صراع الهويات في كاراباخ

حجم الخط

يشتّد الصراع المسلّح بين أرمينيا وأذربيجان على إقليم ناجورنو كاراباخ الذي يقع داخل أراضي الأخيرة.

لقد أدى هذا الصراع إلى حرب بين البلدين ووقعت فيه مذابح وأعمال عنف وتهجير خاصة بحق سكانه من الطرفين. ويعدّ هذا الصراع من أطول وأعقد الأزمات التي تفجّرت في مناطق الاتحاد السوفييتي إثر انهياره عام 1991. يقع الإقليم في الجزء الغربي من أذربيجان وعاصمته (كاراباخ) ومعناها بالتركية «الحديقة السوداء». لكن الأرمن يطلقون على الإقليم اسم «آرتساخ» ومعناها «غابة آر». ويبلغ عدد سكانه حوالي 140 ألف نسمة.

للصراع أبعاد إقليمية ودولية.. ويمتدّ أصله إلى عشرينات القرن الماضي، عندما قرر ستالين في عام 1923 ضم الإقليم الذي كانت تقطنه أغلبية أرمنية في ذلك الوقت إلى أذربيجان ومنحه حكماً ذاتياً، وفي الوقت نفسه أبقى إقليم ناختشيفان بأغلبيته الأذرية معزولاً داخل الإقليم قبيل انهيار الاتحاد السوفييتي في عهد بريجينيف.

تفجّر النزاع، الذي أدّى إلى حرب «كانت محدودة نسبياً» بينهما تتعلّق بالسيادة على الإقليم عام 1988، بُعيد إعلان استقلالهما. انتهت الحرب (مرحلياً) لكن أرمينيا سيطرت على الإقليم، وانتزعت كذلك سبع مناطق حدودية أذرية أخرى (تقدر ب20% من أراضي أذربيجان) كما أمنت له تواصلاً طبيعياً عبر ممر «لاتشين» مع أرمينيا.

تطالب أذربيجان بالطبع، بعودة الإقليم إلى سلطتها، وتعرض على الأرمن فيه سلطات استقلالية واسعة في سياق حكم ذاتي حلّا للأزمة، لكن أرمينيا تصرّ على انفصاله وقامت بتغيير اسمه إلى «آرتساخ». وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر قراراً عام 1993 طالب فيه القوات الأرمنية بالانسحاب من الأقاليم المحتلة في أذربيجان، لكن القوات الأرمنية لم تمتثل للقرار. وانتهى القتال بين البلدين عام 1994 عندما تم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار. وما زال الجانبان رسمياً في حالة حرب لأنهما لم يوقعا على معاهدة سلام.

في عام 2006، أقرّ الأرمن للإقليم دستوراً كرّسه باعتباره «جمهورية» مستقلة ومنفصلة عن أذربيجان. تحظى الدولة الجديدة بدعم من أرمينيا التي تستضيف إحدى القواعد العسكرية الروسية، وذلك بمقتضى تحالف أمني بينهما. لكن المجتمع الدولي يعترف بالإقليم، باعتباره منطقة تقع في إطار حدود أذربيجان. للعلم فإن إقليم كاراباخ لم ينل اعتراف أي دولة، بما في ذلك أرمينيا. ولطالما تعثّرت الجهود المبذولة لإحلال السلام النهائي فيه بسبب قضايا شائكة كثيرة: كالمناطق الأذرية الواقعة خارجه والتي تسيطر عليها القوات الأرمنية.

لقد شكّلت عدة دول (على رأسها روسيا والولايات المتحدة وفرنسا) ما يعرف ب «مجموعة مينسك» المفوضة دولياً بالعمل وسيطاً لحل هذا الصراع، وقد بذلت اللجنة جهوداً كبيرة لحلّه. ففي 24 يونيو/حزيران 2011 عقد الرئيسان الأرمني سيرج سركسيان والأذربيجاني إلهام علييف محادثات في مدينة قازان الروسية برعاية من الرئيس الروسي آنذاك ديمتري مدفيديف. وقد فشل المجتمعون في التوصل إلى وثيقة إطار تلزم طرفي النزاع برفض استخدام القوة لحله ووضع تسوية للصراع فيه.

واستمرت الاشتباكات المتتالية بين البلدين في السنوات التالية، إلى درجة دفعت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا -التي تضم البلدين وترعى محادثات السلام بينهما- إلى التحذير من أن الوضع القائم لم يعد محتملاً. تتلقى سلطات كاراباخ، مساعدات كبيرة من أرمينيا والجاليات الأرمنية في بلاد المهجر. وجعلت الولايات المتحدة - بتأثير من اللوبي الأرمني فيها- أرمينيا ثاني أكبر دولة مستفيدة من معوناتها التي تقدمها إلى بعض دول العالم، ولا يتقدم عليها في ذلك سوى «إسرائيل».

من الطبيعي، في حالة الصراع - الذي فشلت كل المحاولات لحلّه أن تستعر الحرب بين البلدين من جديد، وتعتبر الحرب الحالية، هي الأعنف والأشرس بينهما، رغم الهدنات العديدة التي توصلا إليها سابقاً بما فيها الاتفاق الأخير الذي وقّعه وزيرا خارجية البلدين في موسكو. لكن، جذور الصراع بينهما ما زالت قائمة فتشكو كل منهما أن الطرف الآخر قام بخرق إطلاق النار الأخير، ولا تشي الأحداث بإمكانية إيجاد حلّ جذري قريب له. من جهتها، فإن روسيا تقف موقفاً محايداً في الصراع القائم بين الجمهوريتين اللتين كانتا تابعتين إلى الاتحاد السوفييتي سابقاً حتى عام 1989. ووصف الرئيس بوتين القتال الدائر بينهما حالياً بأنه «مأساة»، وقال في مقابلة تلفزيونية «نأمل أن ينتهي هذا القتال في المستقبل القريب جداً، فهناك سكان يموتون وخسائر ثقيلة في الطرفين».

روسيا في موقف حرج فلا يمكنها الإعلان عن تأييدها لأحد الطرفين، فهي متحالفة عسكرياً مع أرمينيا، ولها قاعدة عسكرية فيها من جهة. ومن جهة أخرى، تحتفظ بعلاقات وثيقة مع حكومة أذربيجان، ولها مصالح اقتصادية مشتركة معها، بما في ذلك استيراد أذربيجان صفقات ضخمة كثيرة من السلاح الروسي.

الصراع الدائر بين البلدين يؤثّر بدوره سلباً في الوضع الداخلي الإيراني واحتمال انتقال الصراع المسلّح إلى أراضيها، فهي تحتفظ بحدود بريّة مع البلدين. من جانبها تُعدّ تركيا الدولة الوحيدة التي تعمل على تأجيج أوار الحرب الدائرة لمصالحها الضيقة الأفق، واتسم تدخلها المعلن إلى درجة إصدار وزير الدفاع التركي خلوصي أكار تحذيراً لأرمينيا من أنها «ستدفع ثمن اعتداءاتها على أراضي أذربيجان»، كما أكد الرئيس التركي أردوغان موقف بلاده الداعم بقوة لها بتصريحه «إننا نقف وسنواصل الوقوف بكافة إمكاناتنا وقدراتنا إلى جانب أذربيجان الشقيقة والصديقة حتى تحرير كارا باخ».

يثير الموقف التركي الداعم لأذربيجان قلقاً كبيراً على الصعيدين الإقليمي والعالمي، نظراً لإمكانية انتقال الصراع إلى مناطق قوقازية جديدة فيه نظراً لعدم وجود قوى مضادة تقف في وجه اتساع نفوذ أنقرة في هذه المنطقة، كذلك هناك خطر على السلام العالمي برمّته. الحرب هي في حقيقتها شكل من أشكال الصراع على الهويات في القوقاز. وما أكثرها.