عودة لطبيعة الصراع العربي الصهيوني: هزيمة الرجعية واندحار الصهيونية والإمبريالية

حجم الخط

مهما كثر عدد الدول العربية المطبعة مع الكيان الصهيوني، فلن يغير ذلك من طبيعة الصراع العربي الصهيوني، باعتبار أن الصراع معه كظاهرة استعمارية استيطانية هو صراع على الوجود، وليس صراعًا على الحدود، وقد كان آخر ما التحق بقافلة التطبيع المذلة المغرب، حيث وصلت يوم الثلاثاء الماضي طائرة شركة العال الإسرائيلية من تل أبيب إلى مطار العاصمة الرباط، وبصورة احتفالية، وقد كان على متنها كوشنر اليهودي صهر ترامب وعراب التطبيع الذي مساعيه التطبيعية لن تنتهي ما دام ترامب متمسكًا بمنصب الرئاسة، على الرغم من فوز بايدن بالانتخابات الأخيرة.

 في المشهد السياسي العربي الحالي أهم ما يبرز فيه ويثير الاهتمام لدي العديد من المواقع الإخبارية، هو تتابع إجراءات التطبيع مع العدو الصهيوني الذي يعد من وجهة نظر القائمين على رصد المتغيرات السياسية في المنطقة انعطافة نوعية غير مسبوقة، في دور الرجعية العربية، في معاداتها للقضايا القومية والتقدمية، والتي تشكل هذه الرجعية المغرقة في التخلف، خاصة الرجعية الخليجية، ذات الطابع القبلي الوراثي مع دولة الكيان الصهيوني والإمبريالية؛ ثلاثي معسكر الأعداء، وحيث يتم هذا التطبيع بموافقة أنظمتها السياسية، ولم يكن خيارًا شعبيا، بل ويتحقق أيضًا بصورة املائية وبضغط من البيت الأبيض في واشنطن. لذلك، فإن هذا التطبيع العربي المخزي لن يستمر طويلًا لأن الأنظمة السياسية هي في الآخر أنظمة عابرة في حياة الشعوب وفي الوضع العربي البائس الآن النظام السياسي العربي الرسمي في انتظار موجة أخرى من موجات الثورات الشعبية التي اطاحت بأنظمة سياسية استبدادية سابقة، لكن التدخل الأمريكي الإمبريالي قام بسرقتها؛ فبدلًا من تعميم الديموقراطية تم إحداث فوضى سياسية وأمنية.. وفي الحياة السياسية العربية؛ عرفت المنطقة تشكيل أحلاف سياسية وعسكرية مع دول عربية سرعان ما تفككت بزوال الأنظمة السياسية كحلف بغداد بقيادة الاستعمار البريطاني التي أطاحت به ثورة تموز العراقية عام 58 من القرن الماضي، كما فشلت بعد ذلك تحالفات لأزمة مع أمريكا في عهد ولاية الرئيس أيزنهاور للوقوف في وجه المد القومي بقيادة مصر الناصرية، وذلك تطبيقًا لنظرية وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس المسماة بنظرية ملء الفراغ هذا على صعيد الأنظمة السياسية العربية الرجعية. وأما على صعيد الإمبريالية الأمريكية حليفة العدو الصهيوني الرئيسية في العالم، والتي تنجز له اتفاقيات التطبيع، فهي لن تكون بعيدة عن الزوال؛ فكم من إمبراطورية ودولة عظمى اندحرت، وزالت ولم تعد موجودة الآن على مسرح السياسة الدولية، وما أصابها من عوامل التفكك والانهيار، ليس بعيدًا أن يصيب الولايات المتحدة الأمريكية القائمة على أساس سياسة التمييز العنصري؛ بسبب التنوع العرقي والقومي والمذهبي، خاصة تفاقم حدة الصراع بين البيض الأكثرية من أصول أوروبية والسود الأقلية الكبيرة من أصول إفريقية.. تفكك هذه الدولة الإمبريالية الاستيطانية التي نشأت على أنقاض قبائل الهنود الحمر أمر وارد مستقبلًا، كما حدث للاتحاد السوفييتي السابق ويوغسلافيا الاتحادية، وذلك في حال توفر الظروف الموضوعية وأهمها انتصار بلدان العالم الثالث في المجال الاقتصادي، وذلك بتخلصها من علاقة التبعية وهي العلاقة التي تستمد منها الإمبريالية الأمريكية قدرتها على البقاء كقوة عظمى في السياسة الدولية، ذلك أن انتصار بلدان العالم الثالث في أحداث تنمية وطنية اقتصادية شاملة تخرجها من علاقة التبعية للمركز الرأسمالي العالمي في واشنطن؛ من شأنه أن يفقد الشركات الاحتكارية الأمريكية الأرباح الهائلة التي تجنيها من وراء الاستغلال البشع لموارد تلك البلدان، خاصة مادة النفط الحيوية للحضارة الغربية البرجوازية في بقائها وتطورها مما تسرع هذه الخسارة في ظهور أشكالًا من التعارضات التي تتحول مع فقدان المزيد من الأرباح الإمبريالية إلى تناقضات اقتصادية واجتماعية تنخر قوام تركيبة المجتمع الأمريكي.

هكذا إذن بهزيمة الرجعية العربية وأفول دورها الخياني الوظيفي وبزوال أنظمتها السياسية، وكذلك بفقدان العدو الصهيوني لدعم حليفة الاستراتيجي الأمريكي يعود الصراع العربي الصهيوني مرة أخرى إلى جذوره الأولى بعد التهميش الذي أصاب القضية الفلسطينية بتراجع أولويتها في اهتمام أطراف عديدة في النظام السياسي العربي الرسمي.. صراع بين كيان عدواني غاصب وبين أمة عربية واحدة يربطها عوامل النسيج الاجتماعي الحضاري الواحد، ولعل ذلك هو ما سيحفز النضال الوطني الفلسطيني للعودة مرة أخرى إلى تبني برنامج الحل الاستراتيجي للقضية الفلسطينية، حيث المصير النهائي لوضع فلسطين هي أن تظل فلسطين عربية ديموقراطية بالكامل، وبعبارة أخرى صريحة لم يحدث التطبيع العربي؛ إلا بسبب القبول بحل مرحلي كانت منظمة التحرير الفلسطينية تراهن من خلاله على تحقيق مطالبها الوطنية.