عصر ما بعد الدولة القطرية!

حجم الخط

لقد تطورت البشرية، عبر التاريخ، في تركيبتها وتنظيمها الاجتماعي والاقتصادي، وتعبيره السياسي، حيث تحدث ماركس عن خمسة تشكيلات اقتصادية اجتماعية، كان آخرها الرأسمالية التي تشكلت عبر تطور ثوري بالانتقال نحو نظام السوق الرأسمالية، ولاحقًا رسوخ هذا المفهوم كشكل أسس لضرورة وجود الدولة كشكل سياسي – عبر تقسيم العمل، وهو ما تحدث عنه أنجلز، بالإضافة لغيره من المفكرين، وخاصة هيغل الذي اعتبرها تعبير عن إدارة مطلقة، وغير ذلك.

ولقد أثبتت الرأسمالية ذاتها وقدرتها على التطور بما يخدم هذه التشكيلة الاقتصادية، أو هذا التشكيلة الاقتصادية، أو هذا الشكل من الاقتصاد، الذي يعاني خللاً بنيويًا، فيما يتعلق بدورة الإنتاج المترافقة مع دورات من الأزمة؛ يتطلب الخروج من كل أزمة أن تنتقل الرأسمالية للأمام، مستهلكةً الشكل السياسي وتحديدًا أداتها السياسية الدولة.

لقد حلت الرأسمالية مشكلة الرأسمالية الاقطاعية، بتطوير مفهوم السوق القومية، والذي تبلورت (الدولة) على أساسه، ثم بعد مرحلة المركنتيلية الاقتصادية (الحمائية)، وفي ظل نظام السوق الحر والمنافسة المفتوحة الذي تستند إليه الرأسمالية؛ ظهرت أزمة الإنتاج، مما استدعى أن تتحوّل الرأسمالية نحو الاستعمار لاستغلال خيرات الشعوب، وفتح أسواقها لمنتجات الدول الرأسمالية، ثم لاحقًا التحوّل نحو الإمبريالية الرأسمالية – في القرن الماضي- ونحو نظام العولمة، والسوق الليبرالية المفتوحة، والسوق العالمية، والنظام النيوليبرالي.. حيث ترافق كل تطور في الرأسمالية مع أزمة بنيوية يتعرض لها هذا النظام – وهو ما تحدّثت عنه الماركسية - وهو ما جابهه فوكوياما الذي حاول تأبيد التاريخ بشكل الرأسمالية الحالية.

اليوم تتطور أو تطورت الرأسمالية بعد النيوليبرالية والسوق العالمي المفتوح؛ الرأسمالية والشركات العابرة للقارات التي راكمت رأس المال والنفوذ، حتى أصبحت تنافس الدولة ذاتها، لا بل أصبحت الدولة كنظام معيق لأفكار العولمة، والنيوليبرالية، والسوق المعولم الذي تقوده الشركة، مما يعني حلول الشركة مستقبلاً بدلاً من الدولة في إدارة المجتمعات والسياسة العالمية، وهو ما نشهد ارهاصاته في العقود الأخيرة.

ان التحليل الذي سقناه ينطبق على الدولة الحديثة  - الرأسمالية، بمعنى أن الشركة ستحل محل الدولة في الدول المتطورة ذات الاقتصاد المتقدم، والذي فيه أسس نظام اقتصادي متمكن يسمح للشركات، والمدراء التنفيذيين، ورأس المال المالي والمعولم؛ السيطرة على أسس الدولة لبناء مجتمع الشركة، حيث أن الجميع يعلم أن المدنية بشكلها العصري التي أسست لتكون حواضر الدولة هي مجتمع المصنع أساسًا.. أما فيما يتعلق بمجتمعنا العربي، فإن الكارثة ستكون أعمق؛ لأن الدولة كمفهوم عصري، أو نتيجة عملية تطورية داخلية لم يحدث، وبناءً على ذلك، فإن هذا الشكل مفروض من أعلى وليس نتيجة عملية تطورية داخلية "إنجلز"، أو نتيجة عملية عقلنة وتحديث "ماكس فيبر"، مما يعني انهيار شكل الدولة ال قطر ية لصالح رِدة نحو حكم؛ القبلية والعشيرة والطائفة والفرد.

وهو ما أسست له أمريكا في مجتمعاتنا، من حيث التمهيد الفكري؛ "هنتغتون" صراع الحضارات 1998/ والفوضى الخلاقة؛ إدارة بوش 2006/ وصولاً لإدارة ترامب الحالية والأزمة الرأسمالية الحالية المترافقة مع أزمة "كورونا".

إننا نشهد في الوطن العربي ومنذ بداية تشكيل الدولة القطرية؛ أزمة هذه الدولة القطرية، أو التي يسميها البعض وطنية؛ عدم استقرارها؛ اعتبار مجتمعاتها مجتمعات أزمة؛ عدم نجاح سياسات الصهر وخلق التجانس، وهو ما انفجر مثلاً في العراق نحو الطائفية 2003 بعد سقوط الدولة أثر احتلال العراق؛ لبنان والأزمة الطائفية المستفحلة التي تطل برأسها بين الحين والآخر؛ سوريا أثر الربيع العربي: سنة –علويين- أكراد ومحاولات الانفصال؛ اليمن: الحوثيون وغيرهم، واليوم الشمال والجنوب...إلخ؛ الصومال؛ مصر ودور الصراع الطائفي أثر موجة الربيع العربي الأولى: الأقباط والسنة، والتعبيرات المتطرفة؛ ليبيا والصراع القبلي، والانقسام في السودان: جنوب وشمال، والانقسام السياسي والجغرافي في فلسطين: غزة - الضفة.

أما في الممالك، وتحديدًا في الخليج فإن الأزمة تتعمق نحو التأسيس لحكم القبيلة والفرد، وهو ما لن يصمد في المرحلة القادمة ما بعد الدولة، حيث سيتم تفكيك منظومات الدولة نحو الحكم الطائفي والقبلي، وليسهل قيادة هذه المنطقة واخضاعها، وإلحاقها في ركب التطور الرأسمالي الذي لم تدخل إليه بعد، حيث أن المنطقة قد مرت في مرحلة تغيير مماثل، أثر فشل عمليات التحديث والعقلنة والتطور الرأسمالي في الإمبراطورية العثمانية، وهو ما أدى لانهيارها وضعفها، وتقسيم المنطقة بعد احتلالها.

في هذه الأيام نشهد ارهاصات مرحلة مماثلة أكثر من يعي هذه المرحلة ويتهيأ لها هو الكيان الصهيوني الذي تحاول بعض الدول، وبعض الشخصيات والزعامات الخليجية الارتباط فيه، ولو على حساب أية قضايا مقدسة وغير مقدسة من أجل ضمان الحكم في المرحلة القادمة، أو ضمان وجودهم في الحكم، وشرعنة وجودهم بالارتباط (بإسرائيل)، باعتبارها وكيل أميركا في المنطقة، وأكثر الدول رسوخًا في تطورها، ومستقبلها، وقوتها الاقتصادية. هذا مبرر ما يحدث، والتصريحات التي تتفلت من أولئك المتخوفون من المستقبل.

لقد أعلنت ولاية مينا بوليس عن أحد تجليات مرحلة ما بعد الدولة، وهي خطوة مهمة لعالم ما بعد أجهزة وأنظمة الدولة بشكلها الحالي، حيث قرر مجلس الولاية حل جهاز الشرطة، والعمل على تشكيل بديل تحت مسمى "السلامة المدنية"، مما يؤشر لنهاية الدولة بشكلها القديم أو بشكل أجهزتها القمعية؛ فالسلطة أو الحكم هو الحكم بواسطة وسائل العنف القهرية الشرعية "أجهزة الأمن"، أو علاقة أفراد بأفراد آخرين بواسطة العنف – فإذا ما انتشرت حالة فكفكة أجهزة العنف والقمع الرسمية - ما هو تعريف السلطة أو الحكم أو الدولة الجديدة؟