جرائم القتل في فلسطين 48

حجم الخط

أكبر المؤامرات التي يتعرض لها فلسطينيو 48، محاولة تفتيتهم وتقسيمهم طائفياً، والعبث بتناقضاتهم وتشجيع الجريمة بين صفوفهم.

مؤسف حقاً، سماع أخبار جرائم القتل في المنطقة الفلسطينية المحتلة عام 48، وانتشارها بشكل متزايد. فهي أولاً ظاهرة خطرة تؤثر في وحدة النسيج الاجتماعي لأهلنا هناك، وتحد من صمودهم في وجه الجلاد الصهيوني؛ حيث وضع منذ احتلال فلسطين، المخططات لتفتيت وحدتهم، ومسح ثقافتهم الفلسطينية والعربية، ومحاولة «أسرلتهم»، وقطع جذورهم عن انتمائهم الوطني، لكنهم على الرغم من كل هذه المؤامرات حافظوا على انتمائهم لشعبهم الفلسطيني، وأمتهم العربية، وثقافتهم، وتراثهم، وأصالتهم، وخرج من بينهم الشعراء والكتاب والفنانون والكفاءات المختلفة التي أخذت حيزاً كبيراً، ليس في الحدود الفلسطينية فحسب، وإنما في الوطن العربي.

إن إحدى أكبر المؤامرات الصهيونية عليهم، محاولة تفتيتهم وتقسيمهم إلى مسيحيين، ومسلمين، وإلى مذاهب، والعبث بتناقضاتهم. وتشجيع الجريمة بين صفوفهم، ونشر المخدرات، وتسهيل بيع السلاح الفردي لمن يريد منهم، ممن تدرك دويلة الكيان الصهيوني أنه لن يستعمل ضدها، وإنما لارتكاب الجرائم بين صفوف شعبنا.

إنه مشهد يدمي القلب فعلاً؛ إذ لا يكاد يمر أسبوع إلا وتسمع خبر مقتل فلسطيني، أو أكثر، من أهلنا هناك نتيجة جرائم قتل متعددة الأسباب، تقف خلفها عصابات منظمة، وقتلة مأجورون، وفوضى سلاح تجتاح الوسط العربي. يترافق ذلك مع تساؤلات حول دور شرطة الاحتلال في ملاحقة المجرمين؛ حيث يؤكد معظم قادة فلسطينيي الداخل أن أغلبية جرائم القتل لا تتم ملاحقة مرتكبيها، ما يؤدي إلى استفحالها. وبعد أن بلغ السيل الزبى، احتشد فلسطينيو 48 في مسيرات مركزية عدة ضد شرطة الاحتلال، احتجاجاً على تكرار حوادث القتل، التي لم تترك بلدة ولا حياً من دون أن تحدث فيه مأتماً، متهمين شرطة الاحتلال بتوفير الغطاء لعصابات القتل، وعدم ملاحقتها.

وفي سبتمبر/ أيلول الماضي، وحده، قتل 13 فلسطينياً في الداخل في جرائم مختلفة، فيما اتهم ذوو شقيقين قتلا في بلدة مجد الكروم، مطلع العام الجاري، شرطة الاحتلال بالتواطؤ في قتلهما وقالوا: «إن الجريمة تمت بإشراف وتسليح الشرطة «الإسرائيلية».

ويقول مدير معهد مسار للأبحاث الاجتماعية في منطقة ال48، خالد أبو عصبة: إن الأمم المتحدة حددت مقتل 10 قتلى بين مليون شخص كحد طبيعي، وإن المعدل في المناطق الفلسطينية الأخرى 11 قتيلاً بين مليون شخص، وتشير الأرقام إلى سقوط 46 قتيلا/ مليون داخل أراضي عام 48. وأشار إلى أن تصاعد أعداد القتلى نتيجة الجرائم المتلاحقة في الداخل كجزء من حالة مقصودة تخطط لها دوائر في «إسرائيل» من أجل إغراق المجتمع العربي في أتون الجريمة، التي تجعل الفلسطيني في الداخل يفقد أمانه الشخصي. ويسود انطباع بين أهلنا هناك بأن ما يجرى جزء من حلقة استهداف تتورط فيها دوائر استخباراتية صهيونية.

ويتساءل أهلنا هناك: «لماذا نجحت شرطة الاحتلال، خلال السنوات الأخيرة، في تفكيك جميع العصابات والمافيات في الوسط اليهودي، وقضت عليها، بما في ذلك عصابات المخدرات، في الوقت الذي تفاقمت فيه هذه الظواهر في الوسط العربي؟». ويشير المحامي في الداخل، رضا جابر، في حديث للمركز الفلسطيني للإعلام إلى أنه «منذ عام 2000، قتل أكثر من 1350 مواطناً عربياً في أراضي 48، وفي عام 2018 قتل 75 عربياً، منهم 14 امرأة». وفي عام 2017 قتل 72، وفي 2016 قتل 64، أما في 2015 فقتل 58. كما كشف أنه منذ مطلع العام الجاري قتل 25 عربياً، لافتاً إلى أن الأغلبية الساحقة من هذه الجرائم لا تزال لغزاً، والقتلة طلقاء. وقال النائب أحمد الطيبي: إن (90%) من السلاح في الشارع العربي مصدره الجيش «الإسرائيلي»، الذي يسرق من هناك، ويباع في الأسواق من دون ملاحقة سلطات القانون. وأكد أن «إسرائيل» تغض النظر عن العنف، والجريمة، والتجارة بالسلاح في الشارع العربي، منذ هبّة القدس والأقصى، والانتفاضة الثانية بعدما تنبهت «إسرائيل» للدور الخطير لفلسطينيي الداخل، كشكل من أشكال العقاب لفلسطينيي الداخل لمواقفهم الوطنية. ودعا إلى خوض معركة داخلية مع الوعي، ومكافحة أسباب الجريمة، والضغط باتجاه فكفكة عصابات الإجرام التي تشعر بأنها لا تدفع الثمن من أي طرف، سيما أن شرطة وحكومة الاحتلال لا تملكان الإرادة لملاحقتها.