المسيرة التاريخية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "قراءة وعرض لوثائق مؤتمراتها حتى المؤتمر السابع"

ابو علي مصطفى
حجم الخط

(في الذكرى الثالثة والخمسين لانطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؛ تنشر بوابة الهدف الإخبارية، على حلقات متتابعة: كتاب المسيرة التاريخية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (قراءة وعرض لوثائق مؤتمراتها حتى المؤتمر السابع) الذي أعدته الدائرة الثقافية المركزية للجبهة، وصدر منه طبعتين؛ الأولى في آب/أغسطس 2010، والثانية في يوليو/تموز 2014).

الفصل الأول

حركة القوميين العرب... النشأة والتأسيس والمسيرة

(ح 2)

البنية الطبقية للحركة:

إن البنية الطبقية لحركة القوميين العرب عند تأسيسها ، كانت بنية طبقية خاصة ، تشكلت في معظمها من القطاع الطلابي المنتمي إلى  الأوساط البرجوازية بمختلف شرائحها ،  وظلت هذه البنية قائمة في الهيئات القيادية والكادرية حتى أواخر خمسينيات القرن الماضي،  لكن توجه الحركة نحو الجماهير ومن ثم اتساعها التنظيمي أدى إلى وجود  نسبة عالية من قواعدها من الطبقات المسحوقة خاصة في الساحة الفلسطينية حيث كان سكان المخيمات والقرى يشكلون قاعدة جماهيرية عريضة للحركة ، وارتقى من بين صفوف هؤلاء عدد من الكوادر الذين تولوا أوضاعاً قيادية في بداية الستينيات ،  وفي تلك الفترة لم تكن الحركة تملك دليلاً نظرياً واضحاً ونظرية ثورية تهتدي بها. ولذا كان نمو الحركة –كما يقول الحكيم- "غير مبرمج وغير مخطط. ومرت فترة اختلطت نوعية البنية بحيث كان هنالك العنصر المسحوق والعنصر البورجوازي الكبير والمتوسط والصغير. لكن القطاع الجماهيري المسحوق هو في النهاية الذي مكن الحركة من البقاء في استمرار في المعسكر الوطني، وهو الذي جعلها تتطور نحو اليسار خطوة بعد خطوة "[1].

أما على صعيد التحولات الفكرية الخاصة لمراجعة المنطلقات القومية في الحركة، فقد بدأت الإرهاصات الأولى عام 1961 في ضوء تطور العلاقة النوعية بين الحركة من ناحية ، والرئيس جمال عبد الناصر من ناحية ثانية ، تلك العلاقة التي تعززت عبر المواقف السياسية ، الوطنية والقومية للنظام الناصري في الصراع ضد القوى الإمبريالية والحركة الصهيونية ودولتها والقوى الرجعية العربية ، إلى جانب التحولات الاجتماعية الداخلية التي تجسدت عبر قرارات التأميم الاشتراكية في مصر في تلك المرحلة ، وكان لهذه العوامل دوراً أساسياً يضاف إلى تجربة الحركة نفسها ودخول عدد واسع من الشباب الكادح والديمقراطي الثوري إلى صفوفها  في توجه الحركة صوب الأفكار الاشتراكية العلمية التي أسهمت بدورها في الازاحة المتدرجة للأفكار الاشتراكية الطوباوية، والفابية ، خاصة كتب "هارولد لاسكي " التي اطلعت عليها وعممتها الحركة في أوساطها التنظيمية جنباً إلى جنب مع مفاهيم العدالة الاجتماعية والكفاية والعدل كما كان يطرحها القائد الراحل جمال عبد الناصر، وبتأثير تلك الأفكار الاشتراكية الأولية انتقلت قيادة الحركة – في معظمها – إلى الاقتراب من الاشتراكية العلمية التي تم التوافق عليها في عام 1966 .

وفي ضوء هذه المنطلقات والأسس ، كان من الطبيعي أن تندفع قيادة الحركة في التوسع والانتشار في عدد من البلدان العربية ، حيث تم تكريس فرع حركة القوميين العرب في الأردن ولبنان وسوريا والعراق ثم بدأوا بعد المؤتمر بالتخطيط لتأسيس فروع أخرى في مصر والجزيرة العربية "السعودية" والخليج العربي وعمان (ظفار) وجنوب اليمن عام 1956، ثم في شماله عام 1958، وفي عام 1964 قرر فرع الخليج والجزيرة العربية لحركة القوميين العرب، في اجتماع داخلي انعقد في الكويت التحضير لشن الكفاح المسلح في منطقة ظفار، وبهدف إقامة جسر يصل بين الكفاح المسلح في جنوب اليمن وبينه في عمان والخليج العربي، وكان كل ذلك انطلاقاً من التحام حركة القوميين العرب مع الفكر القومي العربي بقيادة القائد الراحل جمال عبد الناصر.

وفي هذا الجانب نشير إلى أن قيادة الحركة منذ بداية عام 1957 قررت الانتقال من مرحلة الشعارات الثورية إلى مرحلة التطبيق العملي لهذه الشعارات ، حيث تم تكليف مجموعة من عناصر منتقاة من أعضاء الحركة بتلقي دورات عسكرية مكثفة في معسكر كتيبة الفلسطينيين قرب دمشق، وأشرف آمر تلك الكتيبة (أكرم صفدي) على تلك الدورات، و في أواخر أيلول / سبتمبر 1957 و خلال النضال ضد مبدأ إيزنهاور في الأردن أولاً ثم خلال أيام الثورة في لبنان أواخر ربيع 1958 تلقى شباب الحركة من فروعها في فلسطين والأردن ولبنان والعراق وسوريا  تدريبات عسكرية مكثفة "[2].

وفي بداية عام 1958 قامت الحركة بتأسيس الجهاز النضالي الذي التحق فيه المئات من قيادات وكوادر حركة القوميين العرب للتدريب العسكري عبر دورات مكثفة – لمدة ستة شهور – في معسكرات الجيش المصري بالتنسيق مع القيادة الناصرية (كان من بينهم الرفاق جورج حبش و وديع حداد و أبو علي مصطفى ) الأمر الذي يؤكد موقف الحركة الواضح من الكفاح المسلح ودوره الرئيسي في إطار النضال الوطني والقومي جنباً إلى جنب مع كافة أشكال النضال الأخرى ، دون تجاوز الظرف المناسب والمكان المناسب عند ممارسة أي شكل من أشكال النضال. ففي نهاية خمسينيات وبداية ستينيات القرن الماضي كان شعار حركة القوميين العرب الرئيسي هو : " النضال من أجل إسقاط الأنظمة العربية الرجعية، وطرد الاستعمار وإزالة قواعده وتحقيق الحرية والوحدة والاشتراكية "، وقد جسدت الحركة تلك الشعارات عبر مشاركتها الفعالة في إطار النضال السياسي والجماهيري ، بالمظاهرات الشعبية ضد حلف بغداد ومشروع ايزنهاور وكافة أشكال ومظاهر الوجود الاستعماري في بلدان الوطني العربي عموماً والأردن بصورة خاصة من أجل تعريب الجيش والمؤسسات الوطنية .

ولقد كان لهذا الانتشار والتمدد الذي حققته الحركة إلى جانب تزايد نشاط الحركات الثورية ضد الاستعمار في العديد من بلدان الوطن العربي، أثره الواضح في  التوجهات التي اتخذتها  قيادة الحركة في الساحة الفلسطينية، وأدى ذلك إلى تحول شعاراتها صوب التطبيق العملي، خاصة مع  تأسيس الجهاز العسكري أو النضالي السري ، الذي لعب دوراً أساسياً في إبراز الشخصية الوطنية الفلسطينية ودورها الطليعي في إطار النضال التحرري القومي ضد الوجود الصهيوني .

وبذلك عرفت حركة "القوميين العرب" ولأول مرة في تاريخها السياسي ، تكوين جهاز فلسطيني خاص، عرف باسم " إقليم فلسطين " بمسئولية الرفيق وديع حداد ، بديلاً لـ "لجنة فلسطين" التي تأسست عام 1958 كما أشرنا من قبل، وذلك أسوة ببقية فروع الحركة أو أقاليمها، وتم فرز الكوادر الفلسطينية المنتمية إلى الحركة أينما وجدوا إلى هذا الإقليم ، وتدل معظم مصادر الحركة والجبهة الشعبية على أن المؤتمر القومي الذي عقدته الحركة في بيروت عام 1964 م يعتبر المفترق الأساسي في هذه العملية، ثم "تبنى مؤتمر الحركة هذه الخطوة في أيار / مايو 1964 م ، وقد أطلق على التجمع اسم "الجبهة القومية لتحرير فلسطين" التي عرفت فيما بعد باسم "شباب الثأر"[3]. وتولى الدكتور وديع حداد بشكل أساسي مسئولية الإعداد الفدائي وفق شهادة الدكتور جورج حبش[4]، وقد بدأت الخطوات العملية لهذه المنظمة خلال النصف الثاني من عام 1964،[5] حيث قام عناصرها بالنزول إلى داخل (إسرائيل)، ومارسوا عمليات استكشاف واتصال مع العرب هناك، كما عملوا على تخزين بعض الأسلحة بهدف استعمالها في الوقت المناسب ، وقد حدث أول اشتباك بين هذه العناصر مع مجموعة من قوات العدو في ذكرى وعد بلفور عام 1964 م. وسقط في هذا الاشتباك أول شهدائها وهو الشهيد خالد أبو عيشة[6]  في 2 نوفمبر / تشرين الثاني ، واعتقل أحد مناضليها. واستمرت المنظمة في تنفيذ عمليات فدائية متقطعة ضد أهداف إسرائيلية حتى حرب 1967م"[7].

أما بالنسبة إلى "تأسيس منظمة " أبطال العودة "[8] ، فيعود أيضاً إلى قرار الفرع الفلسطيني لحركة القوميين العرب الذي أفرز عدداً من الكوادر المؤهلة عسكرياً ليشكلوا النواة الأولى لتنظيم أبطال العودة وكان أبرزهم د. وديع حداد وصبحي التميمي وفايز جابر[9] ، بالإضافة إلى عبد الرحيم جابر ومحمد شرف بالتنسيق مع بعض ضباط جيش التحرير الفلسطيني ومن أبرزهم عبد العزيز الوجيه وعثمان حداد، " ففي  تشرين الثاني / نوفمبر 1966 ، أُعلن عن تشكيل تنظيم (أبطال العودة) ، وقد "جاء هذا الإعلان بشكل بلاغ رقم (1) تحدث فيه عن العملية العسكرية التي قام بها فدائيو أبطال العودة  ضد ثكنات جيش العدو الإسرائيلي بتاريخ 21/10/1966 واستشهاد ثلاثة من مناضليها هم :  رفيق محمد عساف، محمد حسين اليماني، سعيد عبد سعيد، كما اُسر المناضل سكران محمد سكران في تلك العملية[10]. وفي كانون الأول / ديسمبر أذاعت المنظمة بلاغها الثاني الذي تذكر فيه أن فدائييها قاموا بهجوم على الكنيست في محاولة لتدميره، بيد أن هذه المحاولة أُحبطت بعد معركة وصفها البلاغ بأنها كانت عنيفة ، وانسحبت القوة إلى المنطقة العربية حيث طوقهم الجيش الأردني، وأمرهم بالاستسلام "[11].

وفي هذا الصدد نُشير إلى أن قرار قيادة الحركة بتأسيس منظمة " شباب الثأر" والإسهام في تأسيس "أبطال العودة" جاء انعكاساً ذاتياً وموضوعياً لرؤية الحركة ومواقفها السياسية ودورها بالانسجام مع  التحولات الداخلية في بنيتها، بمثل ما جاء انعكاساً للمناخ الثوري القومي العربي العام بتأثير أفكار وشعارات الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ، حيث قامت الحركة -في ضوء هذا الوضع- بالعمل على  تأسيس وتفعيل جهازها العسكري أو ما يُسمي آنذاك بـ"الجهاز النضالي" الذي تبلور وجوده المتميز عبر مئات الكوادر الحركية اللذين سبق أن التحقوا في الدورات العسكرية الخاصة بالحركة أو في معسكرات الجيش المصري آنذاك ، حيث أسهم العديد منهم في الالتحاق في صفوف منظمة "شباب الثأر" وفي صفوف منظمة "أبطال العودة" .

وتجدر الإشارة إلى أن العلاقات القيادية السائدة في مرحلة التأسيس ، كان مظهرها الرئيسي هو "الانسجام المثالي داخل الحركة، ولم يكن الوضع القيادي مثار جدل أو نقاش, وكان هنالك التفاف كامل حول الشعارات والمواقف السياسية التي تطرحها الحركة، واستمر هذا الوضع طوال سنوات التأسيس حتى العام 1959 ، لكن ذلك الانسجام بدأ في التراجع مع ظهور أول اختلاف في قيادة الحركة عام 1959 أثناء الوحدة بين مصر وسوريا حيث طرحت فكرة حل الحركة والحاقها بالنظام الناصري ، وكان محسن إبراهيم هو صاحب هذه الفكرة"[12]، وعلى إثر ذلك ، برزت في الحركة –كما يقول الحكيم - اموراً تتجاوز الفكرة والمناقشة ووجهة النظر القابلة للنقاش بدأت تطرح داخل الحركة، وبدأ أن هذه الأمور تعكس اجواء جديدة لم نألفها ، وحيال ذلك شكلنا لجنة سميناها " اللجنة الفكرية" أو "لجنة التثقيف" وأوكلت  الحركة إلى الرفيق محسن إبراهيم مسؤولية اللجنة وطلبت القيادة من اللجنة اعداد برامج تثقيفية للقاعدة الحزبية ووضع وثائق تطرح فيها فكر حركة القوميين العرب"[13]، وبالفعل أعدت اللجنة دراسة هي في الواقع عبارة عن عملية تقويم ومراجعة لبعض مواقف الحركة وبعض شعاراتها، وعلى سبيل المثال أن الحركة كانت ترى أن كل يهودي هو صهيوني، ووقفت الدراسة أمام هذا الأمر وقالت أن ذلك ليس صحيحاً، وكانت الحركة تقول بالوحدة أياً كان الثمن وأن أي وحدة بين قطر ين ستكون مفيدة، وجاء في الدراسة أن الوحدة بأي ثمن مسالة يجب ان تناقش وان الثمن رهن بتفاصيل هذه الوحدة. وجاء في الدراسة أيضاً أن شعار الثأر الذي ترفعه الحركة شعار غير سياسي والأفضل استبداله بتعبير اخر من نوع استرداد فلسطين أو تحرير فلسطين. وقالت الدراسة ان نظرية الحركة القائمة على أن الثورة سوف تمر بمرحلتين هما مرحلة التحرر السياسي ومرحلة التحرر الاقتصادي. نظرية غير صحيحة لان المرحلتين مرتبطتان ومتشابكتان"[14]

وتاريخياً –كما يضيف الحكيم- " يجب أن اعترف بأن هذه الدراسة كانت محاولة جديدة، وناضجة وجريئة ، ولقد احدث النهج والأسلوب اللذان طرحت فيهما مواضيع الدراسة جواً متوتراً داخل الاجتماع. وشعرنا كقيادة مسؤولة انه من الضروري تجاوز مسألة النهج والأسلوب، من أجل رؤية واضحة للمواضيع المطروحة، وانتهى ذلك الاجتماع باستمرار وحدة الحركة على رغم التوتر الذي ساد الاجتماع. وصدرت وثيقة بالنتيجة التي توصلنا إليها. وقد كانت الوثيقة بالمفهوم العلمي خطوة إلى الأمام"[15].

أما بداية التناقض داخل قيادة الحركة  - كما يستطرد الحكيم – فقد "حدثت على أثر اجتماع قيادي موسع عقد 1963 ولم احضره. وبعدما قرأت الوثيقة التي صدرت عن هذا الاجتماع شعرت أن المسألة لم تعد مسألة أفكار جديدة وإنما هي أبعد من ذلك. فالوثيقة ترى ضرورة الالتحام الكامل بالناصرية، ضمن "الحركة العربية الواحدة" كما عبر عنها جمال عبد الناصر ،  ولقد وقفت ضد ذلك لان معنى الالتحام هو حل الحركة وتذويبها، وقلت للرفاق أن التحالف مع الناصرية ممكن أما الالتحام بها فغير ممكن، في ذلك الوقت كنت بدأت طرح تقويم للناصرية، وخلاصته ان نقف بجرأة مع كل احترامنا وحبنا لقيادة عبد الناصر، أمام سلبيات التيار الناصري، لأننا لا نستطيع ان نخدم الثورة بمجاملة هذا التيار وانما بمواقف علمية أمامه"[16].

في تلك الفترة "كانت هنالك وجهة نظر مطروحة من جانب الرفيق محسن إبراهيم، وهي أن حركة التحرر الوطني بفصائلها المتعددة، من حزب البعث إلى الحزب الشيوعي إلى حركة القوميين العرب، لم تمثل شيئاً وأن الناصرية مثلت مجرى التاريخ، ولذا فإن على هذه الفصائل ان تحل نفسها وتلتحم بالناصرية"[17].

وفي ضوء ذلك، "قررنا عام 1963 عقد المؤتمر، الذي كان أكثر المؤتمرات التي عقدتها حركة القوميين العرب حدة. وفي هذا المؤتمر شعرنا أن داخل الحركة تيارين. التيار الذي يدعو إلى الالتحام بالناصرية والتيار الآخر المعارض للفكرة، التيار الأول، محسن ابراهيم ومحمد كشلي ونايف حواتمة وعبد اللاله النصراوي"[18].

ومنذ ذلك المؤتمر –كما يضيف د.جورج حبش- "بدأت الحركة تشهد نوعاً من التناقض الحقيقي، وأصبح الرفاق الذين دعوا إلى الالتحام بالناصرية، وحل الحركة، يعتبرون انفسهم اليسار، وان القيادة المؤسسة للحركة في نظرهم في اليمين. وبأمانة أقول أن عددا من اعضاء الفريق المؤسس هو الذي اتخذ في ضوء عملية الجدل والحوار موقفاً يسارياً علمياً وعملياً، اما الرفاق الذين اعتبروا انفسهم يمثلون اليسار فانهم كانوا يعكسون نوعاً من الطفولة اليسارية، وبعد ذلك المؤتمر توترت الاجواء، وتفادياً لحدوث انشقاق اتفقنا على الدعوة إلى مؤتمر عقد في شباط 1965 توصلنا فيه إلى وثيقة موحدة كانت بمثابة محصلة لوجهتي النظر. وعلى سبيل المثال فإن الوثيقة اشارت إلى أن الناصرية ليست كلها ايجابية وانما فيها ثغرات ويجب العمل على تصحيحها ، وبالنسبة إلى مسألة الالتحام بالناصرية اتفقنا على أن الالتحام يشكل الافق الاستراتيجي للعلاقة، واننا سنصل ذات يوم إلى ان ننتهي كحركة قوميين عرب ونصبح جزءاً من تنظيم جديد يمثل تنظيم الثورة العربية"[19].

وجاءت الاحداث بعد المؤتمر تعزز وجهة نظر عدم حل الحركة، وجاءت ايضاً تجربة اليمن الديمقراطي التي أمكن الحركة من خلالها الوقوف على سلبيات الاجهزة في مصر وأساليبها في التعامل مع القوى الوطنية. وصحيح ان الحركة استعادت وحدتها إلا أن ذلك لم يحل دون استمرار وجهتي النظر مطروحتين[20].

ويؤلمني –كما يضيف القائد الراحل-  "أن أقول بأن ما حدث عام 1967 عزز وجهة النظر القائلة بالوقوف موقف المتحالف مع الناصرية من دون اسقاط النقد لها. وعلى رغم الهزيمة، فان الفريق الداعي إلى الحل والالتحام استمر مشدوداً إلى الناصرية . وكتبت مجلة " الحرية" التي كان مسؤولاً عنها الرفيق محسن ابراهيم مقالاً من نوع " لم يهزم عبد الناصر"، ويبدو أن التناقض الذي استشرى بعد ذلك كان لابد ان ينتهي إلى انشقاق. وأصبح الرفاق الذين كانوا يمثلون شيئاً جديداً يسلكون مسالك التذبذب والمزايدة. واصبحوا يهاجمون عبد الناصر أكثر من اللازم وهم الذين طرحوا أفكاراً تدعو إلى الالتحام بالناصرية ، في حين أننا وقفنا بأخلاقية مع عبد الناصر بعد الهزيمة وحللنا الهزيمة بأسلوب علمي وليس بالمزايدة"[21].

بعد 1967 حدثت نقلة نوعية بالنسبة إلى حركة القوميين العرب فيما يتعلق بعلاقتها بالناصرية ، فليس من المعقول أن ينتهي نظام عبد الناصر الذي قاد حركة الجماهير العربية مدة اثنتي عشرة سنة إلى مثل هذا المصير إذا لم يكن هنالك خلل داخل النظام [22].

وفي ضوء ذلك، طرحنا بجرأة تحليلاً جذريا لنظام عبد الناصر وطبيعة القوى المتحكمة في هذا النظام، والتي لا تمثل الطبقة العاملة بقدر ما تمثل نظاماً بورجوازياً راديكالياً صغيراً. وأكدنا على أن الشعب هو الأساس، وأنه من أجل تحقيق انتصار لابد من حرب تحرير شعبية، ولابد من تنظيم يقود حركة الجماهير ويتبنى برامج عسكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية متطابقة مع مصالح الجماهير المسحوقة وليس مع مصالح الطبقة الحاكمة ذلك الوقت. كذلك حدث تغيير في بنية الحركة لانها حددت انه – بالمنطق العلمي- ليس هنالك انظمة مناهضة للامبريالية يمكنها ان تصمد اذا لم تكن قائمة على أساس النظرية الثورية بمعنى الماركسية- ال لينين ية. وكان دليل الحركة إلى ذلك كيف ان نظام سوكارنو أسقط ، وكذلك نظام نكروما، في حين أن نظام كاسترو لم يسقط مثلاً. كما أن فيتنام الشمالية وكوريا الشمالية صمدتا صموداً مذهلاً [23].

ولهذا ، فإن البيان الذي اصدرته الحركة  أواخر تموز 67  -كما يؤكد القائد المؤسس جورج حبش-"لا  يحمل فقط نقدا لتجربة عبد الناصر وانما لحركة القوميين العرب أيضاً . وإذا اردنا ان نكون جريئين وصريحين وموضوعيين، فإننا ندين موقفنا الذي اتسم بالمراهنة على التيار الناصري. وهذا الموقف اتضح لنا خطأه عام 1966 بعض الشيء ، واتضح كاملاً بعد هزيمة 1967 [24]،  وهو أيضاً ادانة لموقف محسن ابراهيم وحواتمة وكشلي الذين تحولوا صوب موقف يساري طفولي ارتباطاً بمواقف ذاتية بذريعة "اليسار" كمبرر للانشقاق رغم ان ما ورد من أفكار وطروحات  في وثيقة تموز 1967 تتوافق مع افكارهم بمساحة كبيرة.

على أي حال ، ورغم كل ما تقدم ،فإن علاقة الحركة بالنظام الناصري ظلت ضمن إطار التحالف القومي مع النظام الناصري خاصة فروعها في اليمن والخليج العربي، حيث شهدت أعوام1967 و 1968 انتصار الثورة في اليمن الجنوبي ، وفي عامي 1969 / 1970 تكثفت - كمياً ونوعياً-  عمليات حركة القوميين العرب وجبهة تحرير ظفار (التي تحولت - بقرار من مؤتمر "حمرين" يناير 1968 - إلى الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل)، سقطت فيها ظفار برمتها في أيدي الجبهة ، وفي الأماكن المحررة أقامت الجبهة الشعبية نوعا من إدارة جمهورية عسكرية، إذ عبأت القادرين على حمل السلاح إما في جيش التحرير الشعبي أو في الميليشيا، لكن التدخل السريع لقوات شاه إيران ، بناءاً على طلب "سلطان" عُمان (والد قابوس) أدى إلى تمكين السلطنة الرجعية في عُمان وظفار باستعادة سيطرتها بفضل الدعم الإيراني والبريطاني .

واصلت حركة القوميين العرب نضالها ضد إسرائيل والاستعمار والرجعية العربية طوال مرحلة ما قبل عام 1967 ، وقامت منذ بداية الستينات بتغيير شعارها الرئيسي من "دم حديد نار... وحدة تحرر ثار" إلى "وحدة حرية اشتراكية" ، وتزايد توسعها وانتشارها –بصورة سرية- في معظم البلدان العربية عبر فروعها المنتشرة في الأردن وفلسطين وسوريا والعراق ولبنان ومصر واليمن والخليج والجزيرة العربية "السعودية" وموريتانيا و ليبيا وبدرجات أقل في بقية بلدان المغرب العربي .

أما بالنسبة لفرع الحركة في قطاع غزة ، فقد تأسس عام 1957  بقرار من قيادة الحركة التي كلفت عدداً من كوادرها في مصر ، من الطلاب الفلسطينيين في الجامعات المصرية من أبناء الضفة الغربية، بتنفيذ هذه المهمة التي بدأها الطالب في كلية التجارة إبراهيم قبعة عبر اتصاله مع الطالب في كلية الآداب عمر خليل عمر من بيت لاهيا / قطاع غزة ، الذي اقتنع بدوره بمبادئ الحركة وأصبح عضواً فيها ، وفي صيف 1957 تم تكليف الطالبين في كلية الطب نافذ العطعوط و فيصل كمال ، والطالب في كلية الهندسة خليل عوض بالسفر إلى غزة – أثناء الإجازة الصيفية – مع عمر خليل ، وعقدوا عدداً من الندوات والمحاضرات ، قاموا أثناءها بتأسيس وبناء الهيكل التنظيمي الأول للحركة في قطاع غزة ، أو ما يعرف آنذاك بـ "المرتبة المسئولة" من عمر خليل وصباح ثابت ومحمد المسلمي وناصر ثابت وإسماعيل سالم، وبدأت نشاطها في منطقة شمال قطاع غزة  (بيت لاهيا و جباليا البلد و مخيم جباليا) وسرعان ما توسع النشاط التنظيمي ليشمل كل مدن وقرى ومخيمات القطاع ، حيث أصبحت حركة القوميين العرب في قطاع غزة من أهم التنظيمات وأكثرها عدداً ، ساعد على ذلك المناخ السياسي الوطني والقومي الوحدوي الناصري في تلك المرحلة ، إلى جانب التقارب السياسي والتنظيمي بين الحركة والنظام الناصري الذي قدم تسهيلات للحركة من أهمها تدريب مجموعات من شباب الحركة في دورات عسكرية خاصة، وقبول عدد من كوادرها في الكليات العسكرية ، الذين تخرجوا وأسهموا بدورهم فيما بعد في تأسيس المجموعات والقواعد العسكرية للجبهة الشعبية في قطاع غزة والضفة الغربية والأردن بعد هزيمة حزيران 1967 من أبرزهم عمر خليل عمر ورمضان داود سليمان وعبدالله العجرمي وجبريل نوفل[25].

وفي هذه المسيرة النضالية حرصت قيادة الحركة على إقامة أوسع التحالفات مع القوى السياسية الوطنية والقومية واليسارية المناهضة للاستعمار والأنظمة الرجعية ، وعبر هذه المسيرة النضالية تعرض المئات من أعضاء الحركة للاعتقال والتعذيب في العديد من سجون الأنظمة العربية عموماً ، وفي سجون النظام الأردني وخصوصاً عام 1966 حيث تم اعتقال المئات من أعضاء الحركة في ذلك العام ، وذلك على أثر رفض الحركة وادانتها لسياسات النظام الأردني عموماً، وخطاب الملك حسين في حزيران 1965 خصوصاً ، الذي "طالب فيه بتوطين اللاجئين الفلسطينيين وما تلا ذلك من بيانات ومنشورات الحركة ضد النظام، ثم اشتعال المظاهرات التي قادتها حركة القوميين العرب مع بقية القوى الوطنية واليسارية في الأردن نهاية شهر أكتوبر 1966 على إثر الهجوم الإسرائيلي على قرية "السموع"، حيث أصدرت الحركة بياناً جاء فيه: "إن الأحداث الخطيرة التي تجري الآن في الأردن كشفت نهائياً حقيقة الحكم القائم هناك وارتباطه المباشر مع الاستعمار و الرجعية العربية و عن دور التآمر المباشر ضد الشعب و ضربه و منعه من الدفاع عن قضيته تنفيذاً لمخططات الاستعمار و حماية لمصالحه و "لإسرائيل "[26] .

"إن الثمن الذي دفعته حركة القوميين العرب خصوصاً و بقية القوى الوطنية من بعثيين و شيوعيين عموما في الأردن و فلسطين كان ضخماً ، إذ تعرضت الحركة الوطنية في الأردن و فلسطين إلى أنواع من الإنهاك و المطاردة عام 1966 بتهمة المؤامرة الناصرية مع أن مواقفها و آراءها متباينة تجاه التجربة الناصرية، و كانت حصة حركة القوميين العرب من الضربة عام 1966 متمثلة بجملة اعتقالات لكل مفاصل العمل و الشُعب النشيطة من كافة المناطق، و تركزت بالأساس على مجموعات العمل الخاص (العسكري) التي كانت تقوم بدور التحضير للعمل الفدائي، و قد طالت الحملة أكثر من مستوى قيادي ، إلى جانب العديد من كوادر وأعضاء الحركة".[27]

 

- أثر هزيمة 5 حزيران 67 على حركة القوميين العرب:

وقعت هزيمة حزيران كالصاعقة المدمرة على نفوس ومعنويات شعوب أمتنا العربية التي لم تفترض أو تتوقع هذه الهزيمة بل على العكس من ذلك ، كانت معَّبأة عبر وسائل الإعلام بالتفاؤل الواثق بعفويته الصادقة، وإمكانيات تحيق الانتصار على العدو الإسرائيلي وتحقيق حلم التحرير والعودة، لكن الهزيمة جاءت على النقيض من تلك التعبئة الإعلامية من ناحية ، وعلى النقيض من الحد الأدنى المتوقع لصمود ومقاومة الجيوش العربية عموماً والجيش العربي المصري خصوصاً، حيث استطاع جيش العدو الإسرائيلي تحقيق انتصاره خلال ستة أيام ، ومن ثم انهيار الجبهات العربية وسقوط سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان تحت الاحتلال الإسرائيلي، لكن هذه الهزيمة رغم قساوتها ومراراتها وظلالها السوداء، فشلت في تحيق حالة الاستسلام واليأس في أوساط شعوبنا العربية التي سرعان ما أفاقت من صدمتها واستعادت روحها وإرادتها عبر التمسك بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لاستكمال مسيرة النضال من اجل مقاومة العدو الصهيوني ودحره من بلادنا ، أما بالنسبة لشعبنا الفلسطيني فبعد أقل من أسبوع على هزيمة حزيران وبعد أن انتهى من دفن شهدائه  بدأ في إضاءة شموع المقاومة .

لقد بلورت هزيمة حزيران في ذهن قيادة الجبهة عموماً ، وامينها العام جورج حبش خصوصاً "أهمية النضال القطري ضمن الاطار القومي ، واهمية بلورة الأداة التنظيمية التي تعبئ الجماهير ، كما بلورة بوضوح اعمق اهمية المسالة الطبقية، وكل هذا مهد الطريق لتأسيس الجبهة الشعبية وإعلان تبنيها لنظرية الطبقة العاملة، الماركسية اللينينية " [28].

في هذه الظروف ، إلى جانب الطبيعة الفاقعة لمرارة هزيمة حزيران 1967 بادرت قيادة حركة القوميين العرب، إلى إعداد خطة المواجهة المطلوبة لإخراج الجماهير من حالة الصدمة وخيبة الأمل لكي تتحمل مسئوليتها في مقاومة الاحتلال، حيث تداعت اللجنة التنفيذية القومية أو ما سمي آنذاك بالقيادة القومية إلى عقد اجتماعها الموسع في أواخر تموز 1967 ، الذي ناقشت فيه مقدمات ونتائج الهزيمة وأسس المواجهة المطلوبة، وصدر عن ذلك الاجتماع  أول وثيقة رسمية (عرفت باسم تقرير تموز 1967) تتضمن تحليلاً طبقياً للنكسة، حمل عنوان "الثورة العربية أمام معركة المصير" وعرفت اشكالياته باسم "موضوعات/5/حزيران"، وقد قام بصياغتها الر. جورج حبش[29].

ناقشت هذه الوثيقة /تقرير تموز ، ما سمته بـ النكسة العسكرية في حرب الأيام الستة، ورأت أن النكسة لا تكمن في الهزيمة العسكرية بقدر ما تكمن في اضطرار حركة الثورة العربية إلى إيقاف الحرب مع إسرائيل عند حدود جولة الأيام الستة، كما فسرت الوثيقة عجز قيادة الثورة العربية بسبب تكوينها الطبقي والأيديولوجي والسياسي البرجوازي الصغير، واستنتجت نظرياً في ضوء تحليلها الطبقي للنكسة، "أنه إذا كانت البرجوازية الصغيرة، قد أدت دورها إبان مواجهة الاستعمار القديم، فإنها "لم تُعد مؤهلة لممارسة دور القيادة على رأس الحركة الثورية العربية في هذه المرحلة الجديدة من نضالها"[30].

وهذا يتطلب – حسب نص الوثيقة- "ضرورة انتقال مقاليد القيادة إلى الطبقات والفئات الاجتماعية الكادحة الأكثر جذرية والملتزمة بـ الاشتراكية العلمية ، وإتباع أسلوب الكفاح الشعبي المسلح والعنف الثوري المنظم وتحقيق وحدة القوى الثورية العربية قطرياً وقومياً"[31].

لقد شكلت وثيقة / تقرير تموز، الأساس النظري لإعادة بناء حركة القوميين العرب وتجذيرها يسارياً الأمر الذي ترك أثراً واضحاً في أدبيات الجبهة الشعبية بُعَيد تأسيسها ، بمثل ما ترك في تزايد الخلافات واحتدامها في قيادة الحركة ، الأمر الذي أدى إلى الانقسام في الهيئات القيادية ومن ثم انسلاخ العديد من فروع الحركة عن الجسم الأم  " في اليمن والخليج والجزيرة العربية، وتحول فرع الحركة في العراق للعمل تحت اسم الحركة الاشتراكية العربية بقيادة عبد الإله نصراوي "[32].

وفي ظل هذه الحالة الانقسامية ، عقدت فروع الحركة مؤتمرات إقليمية أو قطرية أدت إلى مزيد من المشاهد الانقسامية ومن ثم تراجع وتفكك حركة القوميين وتصفيتها شكلاً ومحتوى واسماً" [33] ، أما بالنسبة للفرع الفلسطيني للحركة وبعد خروج جبهة التحرير الفلسطينية وبعض الضباط الناصريين منها، " فقد أصبحت الصورة الجديدة، صورة تطابق شبه تام بين الحركة من ناحية وبين الجبهة من ناحية ثانية، ففكر الجبهة السياسي هو فكر الحركة كاملاً دون أي نقصان، وتكوينها إلى حد بعيد هو تكوين الحركة... وإذا كان التطابق حاصلاً بين الفكر من ناحية والتكوين من ناحية ثانية، فان أي تمييز استراتيجي محدد بين الحركة والجبهة لا يعود قائماً" وبالتالي لا يبقى هناك أي أساس للتمييز ما بين "الحركة" و"الجبهة"، من هنا تبنى مؤتمر شباط 1969 خط "انصهار تنظيم الحركة في الساحة الفلسطينية ضمن تنظيم الجبهة" وفق شعار "الحركة في خدمة الجبهة وليس الجبهة في خدمة الحركة" وبهذا المعنى أصبحت "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" حزباً يمثل الفرع الفلسطيني وفق الإستراتيجية السياسية والتنظيمية التي أقرها مؤتمر شباط"[34]، لكن هذا المؤتمر لم يقطع سياسياً أو فكرياً مع حركة القوميين العرب بل على العكس أكد – حسب وثائقه – على اعتبار الجبهة الشعبية استمراراً للحركة "[35] ، وقد كانت هذه الخطوة بمثابة إسدال الستار على حركة القوميين العرب وإنهاء وجودها التنظيمي والسياسي في الساحة الفلسطينية، وتحول فروعها إلى حركات أو منظمات أو مجمعات قطرية أو إقليمية متباينة فكرياً من حيث الموقف تجاه الماركسية أو التمسك بالفكر القومي، مثل "التجمع الوطني الناصري" بقيادة جاسم القطامي ، والحركة التقدمية والديمقراطية " بقيادة أحمد الخطيب في الكويت ، والحركة الثورية الشعبية في عُمان والخليج العربي، لكن القائد الراحل جورج حبش، قرر مواجهة حالة التفكك والانهيار التي أصابت حركة القوميين العرب ، فقام بتأسيس "حزب العمل الاشتراكي العربي" في محاولة منه استعادة فكرة وجوهر العمل القومي برؤية تقدمية جديدة ؛ حيث نلاحظ تمسك الحزب بمركزية العمل القومي العربي لكافة الفروع المنضوية في إطاره في لبنان وسوريا وفلسطين والأردن  والعراق و السعودية وإلى حد أدنى مصر"[36]، ففي دفاعه عن مبرر قيام هذا الحزب ، كتب المؤسس الراحل الرفيق جورج حبش في افتتاحية العدد الأول من مجلة طريق الثورة "إن هزيمة حزيران ، مثل كل هزيمة قومية ، أوجدت ظروفاً موضوعية جديدة ... وإن تنظيم "حركة القوميين العرب" بتفاعله العملي مع هذه الظروف وهذه الرؤية ، يتحول اليوم إلى تنظيم سياسي جديد هو : حزب العمل الاشتراكي العربي ، ليكون هذا الاسم مُعَبِّراً عن حقيقة التغير الجذري في البنية النظرية والطبقية لحركة القوميين العرب"[37].

وفي هذا الجانب يقول الحكيم " لقد انتهت حركة القوميين العرب كحركة ثورية في الاقطار التي عملت فيها. اما الفروع القطرية فلم تنته. ان المؤسسة التي اسمها حركة القوميين العرب لم تعد قائمة كحركة مركزية وتنظيم مركزي في مختلف اجزاء الوطن العربي، وتحولت إلى حركات ثورية موجودة قطرياً بأفق قومي. وهي اجمالاً تشكل قوة اساسية من الحركة الوطنية في بعض الساحات العربية. وعلى سبيل المثال ان فرع الحركة في اليمن الديمقراطي ساهم بقوة في تأسيس الجبهة القومية التي قادت الثورة، وفي اليمن الشمالي أصبح فرع الحركة يعمل باسم الحزب الديمقراطي الثوري، وهناك عدد من الرفاق يعملون الآن في اليمن الشمالي ايضاً باسم المقاومين الثوريين. وفي الكويت أصبح فرع الحركة عبارة عن مجموعة من الشبان الديمقراطيين على رأسهم الدكتور احمد الخطيب أحد افراد القيادة المؤسسة. وفي الخليج اصبحت الجبهة الشعبية لتحرير الخليج هي البديل لفرع حركة القوميين العرب ، وهذه الجبهة التي أصبح اسمها الجبهة الشعبية لتحرير عُمان لها فروع في معظم مناطق الخليج، وبدأ فرع الجبهة في البحرين يصبح قوة أساسية عاملة، وفي الساحة الفلسطينية انتهى فرع حركة القوميين العرب إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين . وفي لبنان أفرز فرع الحركة ما يسمى منظمة العمل الشيوعي" [38].

أما بالنسبة لتقييم القائد المؤسس لتجربة حركة القوميين العرب ، فهو يرى أن هنالك  نقاط أساسية علمية وعملية يجب تسجيلها في معرض تقويم الحركة ، وهي:

ان حركة القوميين العرب كانت فصيلاً من فصائل حركة التحرر الوطني العربي. كانت في المشرق بالذات الحركة الجماهيرية التي تصدت للأحلاف وساندت القيادة الناصرية ووقفت في وجه الإمبريالية بشجاعة [39].

ان الحركة عاشت عملية تطور متصلة في اتجاه اليسار، بدأت الحركة بطرح شعار "وحدة، تحرر ، ثأر" وتصاعد التطور إلى حد وضع وثيقة تموز 1967 التي هي في تقديري وثيقة نظرية وضعتنا على أبواب تنظيم ثوري جذري اجمالاً على رغم ما يقال في موضوع التناقض الذي شهدته حركة القوميين العرب[40].

وعلى هذا الأساس ، فإن الجبهة الشعبية – حتى اللحظة الراهنة- تعتبر أن تجربتها التنظيمية والسياسية ، وتجربة حركة القوميين العرب هي تجربة واحدة متصلة وموحدة ، وبهذا القول فإن الجبهة تتبنى رأياً محل إقرار رسمي وهو أن التاريخ السليم للجبهة بكل ما مثلته لابد وأن يبدأ من وضع حركة القوميين العرب ليس لناحية ما انتهت إليه فحسب، بل في ما انطلقت منه أصلا، على أرضية ما تقدم يمكن فهم مكانة الجبهة الشعبية في التاريخ، الذي لم يحتفظ عبثا بهذه التجربة الوطنية الفلسطينية ولحوالي ستين عاماً من الزمن، غطت مرحلتين عاصفتين، تشكلان كامل التاريخ الفلسطيني بعد سنة 1948، أي ستون عاماً من "الحصيلة الإجمالية" و "الخبرة التاريخية" و "الاستمرارية التاريخية" وهذا مكسب وثروة وطنية، وهو بالنسبة للجبهة الشعبية شرف بمقدار ما هو عبء ومسئولية عن الماضي بمقدار ما هو مسئولية نحو المستقبل.

إن حركة القوميين العرب هي وبامتياز كانت أقرب إلى تقاطع طرق ومخزن تجمعت فيه مرحلة ما قبل 1948 بمرحلة ما بعد 1948، الحضور العملي بالحضور الضميري والأخلاقي والسياسي.

إن أي مؤرخ أو باحث، أو مناضل، يسعى إلى تعريف حركة القوميين العرب، فإن أكثر الصيغ قرباً من الحقيقة، هي أنها كانت تعبيراً عن أولوية ومكانة الإنسان_ الوجدان في صنع التجربة، على أي اعتبار آخر في نشأة الحركة كطفل شرعي لخزين التاريخ وليس طفلاً لقيطاً وجد على قارعة الطريق مجهول المصدر والتكوين والمستقبل، وبهذا المعنى فإن "حركة القوميين العرب" كحالة اجتماعية نتاج وملك هذا الشعب.

إن البحث في "فلسطينية" حركة القوميين العرب خارج قوميتها نوع من العبث لا يوازيه إلا البحث في قومية الحركة خارج "فلسطينيتها" أو البحث في فلسطين خارج المكان والزمان العربي وخارج سايكس- بيكو الذي أنتج وعد بلفور، الذي أعاد إنتاج تجسيد سايكس – بيكو، وبموازاة ما يبدو لقصيري النظر التباساً، فإن تفسير مؤسس الحركة القائد الراحل جورج حبش يبقى عصياً إذا لم تستوعب المسافة بين الفرد والزمن، فهو القائل: "حين يكون العرب بخير تكون فلسطين بخير" هذه المقولة ليست مجرد وجهة نظر، بل تعبير عن حقيقة موضوعية وتجد صدقيتها في جردة حساب تاريخية طويلة كامنة ليحكم في ضوئها.

 

 

[1]  حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره - ص64

[2] د. سعد مهدي شلاش - مصدر سبق ذكره ص 252.

[3] بالنسبة لشعار "الثأر" فيعود إلى "كتائب الفداء العربي" التي تأسست عام 1949 وطرحت شعارها المركزي : (دم، حديد ، نار ، وحدة ، تحرر ، ثار).

[4] لقاء شخصي مع الراحل المؤسس د.جورج حبش.

[5] كان الرفيق الشهيد أبو علي مصطفى مسئولاً عن منظمة شباب الثأر في منطقة جنين ، وكان على صلة مباشرة مع الرفيق الشهيد د.وديع حداد.

[6]  الشهيد خالد أو عيشة من مواليد قضاء عكا – قرية العكر - عام 1941 ، انضم إلى منظمة شباب الثأر منذ بداية تأسيسها ، شارك في عمليات استطلاع لأراضي فلسطين المحتلة استعداداً للانطلاق ، اصطدمت إحدى المجموعات التي يقودها في منطقة الجليل الأعلى مع إحدى الدوريات الصهيونية في منطقة دومث على الحدود اللبنانية ، ودارت معركة حامية استمرت حوالي ثلاث ساعات ونصف استشهد رفيقنا على أثرها  بتاريخ 2/11/1964 (المصدر : مجلة الهدف – بيروت – العدد 282– 14 كانون أول / 1974 – السنة السادسة – ص10 ).

[7] سامي يوسف أحمد - الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين 1967 – 1987 – رسالة دكتوراه – القاهرة – 2007 –– ص39.

[8] تم الاتفاق سراً على تأسيس منظمة "أبطال العودة" بين كل من الرفيق وديع حداد واللواء وجيه المدني قائد جيش التحرير الفلسطيني آنذاك.

[9] الشهيد الحاج فايز جابر من أبرز قادة منظمة أبطال العودة ، استشهد في مطار عنتيبي / أوغندا أثناء عملية خطف طائرة صهيونية عام 1976.

[10] رفضت الحركة الإعلان عن عملياتها في تلك المرحلة حتى لا تبدو وكأنها تورط الجيوش العربية وخاصة الجيش المصري في حرب قبل أوانها ، ولذلك كان شعارها بالنسبة للعمل الفدائي آنذاك "فوق الصفر وتحت التوريط " تأكيداً أو تبريراً لاختلافها عن حركة فتح التي كانت تسعى إلى التوريط.

[11] سامي يوسف أحمد – رسالة دكتوراه – مصدر سبق ذكره - ص39.

[12] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره - ص74

[13] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره -  ص74

[14] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره -  ص75

[15] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره -  ص75

[16] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره -  ص76

[17] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره -  ص77

[18] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره -  ص77

[19] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره -  ص78

[20] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره -  ص78

[21] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره -  ص78

[22] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره -  ص73

[23] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره -  ص73

[24] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره -   ص108

[25] مقابلة شخصية مع أ.عمر خليل عمر بتاريخ 17/12/2009.

[26] د. سعد مهدي شلاش - مصدر سبق ذكره ص259

[27] المصدر السابق – ص258.

[28] حوار مع د.جورج حبش - مجلة صوت الوطن – العدد 38 – 15/10/1992 – نيقوسيا - قبرص -  ص11.

[29] محمد جمال باروت – مصدر سبق ذكره ص421

[30] المصدر السابق – ص 424.

[31] المصدر السابق – ص 424.

[32] المصدر السابق – ص427

[33]  المصدر السابق – ص427

[34] المصدر السابق – ص495

[35] المصدر السباق – ص496

[36] المصدر السابق – ص501

[37] المصدر السابق – ص496

[38] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره - ص82

[39] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره -  ص83

[40] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره -  ص83