مصر وتحديات المصير

حجم الخط

قدر مصر، وموقعها الجغرافي، يفرضان عليها أن تكون في قلب الأحداث العربية، وأن تكون فاعلاً في إخماد الحرائق.

من بين البلدان العربية، ومنذ القدم، كانت مصر على وجه التحديد، منطقة وصل بين القارات القديمة الثلاث، وقد تعزز ذلك، في التاريخ المعاصر، بعد شق قناة السويس، التي ربطت البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط. وبالقدر الذي شكل ذلك، عاملاً إيجابياً للبلاد، من حيث تفاعلها مع الثقافة العربية والإفريقية، وبلدان البحر الأبيض المتوسط، فإنه جعل منها مطمعاً للغزاة. فقد غزاها الإغريق والرومان والفرس، وفتحها العرب، وبقيت فترة طويلة تحت هيمنة السلطنة العثمانية. وفي العصر الحديث، كانت مطمعاً للفرنسيين والإنجليز، الذين تعاقبوا على احتلالها، والسيطرة على ثرواتها ومقدراتها.

ولم يكن ذلك هو التحدي التاريخي الأوحد. لقد كان أمن واستقرار وادي النيل، هاجساً مستمراً لدى المصريين. وذلك أمر بديهي، فحياة مصر تعتمد بشكل كبير على الشريط المائي القادم من البحيرات العظمى في وسط إفريقيا، مروراً بالحبشة، و السودان . ولذلك حرص المصريون، منذ عهد الفراعنة، على وحدة وادي النيل، كسبيل لحماية النهر. وبقي ذلك الأمر قائماً، حتى بداية الخمسينات، حين ربط البريطانيون انسحابهم من السودان، باستقلاله عن مصر. وأجري استفتاء شعبي بالبلاد أقر بالأغلبية الانفصال كسبيل لنيل الاستقلال عن الإنجليز.

وإذا كان لنا أن نحاكم الأمور بالنتائج، فإن القبول، بتجزئة وادي النيل، كان خطأ فادحاً على المستوى الاستراتيجي، فحرمان مصر من الاتصال الجغرافي المباشر، مع البلدان التي تشاركها مياه النيل، وبشكل خاص الحبشة جعلها منذ الخمسينات من القرن الماضي عرضة للابتزاز الدائم، والتهديد لأمنها المائي.

في الخمسينات، حرصت القيادة المصرية، على أن تكون العلاقة جيدة ومستمرة مع إثيوبيا أثناء حكم الإمبراطور هيلاسيلاسي. وحين تشكلت منظمة الوحدة الإفريقية، اقترح الرئيس عبدالناصر أن تكون أديس أبابا عاصمة الحبشة هي المقر الرئيسي للمنظمة الإفريقية، حرصاً منه على استمرار صداقة مصر وإثيوبيا، وضماناً لتدفق مياه النيل، إلى مصر من غير أي مشاكل.

معضلة الأنهار العربية الكبرى، النيل والفرات ودجلة، أنها تنبع من خارج الوطن العربي، مع فارق أن سوريا، على تماس مباشر في الحدود مع تركيا التي هي منبع نهر الفرات. وبالمثل، مع نهر دجلة الذي يأتي إلى العراق من الأراضي التركية، بشكل مباشر.

باتت معضلة مصر، أكثر مع استقلال جنوب السودان، حيث يمر النهر بعدة دول قبل أن يصل إلى مصر. إذ يشقها من الجنوب إلى الشمال، حيث يتفرع في منطقة الدلتا، ليصل إلى مصبه، في البحر الأبيض المتوسط. بمعنى أن على مصر، أن تتفاهم مع جميع الدول التي يمر بها النيل، لتضمن استمرار تدفق مياهه لأراضيها.

والمعضلة، أن القانون الدولي لا توجد به صياغة واضحة، لتقاسم مياه الأنهار، وكلما هو موجود، مجموعة من الأعراف، التي تستند إلى اتفاقيات دولية وثنائية سابقة تضمن الكيفية التي يتم فيها استغلال تلك الأنهار، والنتيجة أن الذي يحكم استمرار تدفق مياه الأنهار في ظل غياب الآليات الدولية هو القوة، وليس القانون. وذلك ما أكدته التجربة المريرة ل سوريا والعراق مع تركيا، أثناء بناء سد أتاتورك، الذي افتتح عام 1992. وهي حال مصر الآن مع سد النهضة الإثيوبي.

التحدي الآخر، الذي تواجهه مصر هو التحدي الصهيوني، وهو تحد ماثل، رغم توقيع اتفاقية كامب ديفيد، بين «إسرائيل» ومصر. إن هذا التحدي هو تحد للوجود.

وإلى الغرب، من حدود مصر، هناك التحدي الإقليمي، ممثلاً في التواجد العسكري التركي، على أرض ليبيا . وهو تحد حقيقي للأمن المصري، وبقاؤه يعني حرمانها من عمقها الاستراتيجي، على الجانب الغربي.

جميع هذه التحديات، تفرض على مصر، التخلي عن سياسة الانكفاء، والعودة مجدداً، نحو بناء نظام عربي قوي، يمثل عمقاً استراتيجياً دائماً لمصر، في مختلف الاتجاهات، وفي جميع المحافل. قدر مصر، وموقعها الجغرافي، يفرضان عليها أن تكون في قلب الأحداث العربية، وأن تكون فاعلاً في إخماد الحرائق.

كان ذلك هو ما أدركه محمد علي باشا من قبل، حين أسس إمبراطورية عربية تمتد من جنوب السودان إلى أضنة، إنه الوعي بأن مصر حين يكون عمقها الاستراتيجي، خارج حدودها تكون قادرة وقوية، أما مصر المنكفئة، فإن مصيرها الفناء والاندثار.