عبد الرحيم ملوح: ما بظل في الواد غير حجارو!

حجم الخط
 
 

مساء الأربعاء 23 كانون أول فاجأني شريط الأخبار العاجلة برحيل الرفيق والصديق عبد الرحيم ملوح، جالت في العين دمعة وانهمرت الذكريات والمواقف والسنوات واللحظات التي التقيت وعملت فيها مع ملوح:  في بيروت، في دمشق، وهنا في فلسطين. 
الآن، أنا لا أقدم شهادة بحق الرفيق ملوح، فتاريخه وتجربته الطويلة والممتدة على مساحة عمره كلها هي شهادته أولا وعاشرا. وبالتالي فهو ليس بحاجة لشهادة أو تزكية من أحد.  
 إنها بعض ومضات وإضاءات في حضرة الفقد والرحيل الجليل. عرفت عبد الرحيم ملوح منذ عقود طويلة(عرفت: يالهذا الفعل الماضي الحزين، فعل الفقد). عرفته يوم كنت مجرد شاب حالم ومندفع، فيما كان  عبد الرحيم ملوح يحتل مواقع قيادية في الجبهة الشعبية وفي م.ت.ف. ملوح الأسمر الفارع الطول، الحيوي والضاحك أبدا، الرشيق واللماح والذكي، الواضح والعنيد والأليف. كان حين نلتقي بموعد أو بالصدفة يضحك فورا وهو يقول: إيش يا تعمري!. تعمري وماركسي!!! فأضحك بدوري وأوضح: أصلا يا أبو شريف التعامرة أقرب للماركسية بحكم نمط الأنتاج المشاع؛. فيغرق في الفرح. 
 حين يُطرح أمر جدي يصغي جيدا.. يصمت، يفكر، ثم يتحدث بأناة وصبر وصوت هادئ وكأنه يزن كل كلمة.
أحيانا كنا نختلف ونغضب. نخطئ ونصيب. ف"من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر".  هي طبيعة الناس والأصدقاء والرفاق هكذا حين يكون موضوع النقاش قضية بثقل وحجم قضية فلسطين، لكنه لم يكن اختلاف الافتراق، بل الثقة، لهذا لم يتجاوز الخلاف يوما ثوابت الالتزام والوفاء والصدق، لهذا كان أبو شريف يبقى دائما قريبا من القلب وعند الكلمة. 
لم تكن له يوما حياة خارج قضية فلسطين، ففلسطين وقضية فلسطين هي مسرح حياته. لم تكن له حياة خاصة أو عملية غير فلسطين. إنه مثال المناضل المحترف والعضوي. ابن التجربة بامتياز، نضاليا وفكريا وسلوكيا ووعيا وانتماء والتزاما.  فقبل أن يخط شارباه التحق بجيش التحرير الفلسطيني في العراق عام 1955وأصبح ضابطا بعد دورة تدريبية في مدينة بعقوبة. بعدها عاد إلى الأردن ثم التحق بالعمل الفدائي في الأغوار وشارك في الدوريات التي كانت تدخل إلى الأرض المحتلة بهدف التسليح والمقاومة، كما شارك وقاد مجموعات الجبهة الشعبية في معركة الكرامة في آذار 1968، حيث أصيب في الحوض إثر تعرضهم لغارات الطيران الإسرائيلي. 
أثناء الغزو الإسرائيلي وحصار بيروت في حزيران 1982  والذي استمر ثلاثة أشهر، تولى عبد الرحيم ملوح مسؤولية قيادة قوات الجبهة العسكرية طيلة معارك وأشهر الحصار. أذكر تلك الأيام واللحظات جيدا. أذكر حضوره على محاور القتال في خلدة والضاحية والرملة البيضا وشاتيلا ووسط بيروت، يدقق، يسأل، يوجه، وينسق.  أشهد أنك يا عبد الرحيم ملوح  قد قدت وخضت تلك المعارك ببسالة وثبات و شجاعة ورباطة جأش. خضتها دون التباس أو تردد يوم لم يكن مع الفلسطينيين أحد.  ربما كثيرون لا يعرفون ذلك، لأنهم عرفوا ملوح فقط أثناء عمله في المؤسسات السياسية، لكنهم لا يعرفون أنه جاء من مئة معركة واشتباك ومواجهة.   
هذا هو ابن فلسطين، ابن يافا، ابن مخيم الجفتلك عبد الرحيم ملوح.  تولى الكثير من المهام الأساسية في إطار مسؤولياته القيادية المتعددة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مذ كان شابا وحتى حالت صحته دون ذلك.  ومن بين تلك المهام الكبرى عضويته في المكتب السياسي لسنوات طويلة، ثم  نائبا للأمين العام وممثلا للجبهة الشعبية في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير  الفلسطينية منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى عام 2018.
سيرة عبد الرحيم ملوح هي سيرة الفلسطيني المشغول في ساحات النضال المتعددة والمتنقلة. تعرض للاعتقال في أكثر من ساحة، كان آخرها عام 2002  والحكم عليه 9 سنوات قضى منها سبع سنوات في معتقل عوفر ، حيث تعرض لاعتداء أدى لأصابات في الرأس وكسر في الفك. 
 زرت الرفيق ملوح مرتين في مكتبه في مبنى م.ت.ف في رام الله عام 2017،  يومها، حين حاول وبصعوبة أن ينهض ليستقبلني، ودون أن أدري انهمرت دموعي. تذكرت أيام كان ملوح يمشي برشاقته المعروفة ويمضي نحو مهامه ضاحكا وجادا. قبلته على جبينه. طلب القهوة وهو يسأل ويضحك ويعاتب: وينك يا تعمري!؟. فخفضت رأسي خجلا. فقال ضاحكا: اشرب القهوة أنا بمزح.  
ما أكتبه عبد الرحيم ملوح: ما بظل في الواد غير حجارو! 
نصار إبراهيم
 مساء الأربعاء 23 كانون أول فاجأني شريط الأخبار العاجلة برحيل الرفيق والصديق عبد الرحيم ملوح، جالت في العين دمعة وانهمرت الذكريات والمواقف والسنوات واللحظات التي التقيت وعملت فيها مع ملوح:  في بيروت، في دمشق، وهنا في فلسطين. 
الآن، أنا لا أقدم شهادة بحق الرفيق ملوح، فتاريخه وتجربته الطويلة والممتدة على مساحة عمره كلها هي شهادته أولا وعاشرا. وبالتالي فهو ليس بحاجة لشهادة أو تزكية من أحد.  
 إنها بعض ومضات وإضاءات في حضرة الفقد والرحيل الجليل. عرفت عبد الرحيم ملوح منذ عقود طويلة(عرفت: يالهذا الفعل الماضي الحزين، فعل الفقد). عرفته يوم كنت مجرد شاب حالم ومندفع، فيما كان  عبد الرحيم ملوح يحتل مواقع قيادية في الجبهة الشعبية وفي م.ت.ف. ملوح الأسمر الفارع الطول، الحيوي والضاحك أبدا، الرشيق واللماح والذكي، الواضح والعنيد والأليف. كان حين نلتقي بموعد أو بالصدفة يضحك فورا وهو يقول: إيش يا تعمري!. تعمري وماركسي!!!. فاضحك بدوري وأوضح: أصلا يا أبو شريف التعامرة أقرب للماركسية بحكم نمط الانتاج المشاعي. فيغرق في الفرح. 
 حين يُطرح أمر جدي يصغي جيدا. يصمت، يفكر، ثم يتحدث بأناة وصبر وصوت هادئ وكأنه يزن كل كلمة.
أحيانا كنا نختلف ونغضب. نخطئ ونصيب. ف"من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر".  هي طبيعة الناس والأصدقاء والرفاق هكذا حين يكون موضوع النقاش قضية بثقل وحجم قضية فلسطين، لكنه لم يكن اختلاف الافتراق، بل الثقة. لهذا لم يتجاوز الخلاف يوما ثوابت الالتزام والوفاء والصدق، لهذا كان أبو شريف يبقى دائما قريبا من القلب وعند الكلمة. 
لم تكن له يوما حياة خارج قضية فلسطين، ففلسطين وقضية فلسطين هي مسرح حياته. لم تكن له حياة خاصة أو عملية غير فلسطين. إنه مثال المناضل المحترف والعضوي. ابن التجربة بامتياز، نضاليا وفكريا وسلوكيا ووعيا وانتماء والتزاما.  فقبل أن يخط شارباه التحق بجيش التحرير الفلسطيني في العراق عام 1955وأصبح ضابطا بعد دورة تدريبية في مدينة بعقوبة. بعدها عاد إلى الأردن ثم التحق بالعمل الفدائي في الأغوار وشارك في الدوريات التي كانت تدخل إلى الأرض المحتلة بهدف التسليح والمقاومة، كما شارك وقاد مجموعات الجبهة الشعبية في معركة الكرامة في آذار 1968، حيث أصيب في الحوض إثر تعرضهم لغارات الطيران الإسرائيلي. 
أثناء الغزو الإسرائيلي وحصار بيروت في حزيران 1982  والذي استمر ثلاثة أشهر، تولى عبد الرحيم ملوح مسؤولية قيادة قوات الجبهة العسكرية طيلة معارك وأشهر الحصار. أذكر تلك الأيام واللحظات جيدا. أذكر حضوره على محاور القتال في خلدة والضاحية والرملة البيضا وشاتيلا ووسط بيروت، يدقق، يسأل، يوجه، وينسق.  أشهد أنك يا عبد الرحيم ملوح  قد قدت وخضت تلك المعارك ببسالة وثبات و شجاعة ورباطة جأش. خضتها دون التباس أو تردد يوم لم يكن مع الفلسطينيين أحد.  ربما كثيرون لا يعرفون ذلك، لأنهم عرفوا ملوح فقط اثناء عمله في المؤسسات السياسية، لكنهم لا يعرفون أنه جاء من مئة معركة واشتباك ومواجهة.   
هذا هو ابن فلسطين، ابن يافا، ابن مخيم الجفتلك عبد الرحيم ملوح.  تولى الكثير من المهام الأساسية في إطار مسؤولياته القيادية  المتعددة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مذ كان شابا وحتى حالت صحته دون ذلك.  ومن بين تلك المهام الكبرى عضويته في المكتب السياسي لسنوات طويلة، ثم  نائبا للأمين العام وممثلا للجبهة الشعبية في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير  الفلسطينية منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى عام 2018.

سيرة عبد الرحيم ملوح هي سيرة الفلسطيني المشغول  في ساحات النضال المتعددة والمتنقلة. تعرض للاعتقال في أكثر من ساحة،  كان آخرها عام 2002  والحكم عليه 9 سنوات قضى منها سبع سنوات في معتقل عوفر  حيث تعرض لاعتداء أدى لأصابات في الرأس وكسر في الفك. 
 زرت الرفيق ملوح مرتين في مكتبه في مبنى م.ت.ف في رام الله عام 2017،  يومها، حين حاول وبصعوبة أن ينهض ليستقبلني، ودون أن أدري انهمرت دموعي. تذكرت أيام كان ملوح يمشي برشاقته المعروفة ويمضي  نحو مهامه ضاحكا وجادا . قبلته على جبينه. طلب القهوة وهو يسأل ويضحك ويعاتب: وينك يا تعمري؟!فخفضت رأسي خجلا. فقال ضاحكا: اشرب القهوة أنا بمزح.  
ما أكتبه هنا ليس من باب الرثاء، بل من أجل أن لا ننسى واجبنا ومسؤوليتنا الأخلاقية في حراسة التجربة والتاريخ.
هذه المهمة الضرورية هي مهمة الجبهة الشعبية والحركة الوطنية الفلسطينية والمؤسسات الفلسطينية التي عليها أن توثق تاريخ رموزها وقياداتها ومناضليها وتحرسه من العبث أو الإساءة أو النسيان، هذا الأمر بقدر ما هو واجب فهو أيضا حق لمن أعطوا فلسطين أعمارهم، كما هو حق أيضا للأجيال التي لم تولد بعد لكي تعرف أنها لا تبدأ من الصفر، بل تتابع على دروب سار وسقط عليها قبلها شجعان كثيرون. 
في النهاية اتذكر تلك الكلمة التي قالها ذات يوم بعيد في دمشق عبد الرحيم ملوح  للراحل المؤسس والرمز الحكيم جورج حبش إثر خلاف في الاجتهاد السياسي: يا حكيم قد نختلف هنا وهناك، ولكن ثق يا رفيقي أنه لن يبقى في الواد غير حجارو. فابتسم الحكيم من قلبه.
وداعا الرفيق عبد الرحيم ملوح (أبو شريف) والعزاء والصبر  والذكريات الجميلة لزوجته وأبنائه وأهله وشعبه ورفاقه، ليس من باب الرثاء، بل من أجل أن لا ننسى واجبنا ومسؤوليتنا الأخلاقية في حراسة التجربة والتاريخ.
هذه المهمة الضرورية هي مهمة الجبهة الشعبية والحركة الوطنية الفلسطينية والمؤسسات الفلسطينية التي عليها أن توثق تاريخ رموزها وقياداتها ومناضليها وتحرسه من العبث أو الإساءة أو النسيان. هذا الأمر بقدر ما هو واجب فهو أيضا حق لمن أعطوا فلسطين أعمارهم، كما هو حق أيضا للأجيال التي لم تولد بعد لكي تعرف أنها لا تبدأ من الصفر، بل تتابع على دروب سار وسقط عليها قبلها  شجعان كثيرون. 
في النهاية أتذكر تلك الكلمة التي قالها ذات يوم بعيد في دمشق عبد الرحيم ملوح  للراحل المؤسس والرمز الحكيم جورج حبش  إثر خلاف في الاجتهاد السياسي: يا حكيم قد نختلف هنا وهناك ولكن ثق يا رفيقي أنه لن يبقى في الواد غير حجارو. فابتسم الحكيم من قلبه.
وداعا الرفيق عبد الرحيم ملوح (أبو شريف) والعزاء والصبر  والذكريات الجميلة لزوجته وأبنائه وأهله وشعبه ورفاقه.