مسار التطبيع بين الذرائع وغياب فاعلية العامل القومي

حجم الخط

.لم يعد العامل القومي عاملًا  فاعلًا  مؤثرًا  في نصرة القضية الفلسطينية، كما كان الوضع السياسي  في السابق؛ أيام المد القومي في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. فالمشروع الصهيوني يتقدم الآن من خلال الاعتراف والتطبيع والاستيطان والضم والتهويد والمشروع القومي العربي، في الوحدة والتحرر والتقدم الاجتماعي والخلاص من علاقات التبعية مع المعسكر الرأسمالي الإمبريالي  يتراجع، والأنظمة السياسية العربية الحالية التي أصبحت غالبيتها في سلة واحدة بدون توصيف وطنية أو ورجعية عاجزة عن التعبير بصدق عن هويتها الوطنية والقومية،  وأصبحت رهينة للمصالح الاجتماعية للتحالف الطبقي الحاكم التي يمكن تحقيقها من خلال الارتباط بالنظام الرأسمالي الإمبريالي التي تقوده الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني، لذلك ليس غريبًا أن نجد هذه الهرولة التطبيعية العربية الجارية باتجاه الكيان الصهيوني والميل الجارف للاعتراف به وتوثيق العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية معه،  كدولة قائمة في المنطقة بتوافق تام مع نسيجها الاجتماعي الحضاري، وليست كيانًا  غاصبًا أقيم في قلب الوطن العربي بدعم غربي استعماري وله مخططاته العدوانية وأطماعه التوسعية، حسب ما تدعيه الرواية اليهودية. 

ولعل هذا التراجع في المشروع القومي والتوجه نحو الاعتراف والتطبيع ظهر في أوقات التحولات  السياسية للموقف العربي الرسمي التي نجمت عن تدفق ثروات النفط، بعد هزيمة يونيو حزيران 67  لدول المواجهة، كمساهمة في إعادة تأهيل الآلة العسكرية العربية، حيث عملت هذه الثروات على خلق بنية طبقية جديدة، خاصة في النظام المصري ارتبطت مصالحه بإنجاز مشروع التسوية السياسية للصراع العربي الصهيوني، وكان ذلك سببًا في  التغير  الذي طرأ على  مفردات الخطاب السياسي العربي الرسمي من شعار تحرير فلسطين إلى شعار إزالة آثار العدوان، ثم  تتابعت الانهيارات السياسية في الموقف العربي من القضية الفلسطينية، بعد حرب أكتوبر تشرين عام 73 وعقد أول اتفاقية صلح منفرد مع الكيان الصهيوني عام 74؛ إذ لم يعد  يوجد في الواقع العربي السياسي الحالي بعد ذلك سوى أنظمة قمعية مستبدة؛ يتملكها ميل جارف لإرضاء الولايات المتحدة من خلال التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي أصبح له مؤيدوه من الحكام العرب ومن  دعاة جدد من جميع الدول العربية صارت لهم حركة واحدة تنشد التطبيع الكامل. وهؤلاء كانوا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي في معارضة الاعتراف بالكيان الصهيوني والتطبيع معه، ولعل ذلك يجسد الغياب الكامل في فاعلية وتأثير العامل القومي نحو القضية الفلسطينية.

لقد بقي حال الرفض للتطبيع الذي يشكل الآن الخطر الأكبر على مستقبل القضية الفلسطينية، باعتباره سلاحًا إضافيًا للكيان الصهيوني في تنكره للحقوق الوطنية إلى أن وقع حدثان اسهما إسهامًا كبيرًا في التحول إلى حال آخر، وهما اتفاقية أوسلو والانقسام السياسي، فقد زعزع هذان الحدثان فاعلية وتأثير العامل القومي نحو القضية الفلسطينية؛ إذ لم يعد مقنعًا لعدد من  الأنظمة العربية التي ترى في التطبيع مصلحة سياسية واقتصادية وأمنية، أن تستمر في حالة عداء مع الكيان الصهيوني الذي يمتلك قدرات عسكرية وعلمية كبيرة ومتطورة، مهما كانت دوافع تأسيسه ونشأته الصهيونية الاستعمارية، وهي تري صاحب القضية نفسها ممثلا بمنظمة التحرير الفلسطينية، قد اعترف به وطبع معه في كل النواحي الحياتية.

كما أن وقوع الانقسام السياسي وفشل كل الاتفاقيات التي استهدفت إعادة الوحدة الوطنية للنظام السياسي الفلسطيني؛ أظهر كم هي المصالح السياسية والتنظيمية لها الأولوية في التحقيق على المبادئ الوطنية والقومية، مما يوفر الذرائع  لهذه الأنظمة العربية المؤهلة أصلًا لتقديم التنازلات في القضايا السياسية القومية، بالبحث هي الأخرى عن مصالحها ال قطر ية الخاصة.

حدثان فلسطينيان ساهما في انفراط عقد الإجماع العربي، وخروجه عن بنود ما تسمي "بمبادرة السلام العربية"، لذلك فإن إعادة انتظام هذا العقد، وحتى يعود تأثير وتفاعل الفكر السياسي العربي القومي مع القضية الفلسطينية، يجب العمل على التخلص من اتفاقية أوسلو وإنهاء الانقسام السياسي دون ابطاء، ولعل ذلك أهم ما يمكن عمله الآن  لسحب التبريرات والذرائع،  وكذلك بدل بيانات الشجب والاستنكار، وبدل الضرر الذي سيلحق القضية الوطنية من إقدام دولًا عربية أخرى على توقيع اتفاقيات "سلام"  في مسار التطبيع.