مصر بين الانتفاضة وقيادتي الجيش و"الإخوان"

حجم الخط
على خُطى نظيرتها التونسية تقدمت "الحركات الشبابية" المصرية الصفوف، وأشعلت شرارات حراكٍ شعبي سياسي ومجتمعي سلمي التفت حوله، وتبنت مطالبه، كتل جماهيرية هائلة وقطاعات مجتمعية متنوعة، فتحوَّل سريعاً إلى انتفاضة شعبية عارمة، التحقت بركبها بعد تردد قوى المعارضة بمشاربها المتنوعة، وتأخر النظام في تقديم تنازلات تتيح احتواءها، حيث توسد أجهزة الأمن الداخلي سبيلاً لإخمادها، بينما نأت قيادة الجيش بنفسها، (بمعزل عن الأسباب)، عن التعرض لها، فتمكنت خلال 18 يوماً من إطاحة رأس النظام، لكن عفوية اندلاعها وافتقاد مشعليها للخبرة والبرنامج، حالا دون المضي بها حتى تحقيق شعارها السياسي الناظم: "الشعب يريد إسقاط النظام"، وأتاحا فرصة "استعمالها"، سواء من قِبِل قوى المعارضة ذات المشارب المتباينة، وبالذات من قِبِل حركة "الإخوان المسلمين"، القوة الأكثر تنظيماً ونفوذاً في الشارع المصري، أو من قِبِل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، القوة الأكثر تنظيماً ونفوذاً داخل مؤسسات الدولة المصرية ومفاصلها. وكانت النتيجة تنفيس زخم هذه الانتفاضة، حيث تم إخلاء "الميدان"، والتوافق على تكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية بتولي صلاحيات رئيس الجمهورية في إدارة الدولة لمرحلة انتقالية بحسبان أن "الشعب والجيش يد واحدة"، خاصة بعد أن عززت قيادة الجيش مكانتها الشعبية من خلال عدم التعرض لشعبها، بل، ومساهمتها في إرغام رأس النظام على التنحي. هنا، ورغم ما لقيادة حركة "الإخوان" مع قيادة الجيش من خلافات واختلافات، (كي لا نقول عداءات)، عمرها نصف قرن ويزيد، فإنها لم تتوان عن إبرام تفاهم تكتيكي "ميكافيلي" بامتياز معها، مديرة بذلك الظهر لمشعلي الانتفاضة، ولكل مَن يدعمهم بانسجام من قوى وشخصيات سياسية معارضة. تفاهُمٌ توافق طرفاه، (وكل لأسبابه)، على احتواء القوة الجديدة الناهضة، ("الشباب")، وفرملة اندفاعها نحو اعتبار إطاحة رأس النظام مجرد فاتحة لكنس جسده وإحداث تغيير ديمقراطي سياسي ومجتمعي جدي ومتصاعد، ذلك لأن قيادة "الإخوان" تدرك أن هذا التغيير لن يطال جسد النظام الذي ظلت قيادة الجيش تمسك بمفاصله فقط، بل، وسيطال أيضاً طريقة "الإخوان" الفئوية الاستعمالية للانتفاضة الشعبية، لكن هذا التفاهم، وخلافاً لمبالغات توصيفه بـ"الصفقة" الكلية والنهائية، كان تفاهماً هشاً، لأنه كان مجرد تفاهم مؤقت مفروض على طرفيه بميزان القوى الناشئ بعد إطاحة رأس النظام، وبتشجيع من قوى دولية وعربية خليجية وإقليمية تقودها الولايات المتحدة الهادفة للحيلولة دون إحداث تغيير جدي في بنية النظام، ومفاصل سياسته الخارجية، ما يفسِّر عدم صمود هذا التفاهم، بل، وتراجعه، وجنوح علاقة طرفيه نحو التأزم والتنازع. لقد وشت تقلبات مواقف قيادتي الجيش و"الإخوان" تجاه بعضهما البعض، وتجاه الانتفاضة الشعبية ومشعلي شراراتها، "الشباب"، وبقية القوى الفكرية والسياسية والمجتمعية المصرية الأخرى، بأن تفاهمهما يسير نحو التراجع أكثر فأكثر، وبأن التنازع بينهما يتفاقم أكثر فأكثر، كلما قاربت المرحلة الانتقالية على الانتهاء، من جهة، وتبعاً لمجريات الأمور وتحولات ميزان القوى بينهما على الأرض، من جهة أخرى، وإلا لكان بلا معنى تحلل قيادة "الإخوان" من جميع وعودها فور فوزها بأكثرية مقاعد انتخابات مجلس الشعب، أي لكان بلا معنى دخولها مع بقية ألوان الطيف الفكري والسياسي والمجتمعي بعامة، ومع قيادة الجيش بخاصة، في محطة من شد الحبال والمغالبة والتنازع على كيفية تشكيل لجنة صياغة دستور جديد، اللجنة التي يعلم الجميع بأنها هي من يحدد مضمون هذا الدستور، الذي يحسم بدوره معالم هوية الدولة المصرية وطبيعة نظامها السياسي وضوابط علاقة سلطاتها التشريعية والقضائية والتنفيذية والإعلامية، وضوابط علاقة الجيش بكل ذلك ودوره فيه، ليس فقط بوصفه جزءاً من السلطة التنفيذية، إنما أيضاً بوصفه مؤسسة من مؤسسات الدولة، بل، وبوصفه من يدير الحكم فيها منذ ثورة يوليو 1952، ناهيك عن إدارته لسياستها الخارجية ولجزء من مشاريعها الاقتصادية. بدخول صقور قيادة "الإخوان" في مغالبة مع قيادة الجيش، ومع بقية القوى الفكرية والسياسية والمجتمعية المصرية، تكون الانتفاضة المصرية قد دخلت محطة جديدة من محطات صيرورتها ومسيرتها المعقدة، محطة تنذر بخطر انزلاق "المستعملين" لها ولمشعليها إلى هاوية لا تحمد عقباها، فبهذه المحطة يكون شعار "الشعب والجيش يد واحدة" قد هبط من علياء الأخلاقي المطلق إلى تضاريس السياسي النسبي، على ما بين هذا المطلق وذاك النسبي من تناقض على طريقة حله يتوقف مستقبل مصر الانتفاضة، بل، ومستقبل مصر الدولة والوطن والشعب والمجتمع، خاصة وأن عملية حل هذا التناقض المصري الداخلي متشابكة حتى مخ العظم مع تداخلات عربية وإقليمية ودولية خارجية شتى، أولاها وقائدها وأشدها خطراً الولايات المتحدة، الحليف الإستراتيجي، والراعي الثابت، لإسرائيل، المطلوب الحفاظ على تفوقها على ما عداها من دول المنطقة وقواها، وفي مقدمتها مصر، الدولة العربية المركزية، ليس فقط لأنها الأكبر، بل أيضاً لأنها الأعرق تاريخاً والأكثر مقدرات. هنا ثمة لحل هذا التناقض المصري الداخلي بتشابكاته الخارجية المعقدة، طريقتان: إما حله سلمياً من خلال التوافق بين أطرافه الداخلية بعامة، وبين قيادة الجيش وقيادة "الإخوان" بخاصة، على كيفية تشكيل لجنة الدستور ومضمونه، وإما تسعيره حدَّ الصدام، وبالذات بين الجيش وحركة "الإخوان"، بما يذكِّر بصدام الطرفين في أواسط خمسينيات القرن الماضي، بل، ويذكِّر بالصدام المأساوي بين الجيش الجزائري وبين قوى الإسلام السياسي قبل نحو عقدين ويزيد، ما يفسِّر، ويحيل إلى معنى، معارضة جناح داخل قيادة حركة "الإخوان" لتوجهات جناحها "الصقري" وسعيه إلى الاستحواذ على كامل سلطات الدولة المصرية، معارضة وصلت حدَّ أن يتمنى المرشد العام السابق للحركة، مهدي عاكف، عدم فوز المرشح "الإخواني" لانتخابات الرئاسة، بل، وحدَّ تأكيد القيادي "الإخواني" السابق والمفصول من الحركة بسبب ترشحه لانتخابات الرئاسة، عبد المنعم أبو الفتوح، على ضرورة عدم تغيير المادة الثانية من الدستور التي تحدد هوية الدولة المصرية، وعلى عدم تغيير ما نص عليه دستور عام 1971 من دور للجيش، وعلى ضرورة قبول "الإخوان" بالأزهر مرجعية دينية للمسلمين. إن المعارضة "الإخوانية" الداخلية لا تنطلق فقط من الإحساس بثقل الأعباء والمسؤوليات التي يلقيها على الحركة سلوك تيارها "الصقري"، بل، وتعكس أيضاً وعياً دقيقاً لمعنى اضطرار قيادة الجيش إلى إصدار بيان حذر فيه قيادة "الإخوان" من عواقب العودة إلى ممارسات سابقة، في إشارة واضحة إلى ما وقع بين الطرفين من صدام في أواسط خمسينيات القرن الماضي، هذا ناهيك عما تعكسه، (المعارضة)، من وعي سياسي لدلالة رفْضِ بقية القوى الفكرية والسياسية والمجتمعية المصرية للسلوك الاستحواذي الإقصائي للجناح "الصقري" داخل قيادة "الإخوان"، ذلك لأن سلوك الاستحواذ والإقصاء، وبمعزل عن اسم صاحبه، إنما يعكس عقلية استبدادية انتفض الشعب المصري وقواه الناهضة لاقتلاعها، وليس لاستبدال أشكال تجسيدها وإعادة إنتاجها باسم الثورة عليها، ما يعني أن إصرار أي طرف مصري على ممارسة هذه العقلية إنما يضع مصر الدولة والوطن والشعب والمجتمع والانتفاضة في خطر حقيقي، صحيح أن الانزلاق إليه ما زال مضبوطاً، (كاتجاه عام)، باحتكام جميع الأطراف لمؤسسة القضاء وقراراتها، لكن احتمال السقوط فيه يبقى قائماً ما لم تكف قيادتا "الجيش" و"الإخوان" عن لعبة "استعمال" الانتفاضة لتكريس نظام استبدادي أطيح رأسه، إنما دون إطاحة جسده، بل، ويسعى "صقور" "الإخوان" لإعادة إنتاجه باسم الثورة ، والتهديد بإشعال موجتها الثانية، وكأنهم من أشعل موجتها الأولى.