبة مئة بالمئة، عندما قلت بأن امريكا رأس الحية، وهي العدو الأول لكل الشعوب المظلومة والمضطهدة، وهي كانت دائماً جزءاً من المشكلة وليس الحل، وها هي الوقائع تثبت ذلك، فملامح ما يسمى بصفقة القرن التي ستطرحها امريكا لحل الصراع العربي- الإسرائيلي وجوهره القضية الفلسطينية، مقدماتها التي ظهرت، تؤكد على انها مشروع تصفوي للقضية والمشروع الوطني الفلسطيني، وتأبيد وشرعنة للإحتلال، مقابل حلول مؤقتة وسلام اقتصادي، حيث القدس عاصمة لدولة الإحتلال، وضم اكثر من 40% من الضفة الغربية للدولة الصهيونية، وضم الكتل الإستيطانية الكبرى في الضفة الغربية وفرض القوانين والسيادة الإسرائيلية عليها، علاوة على تصفية قضية اللاجئين، كل ذلك حكيمنا الراحل وأمتنا العربية التي كنت حالماً وطامحا بوحدتها، باتت اليوم محكومة لأنظمة تابعة ومتخلفة، لكن على الرغم من الانحطاط الرسمي العربي الراهن ستظل وحدة الأمة العربية هدفا لرفاقك من اجل تحقيق حلمك الذي ناضلت طوال عمرك من أجله، سيتحقق في اطار انظمة وطنية ديمقراطية وتقدمية في موازاة نضالنا على طريق عودتنا الى فلسطين التاريخية وقيام دولة فلسطين الديمقراطية لكل سكانها وحل المسألة اليهودية وفق هذا المنظور.

إنَّ الحديثَ عن الحكيم في ذكرى رحيلِهِ الثانية عشر  حديثٌ ذو شجون، تختلطُ فيه مشاعر الرهبةِ والقلقِ والحزنِ بمشاعرِ الاعتزاز والتفاؤل والإصرارِ على مواصلةِ مسيرةِ النضال في مرحلةٍ هي الأكثرُ تَعقيداً وخَطَراً في تاريخ العرب والقضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني... وتَظَلُّ رؤاه ومواقفه وأخلاقه منارةً لكل الثوريين تُضيء لهم ظلامية المرحلة في مواجهة تحدياتها الراهنة.

لكن الحكيم الراحل، مع رفاقه الجبهاويين، حافظَ على ثباتِهِ وثباتِ الجبهةِ الشّعبيةِ على المبادئ التّي انطلقُوا مِنْ أَجلها وَضَحَّى آلافُ الشهداءِ في سبيلها، وحَرِصَ حَتى آخر لحظةٍ من حياتهِ على أن لا تقتصر تلك المبادئ على الإطار الوطني الفلسطيني الضيق، بل تتفاعل وتنصهر وتتوحد وتستجيب لتطلعات الجماهير الشعبية في أرجاء الوطن العربي، تجسيداً لأفكاره ورؤاه القومية الوحدوية التي اغتنت وتطورت عبر تجربته ومسيرته الثورية من فكرٍ قوميٍ عام إلى فكر وطنيٍ وقوميٍ ماركسيٍ ثوريٍ وديمقراطيّ.

الأصدقاء والرفاق الاعزاء.. لا نلتقي اليومَ في الذكرى الثانية عشر لرحيلِ الرفيق القائد وفاءً لحكيمنا فحسب، بل أيضاً نلتقي لكي يكونَ الاحتفالُ بالذّكرى وفاءً وعهداً من كل رفاقهِ صوبَ مزيدٍ من الوعي والالتزام الخَلاَّق بالمبادئِ والأهدافِ الوطنية والقومية التقدمية والقيم الأخلاقيةِ والديموقراطية التي جَسَّدها الحكيم، لكي نتواصل مع هذه المبادئ والقيم كطريقٍ وحيد نحو استعادة الجبهة الشعبية لدورها الطليعي، ذلكَ هو التجسيدُ الحقيقيُ لتفاعلنا وتواصلنا مع الحكيم بصورةٍ معنويةٍ تخاطرية، مؤكدين أن مغادرته ورحيله عنَّا من المكان لا يعني أبداً مغادرتهِ لنفوسنا وعقولنا وأذهاننا، فهو ماثلٌ فيها، عبر التواصل الدائم بلا انقطاعٍ من رفاقه مع مبادِئِهِ وأفكارِهِ وأخلاقِهِ وأحلامِهِ وعِبَرِهِ ودُروسِه وتواضُعِهِ الانساني.

في الذكرى الثانية عشر لرحيل القائد الوطني الديمقراطي الوحدوي جورج حبش.. نستشعرُ مرارةَ الانقسامِ والصراعِ الداخليِ على السلطة بين فتح وحماس، الذي أدى إلى انتقال مسيرةِ النضال الفلسطيني من حالة الأزمة التي واكبت هذه المسيرة في اكثر من محطةٍ فيها، إلى حالة المأزق التي يصيبُ اليومَ بُنيانَها وقيادتَها وفكرَها السياسي، وهو مأزقٌ حاد يحملُ في طياته مَخاطرَ أكبر من كل المحطات المأزومةِ السابقة، خاصةً في ظل استمرار هذا الانقسام البشع، الذي أدى إلى تفكيكِ "النظام"* السياسي الفلسطيني، ومعه تفككت أوصال المجتمع الفلسطيني، الذي يبدو أنه ينقسم اليوم إلى مجتمعين أحدهما في الضفة والآخر في قطاع غزة، بحيثُ يمكن الاستنتاج، أن كل من فتح وحماس، قدمتا لشعبنا الفلسطيني صورةً سيئةً من حاضرِ ومستقبلِ المجتمع المحكوم بصورةٍ إكراهية، لصراعاتٍ ومصالحَ فئويةٍ وممارساتٍ لم ولن تحققَ تقدماً في سياقِ الحركة التحررية الوطنية، بل على النقيضِ من ذلك، ستعززُ عوامل انهيارِها والانفضاض الجماهيري عنها وصولاً إلى حالةٍ غير مسبوقةٍ من الإحباط واليأس ، كما هو حال قطاعات واسعة من شعبنا اليوم في الوطن والشتات عموماً، وفي قطاع غزة على وجه الخصوص، حيث باتت قضيتنا اليوم محكومةً لقياداتٍ سياسيةٍ استبدلت–في معظمها-  المصلحة الوطنية العليا برؤاها وبمصالحها الفئوية الخاصة ، وهنا اشير الى رفضنا وادانتنا لكافة اجراءات السلطة وحركة فتح ضد موظفي قطاع غزة كما نؤكد على رفضنا وادانتنا لكل مظاهر الاستبداد  وقمع الحريات والاعتقال السياسي في قطاع غزة والضفة ،ونعلن بوضوح وصراحة الى ان الديمقراطية التي اوصلت حركة حماس للسلطة تحولت من مهد لحرية الرأي والتعبير والتظاهر والتغيير الديمقراطي الى لحد/ قبر لدفن كل هذه المفاهيم والاهداف العظيمة بسبب استمرار الانقسام الكارثي خاصةً وأن شعار التحرر والمقاومة لا يستقيم أبداً مع القمع ووأد الحريات واعتقال المناضلين من اجل حرية الوطن وحقوق المواطن.

وها نحنُ اليومَ نستعيدُ في الذكرى الثانية عشر لرحيل القائد الحكيم دروسِهِ وعِبَرِهِ ومسيرةِ نضالِهِ، ولكن في وضعٍ مؤسفٍ عنوانهُ "تَزايد الصراع بين حركتي فتح وحماس على السلطة والمصالح " وانسدادُ الأفق السياسي بالنسبة للدولة المستقلة والعودة أو المشروع الوطني  من جهة وفتح الابواب مشرعة امام المخطط الامبريالي الصهيوني فيما يسمى بـ "صفقة القرن" التصفوية، بسبب تخلف وتبعية وضعف وخضوع الوضع الفلسطيني والعربي، وبسبب الصلف الصهيوني الأمريكي، بما يجعلني أطرحُ سؤالاً أَخَالُهُ يخبرني الحكيمُ به لو كان بيننا، وهو سؤالٌ مُوَجَّهٌ لقيادة حركتي فتح وحماس، ما هي الغنيمة الهائلة التي تتنازعان عليها ونحن تحت الاحتلال؟.. والجواب الصريح، لا شيء سوى مزيدٍ من التَفَكُكِ والانهياراتِ والهزائم ومزيدٍ من المعاناةِ والإحباطِ لشعبِنَا . فالحربُ بين الفلسطيني والفلسطيني لن تُحققَ نَصراً لأي منكما ، وإنما هزيمةً جديدةً لمن يزعم أو يعتقد انه انتصر.

إن تجربةَ الجماهيرِ الفلسطينيةِ، مع حركتي فتح وحماس تَدفعُ بقطاعٍ واسعٍ منها إلى التَطلُّعِ بشوقٍ كبير صوبَ ولادةِ تيارٍ وطنيٍ وديمقراطي صادقٍ في حفاظهِ والتزامهِ بحق هذه الجماهير في الحريةِ والديمقراطية والعدالةِ الاجتماعيةِ بما يعززُ صُمودها ونضَالها الوطني التحرري وتحقيقِ أهدافها في العودة والدولة المستقلة كاملة السيادة كحلٍ مرحلي، بعد أن تكشفت بوضوح صارخ عجز طرفي اليمين الوطني واليمين الديني، عن تحقيق الأهداف المنشودة، بل استمرارهما في تكريس الانقسام والصراع على السلطةِ والمصالح الفئويةِ الضيقة . لهذا فإنَّ قطاعاً من الجماهير الشعبية تَتَطَلَّعُ وتَبحثُ بشوقٍ كبيرٍ عن اليسار بكل فصائله وأحزابه ومعهم كافة المثقفين والفعاليات والشخصيات الوطنية الديمقراطية لكي يتحمل الجميع مسؤوليته في الحوار العاجل من أجل بناء التيار الديمقراطي الوطني، وهنا تتحمل الجبهةِ الشعبيّة مسؤولية كبيرة في إطلاق الدعوة لهذا الحوار، بما لها ولتاريخها النضالي من رمزية كبيرة إنبَنَتْ على دورٍ نضاليٍ نوعي، وسياسةٍ مبدئية عبّرت عن جذرية في الصراع ضد المشروع الصهيوني وأنظمة الرجعية العربية، إضافة إلى الرمزية الكبيرة لمؤسسها القائد الراحل جورج حبش .

وانطلاقاً من ذلك، فإننا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين نعلنُ بإخلاصٍ شديد تَوَجُّهَنَا إلى كافةِ القوى والفعاليات والشخصيات الوطنية والمجتمعية الديمقراطية، لكي نبدأ معاً حواراً شاملاً لمناقشة سُبُلِ تأسيسِ تيارٍ وطنيٍ ديمقراطي وبلورةِ أهدافهِ وبرامجه وآلياتِ عَمَلِهِ التي تَستهدفُ اخراجَ جماهيرنا من حالة الانقسام والهبوط السياسي والركود والإحباط التي تعيشها في هذه اللحظة، وذلك عبر مساهمةٍ فعالة من كافة القوى والفعاليات السياسية ومن كل أبناء شَعبِنَا المَعنيين بتحقيق أهداف الحرية والاستقلال وتقرير المصير وحق العودة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، وذلك انطلاقاً من رفضنا لثنائية فتح وحماس، وهو رفض ينطلق من إدراكنا لحركتي فتح وحماس باعتبارهما جزءاً من الإشكالية أو الأزمة الراهنة، لكنهما لا يمثلان ولا يُجسدان وحدهما مشروعنا التحرري الوطني... هنا تتجلى أهمية وضرورة الحوار الوطني الشامل لكي نستعيدَ وحدَتَنَا وتعدُديتنا وفق قواعد الاختلاف الديمقراطي، بما يُمكننا من بناء رؤية استراتيجية لنضالنا التحرري والديمقراطي، نستند إليها في المؤسسات السياسية والمجتمعية من خلال الانتخابات الديمقراطية بما يحقق لكل هذه المؤسسات الصفة التمثيلية على طريق تفكيك وإنهاء أسس وشروط الحكم الذاتي المحدود، صوب بناء نظام سياسي وطني تحرري وديمقراطي تعددي تكون من أولى مهماته وقف عملية التفاوض العبثي ورفض الشروط الصهيونية الأمريكية، والعمل على تخفيف معاناة شعبنا بكل مظاهرها الاقتصادية والاجتماعية، لكي نناضل معاً كتفاً إلى كتف ضد عدونا المحتل ومن أجل تحرير الوطن والإنسان الفلسطيني .

في الذكرى الثانية عشر لرحيل الرفيق المؤسس جورج حبش.. نستذكرُ باحترامٍ عميق ونتواصل مع هذا القائد الديمقراطي الوحدوي الكبير الذي عَرَفَ وعَلَّم كيف نَتَّفِقْ وكيفَ نَختلفْ، وفي نفس الوقت كيف نَحمي ونصون وحدتنا الوطنية بحدقات العيون في إطار تعدديتنا واختلافنا الديمقراطي، باعتبار أن وحدتنا الوطنية هي أحد أهم شروط الانتصار على هذه الغزوة الصهيونية .. عَلَّمَنا الحكيم أن الوحدة الوطنية التي تستجيبُ لطبيعةِ معركَتِنَا ضد هذا العدو، وتستجيب في نفس الوقت لقواعد الاختلاف والتعددية الفكرية والسياسية والتنظيمية، هي الوحدة على أسس ومبادئ تلتزم بالديمقراطية هدفاً ومنهجاً يضمن حرية المعتقد والرأي الصريح لأي اختلاف وأي نقد بين أطياف ومكونات الساحة الوطنية الفلسطينية، شرط أن يكون في إطار الوحدة ومعززاً لها، فلا سبيل أمام كافة القوى الوطنية سوى النضال الحقيقي من أجل استعادة الوحدة الوطنية بمضمونها الديمقراطي التعددي، بما يمكننا من الاتفاق على برنامج وطني وديمقراطي محدد يضمن مواصلة النضال ضد المحتل الصهيوني وطرده وإزالة مستوطناته من كل أرجاء الضفة الغربية واستعادة القدس عاصمتنا الخالدة ، على طريق الحرية وتقرير المصير و العودة وبناء الدولة المستقلة كاملة السيادة كحل مرحلي من جهة، بمثل ما يضمن متابعة تنفيذ قضايا التطور الاجتماعي والاقتصادي والتنموي والثقافي في مدن وقرى ومخيمات الضفة والقطاع والشتات، وسرعة العمل على صياغة الرؤى والبرامج التنمويةِ الكفيلةِ بمجابهة أوضاع البطالةِ والفقرِ والركود الاقتصادي بما يحقق تجاوز أوضاع القلقِ والإحباطِ واليأسِ المتفاقمةِ في أوساط مُعظم أبناء شَعبِنَا، ومتابعةِ تنفيذ عملية الإعمار بما يحققُ مصالحَ أبناء شَعبِنَا الذين دُمِّرَتْ بيوتهم ومصانعهم ومزارعهم علاوةً على ضمان مقومات الحياة الكريمة لذوي الشهداء والجرحى والمعوقين، إلى جانب مواصلة النضال من أجل إنهاء الحصار وإنهاء الإنقسام، وبدون ذلك ستتزايد مظاهر الهبوط السياسي والتفكك الاجتماعي والاقتصادي ، وتتزايد تراكمات البطالة والفقر المدقع والتشرد وارتفاع نسبة الجريمة الاجتماعية وهجرة الشباب مع تزايد مظاهر الإحباط والمعاناة واليأس، بما يجعل من الضفة الغربية عموماً وقطاع غزة خصوصاً مرتعاً خصباً لكل اشكال ومظاهر التطرف والفوضى المتوحشة ، بما قد يؤدي ليس إلى تكريس انفصال قطاع غزة جغرافياً عن الضفة بل أيضاً تكريس انفصاله الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ليصبح القطاع محكوماً لمظاهر وممارسات وأوضاع أشَدُّ بؤساً وقسوةً من كل ما عاناه طوال السنوات الماضية .. وبما سيؤدي إلى أن تتعرض الضفة الغربية لمزيد من المعاناة ، حيث يتعرض اليوم أبناء شَعبِنَا فيها بسبب الممارسات الصهيونية التي لا تتوقف عند تفتيت الضفة عبر المستوطنات والجدار العنصري والحواجز والإذلال العنصري والاعتقالات والتهجير ووضع القدس تحت السيطرة الصهيونية فحسب، بل تستهدف أيضاً الفصل النهائي للضفة عن قطاع غزة في محاولة يائسة لإقامة دويلة ممسوخة لا مستقبل لها في القطاع ، هنا بالضبط تتجلى أيها الإخوة القيمة الحقيقية لمعنى ومضمون وإلحاحية النضال الشعبي المُتَّصِل بلا هَوَادَة لإنهاء الانقسام ووأد كافة المخططات الهادفه الى الانفراد بما يسمى "دولة غزة" وصولاً إلى استعادة الوحدة السياسية والمجتمعية والجغرافية بين الضفة والقطاع في اطار النضال من أجل إقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس كحل مرحلي لا يلغي حقنا التاريخي في فلسطين ...وفي هذا السياق، أعتقد أن وثائق الوفاق الوطني –القاهرة- مايو 2011  والقاهرة اكتوبر 2017  وغيرهما من الاتفاقات ، تُشكِّلُ أساساً كافياً وصالحاً لاستعادة الوحدة الوطنية التعددية، ويمكن البناء عليها لتطويرِ مؤسساتِنا عبر انتخابات ديمقراطية بما فيها بل وأولها مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية لتتعزز وتترسخ كمؤسسة وطنية جامعة ترفض سياسات الهبوط والتفاوض العبثي بمثل ما ترفض صفقة القرن وشروط التحالف الامبريالي الصهيوني وعملائِه في أنظمة الاستبداد والتخلف العربية، لكي تكون المنظمة فعلاً ممثلاً حقيقياً ووحيداً لشَعبِنَا في الوطن والشتات .

ففي ظل هذا المشهد العربي الذي تعيش دُوَلُه وأنظمته حالةً غير مسبوقة من الخضوع والتبعية والاستبداد والتفكك والتخلف والصراع الطائفي والمذهبي الدموي ، تَحَوَّلَ ما سُمِّيَ بـ"الربيع" العربي إلى ربيعٍ أمريكيٍ إسرائيلي ، حيث يرقُص اليوم عدونا الامبريالي الصهيوني طَرَباً بهذا المصير الذي لم يستطع تحقيقه في كل حروبه السابقة ضدنا .

 وما أحوَجَنَا في ظل هذا المشهد أن نستعيد وحدة شعبنا الذي يَئِن ويكتوي بنار الانقسام الكارثي الراهن ، وكأنِّي بالحكيمِ يدعونا اليوم إلى ممارسةِ كل أشكال الضغط الشعبي لإدانة ورفض ومغادرة هذا الانقسام نحو وحدةٍ وطنيةٍ تعددية راسخة تتمسك بحقوق شَعبِنَا التاريخية وأهدافه من أجل الحرية والعودة، عبر إطار أو "نظام" سياسي تحرري وديمقراطي يحشد كل قوى الشعب في معركة النضال من أجل تحقيق تلك الأهداف.. معركة الخلاص من الاحتلال ومواصلة النضال الوطني والقومي لإلحاق الهزيمة بهذه الغزوة الصهيونية وكيانها في بلادِنا وإقامة دولة فلسطين الديمقراطية لكل سكانها وحل المسألة اليهودية وفق هذا المنظور، وذلك انطلاقاً من الرؤية القومية الثورية للقائد الراحل جورج حبش التي أكدت على أن الصراع مع العدو الإسرائيلي صراعٌ عربيٌ صهيوني بالدرجة الأولى ، تقف في طليعته فصائل وحركات التحرر الوطني الفلسطيني دون أن يعني ذلك وقف جذوة النضال الفلسطيني .

الإخوة والأخوات .. الرفاق والرفيقات... إنَّ النضال لإنهاء الانقسام يَدعُونا – الوحدة الوطنية تَدعونا - المقاومة بكل أشكالها الشعبية والكفاحية تدعونا - انتهاك حقوقِنا وكرامتِنا الوطنية والشخصية – الوضع الراهن والمستقبلي لعاصمتنا الخالدة ...القدس - المعازل و الاستيطان السرطاني في الضفة الغربية –  مخطط التصفية فيما يسمى بصفقة القرن  - الحصار المفروض على شعبنا وبخاصة الحصار المفروض على قطاعنا الحبيب – أُسر وأبناء آلاف الشهداء والجرحى – آلاف البيوت التي دمرها العدوان الصهيوني على غزة – عشرات آلاف أُسر المشردين الذين لا يجدوا مكاناً يأويهم بعد أن دمر العدو بيوتهم وأصبحوا بلا مأوى – آلاف العاطلين عن العمل وتزايد مظاهر القلق والاحباط والفقر والبطالة والتشرد - آلاف الإخوة والرفاق من المناضلين الابطال المعتقلين الذين يواجهون العدو في زنازين الفاشية والعنصرية الصهيونية وفي مقدمتهم رفيقنا المناضل أحمد سعدات والأخ المناضل مروان البرغوثي والأخ المناضل عبد الله البرغوثي  – عذاباتُ أهلنا في مخيم اليرموك وكل مخيماتنا في سوريا – معاناةُ أهلنا في لبنان - مئات الشباب الذين بدأت تبتلعهم بحار العالم في سعيهم للهروب من واقع غزة المرير الراهن ... كل هذه القضايا تدعونا لمزيد من النضال لإنهاء الانقسام وتعزيز صمود أبناء شعبنا في مواصلة نضاله من اجل تحقيق أهدافه الوطنية .

رفاق وأنصار وأصدقاء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ...في الذكرى الثانية عشر لرحيل رفيقنا القائد الحكيم،  أقول... في حكايا الثورة تستمرُ ملحمةٌ وطنية اسمها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ترفض عصر الخضوع والانحطاط الرسمي الفلسطيني والعربي في هذه المرحلة .. وتُصرُّ عبر أبنائها من الرفاق والرفيقات والأصدقاء والمناصرين على الاسهام بدورها الطليعي الثوري في مسيرة النضال التحرري الوطني والقومي الديمقراطي الثوري في إطاره الأممي والإنساني.... اقرأوها في وجوه وعيون الفقراء في جنين وطولكرم ورفح وبيت حانون والشجاعية وجباليا وخزاعة والدهيشة واريحا وخانيونس وبيت لحم، وعلى جبين المُستَضعَفين وثياب اللاجئين في مخيمات الوطن والمنافي .. وفي عقول وقلوب كوادر وقواعد الجبهة المتمسكين بوعي بهويتها ... فكراً ماركسياً ومنهجاً علمياً وعلمانياً تقدمياً واشتراكياً لا يعرف لون الحياد... منحازة دوما لمن هم "تحت" كانحياز الحكيم وغسان و أبو علي مصطفى وجيفارا غزة وربحي حداد وابراهيم الراعي ومحمود الغرباوي لفقراء الأرض ومِلْحِهَا.. تتقن كل لهجات الجماهير المسحوقة وتناضل من أجل تحررها وانعتاقها وثورتها المشتعلة حتى الانتصار رغم كل رياح اليمين بكل ألوانه وأشكاله.. إن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي ضَمَّت بين صفوفها منذ تأسيسها إلى يومنا هذا، أجيالاً من المناضلين، ضَمَّت الجد والجدة والأب والأم والأبناء والأحفاد من جماهير الفقراء والكادحين، أجيال تعاقبت على حمل الراية، راية التحرر، راية الوطن، راية العمال والكادحين والفلاحين الفقراء والمثقفين الثوريين، هي اليومَ تُجددُ العهدَ.. وتُجددُ روحَها الثورية من أجل نهوضِها واستعادة دورها الطليعي ومواصلةِ النضال لتحقيقِ الأهدافِ التي استشهد من أجلها حكيمنا والآلاف من الرفاق المناضلين عبر مسيرته .

فإلى الأمام ... عشتم وعاش وعيكم ونضالكم الوطني والقومي والأممي.. عاش نضال القوى والأحزاب اليسارية العربية على طريق تحقيق أهداف الثورة الوطنية الديمقراطية العربية ...لا لصفقة القرن ...نعم للحرية وتقرير المصير لشعبنا ....عاشت فلسطين حرة عربية... وعاشت ذكرى الرفيق الحكيم... والمجد والخلود لشهداء فلسطين والأمة العربية... والنصر للثورة .