قضية العربيد: لماذا لا يخشى المحققون الصهاينة من فضح جرائمهم؟

سامر عربي.jpg
حجم الخط

قالت ياعيل شتاين مديرة الأبحاث في منظمة بتسيلم، أن نتيجة التحقيق مع محققي الشاباك، في قضية الأسير سامر العربيد، متوقعة، حيث أن بروتوكولات الشاباك الخفية تفرض حماية المحققين مهما كانت أنواع الجرائم التي يرتكبونها أثناء التحقيق مع الأسرى الفلسطينيين.

وأضافت أنه من خلال قراره الأخير فإن المدعي العام أفيخاي ماندلبليت يمارس دوره الطبيعي في إخفاء التعذيب وممارسات الشاباك ويعكس طبعًا موافقة الدولة على هذه الممارسات.

كان المدعي العام الصهيوني ماندلبليت أعلن منذ أسبوع عن قراره القاضي بإغلاق تحقيق جنائي ضد محققي جهاز الشاباك، على خلفية التعذيب الوحشي الذي تعرض له الأسير سامر العربيد، الذي تزعم سلطة الاحتلال ضلوعه في هجوم فدائي في الضفة الغربية وترؤسه خلية للمقاومة تابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

وكان تم اعتقال العربيد منذ 25 أيلول/ سبتمبر 2019، وزعمت تقارير إعلامية صهيونية أن طبيبًا صهيونيًا من جهاز الأمن العام قام بفحص العربيد ليلة اعتقاله، ثم مرة أخرى صباح اليوم التالي وزعم أنه وجده "في حالة معقولة" في كل مرة وتمت إعادته للاستجواب. غير أنه نقل تاليًا إلى المستشفى في حالة حرجة، بعد أن فشل المحققون في إخضاعه، ومارسوا مع التعذيب الأقصى المفتوح حتى تورطوا في الشروع في اغتياله تحت التعذيب، حيث وجد أنه مصاب بكسور في الأضلاع وعلامات التعذيب القاسي على أطرافه وعنقه وصدره، وأبلغت عائلته أنه في المستشفى فاقدًا للوعي ويخضع للتنفس الصناعي عبر جهاز.

تمثيلية الشاباك المطورة

من المعروف أن تعذيب المعتقلين الفلسطينيين هو ممارسة قديمة وكلاسيكية لدى محققي جهاز الشاباك، ومع ذلك، فمن النادر نقل المعتقلين الفلسطينيين إلى المستشفى نتيجة هذه الاستجوابات العنيفة. ولكن احتل دخول العربيد إلى المستشفى عناوين الصحف وأثار تساؤلات جدية حول سلوك الشاباك، مما دفع المؤسسة الصهيونية إلى تقديم وعود رسمية بسرعة بأن الأمر قيد المراجعة.

وكانت المحطة الأولى لهذه المراجعة هي مفتش الشكاوى ضد جهاز الأمن الصهيوني وهو القسم المكلف بتحديد الاشتباه في "السلوك الإجرامي"، حيث مرت مئات الشكاوى عبر هذا القسم على مر السنين، وفي جميع الحالات باستثناء واحدة، خلصت الوكالة إلى أنه لا يوجد اشتباه في وجود سلوك غير مشروع، وشرعت في إغلاق القضية.

يذكر أنه وفي إحصائية موثقة منذ عام 2001، تم تقديم 850 شكوى تعذيب من قبل معتقلين فلسطينيين، ولم يتم فتح تحقيق جنائي واحد، بل نجح المدعون العامون الصهاينة الثلاثة الذين تناوبوا على المنصب في هذه الفترة، في منع التحقيق في شكاوى التعذيب بشكل مستمر، حيث يُسمح للمدعين العامين بتجاهل سيادة القانون الصهيوني نفسه، عندما ينطبق ذلك على الشخصيات في المؤسسة الأمنية.

بالعودة إلى مراحل التحقيق فعادة ما ينتهي تبييض الجرائم في قسم مفتش الشكاوى، ولكن في حالة العربيد، ونتيجة للضغط الإعلامي الشديد ووجود قضيته تحت مجهر الرقابة العامة من مجتمع النشطاء والمحامين الفلسطينيين، ومنظمات حقوق الإنسان، قرر كاتب السيناريو في التمثيلية الصهيونية المضي قدمًا في إجراء تحقيق جنائي. وتم استجواب المحققين. وأدلى شهود بتصريحات. تم مصادرة وثائق. وحتى المركز الوطني "الإسرائيلي" للطب الشرعي أمر بتقرير.

أخيرًا - بعد مرور وقت كافٍ، وبعد أن تيقن مخرج هذه المسرحية أن الستار يمكن أن يُسدل دون إثارة الكثير من الدهشة - أعلن المدعي العام في 24 يناير/ كانون الثاني أنه أغلق الملف في قضية العربيد بسبب "عدم وجود أساس لإثبات وجود جريمة".

لماذا كان هذا الأساس الاستدلالي بعيد المنال؟ لم يكن هذا بسبب نقص الأدلة، ولكن بسبب أن ممارسات محققي الشاباك ليست ممنوعة في الواقع، بل هي مترسخة بعمق في البروتوكولات الداخلية للشين بيت، مما يجعل استنتاج ماندلبليت أمرًا لا مفر منه.

تبرير التعذيب

التفاصيل الدقيقة لما يُسمح للمحققين الصهاينة بفعله تظل سرية بالطبع. لكن مئات الشهادات الفلسطينية على مر السنين ترسم صورة حية ومرعبة لما يجري خلال هذه الاستجوابات - بعضها يمكن أن يستمر لأسابيع.

بالنسبة للمبتدئين، يمكن للمحققين إبقاء المعتقلين معزولين في زنازين صغيرة ومظلمة وقذرة، ويُسمح لهم بحرمان المعتقلين من الطعام لأيام أو تقديم طعام فاسد وغير مطبوخ وغير صالح للأكل. ويُسمح لهم بضربهم ومنع دخول المراحيض. ويمكنهم التهديد بإيذائهم أو بإيذاء أسرهم وإهانتهم والصراخ عليهم. وقد يربطون المعتقل على كرسي في أوضاع مؤلمة لفترات طويلة من الزمن. ويمكنهم نفخ الهواء البارد في زنازينهم ورفض طلباتهم للحصول على البطانيات. ويمكنهم منعهم من الاستحمام أو تغيير الملابس أو تنظيف أسنانهم بالفرشاة لأيام. ويمكنهم منع العلاج الطبي المناسب وحرمانهم من النوم لأيام متتالية.

ولا شيء من هذا مخالف للقانون. فلجنة لانداو، التي شكلتها الحكومة الصهيونية في عام 1987، خلصت إلى أن "الضغط البدني المعتدل" مسموح، ولكن لم يتم تحديد ما معنى "الاعتدال" هنا، على الرغم من أن تقرير اللجنة تضمن ملحقًا سريًا سمح بأساليب إضافية لاستخراج المعلومات من المعتقلين.

وفي حكمها الشهير عام 1999، ألغت المحكمة العليا استنتاجات لجنة لانداو وحظرت استخدام مجموعة من أساليب التعذيب. ومع ذلك، ترك القضاة للمحققين خيار التذرع بـ "دفاع الضرورة" - تبرير استخدام التعذيب بالادعاء أنه ضروري لأغراض أمنية عاجلة، يشار إليه باختصار "بالقنبلة الموقوتة".

ولهذا لا يحتاج المحققون الصهاينة إلى إخفاء أي شيء عن رؤسائهم. على العكس من ذلك، فإنهم يسجلون بدقة استجواباتهم في وثائق سرية، مع ذكر الأساليب التي استخدموها ومدة استخدامها، وأيها يمكن تقديمها إلى المحاكم عند الحاجة. كما يفحص الأطباء المحتجزين، ويؤكدون للمحققين ما إذا كانت حالتهم تسمح بمزيد من الاستجواب. ويوافق القضاة باستمرار على طلبات الحبس الاحتياطي وغالبًا ما يمددون الأوامر لحرمان الفلسطينيين المحتجزين من الوصول إلى مستشار قانوني.

إصلاح المكياج

إجمالاً، هذه الشبكة الهائلة من القواعد والمؤسسات بمثابة تركيبة للكيان لإخفاء حقيقة أنه يسمح، بل ويرحب، بالاستجواب من خلال التعذيب. يقوم هذا المكياج بعمل جيد في إخفاء الجرائم والفظائع الصهيونية. ولكن بين الحين والآخر، يحدث شيء ما ينحرف وتظهر الحقيقة، كما حدث في حالة سامر العربيد.

عندما يحدث ذلك، تكرس السلطات القانونية الصهيونية كل طاقتها ليس لمسح المكياج بل لتحسينه، وما يسمى بأجهزة إنفاذ القانون في الكيان، على دراية جيدة بتبييض هذه الجرائم حيث تحتشد بسرعة لخلق مظهر تحقيق جاد وشامل يهدف إلى كشف الحقيقة. وعندما ينتهي كل شيء، يتنفس الجميع الصعداء، وكل شيء يعود إلى مكانه ويُمنح الختم القانوني بالموافقة، والأهم من ذلك، يظل التعذيب بحد ذاته قانونيًا.

قد يتساءل المرء، لماذا تثير الدولة الصهيونية ضجة حول مكياجها وصورتها أمام العالم، ولماذا لا يخرجون ويقولون إن تعذيب الفلسطينيين أمر مقبول؟ ربما لأن الصهاينة يعتقدون أن "الغرباء لن يفهموا". ربما ستواجه "إسرائيل" ردة فعل خطيرة تجاه هذه السياسة، بل وستعاني من بعض العواقب، لكن ربما هناك سبب آخر، فالتعذيب بطبيعته يسلب إنسانية الإنسان؛ يجعله إناءً فارغًا، كائنًا مصممًا للإيذاء. لا يريد "الإسرائيليون" الاعتراف بأن هذه هي الطريقة التي يرون بها الناس الآخرين. لذلك فإن الكيان الصهيوني حريص على إظهار نفسه في محافل حقوق الإنسان العالمية ويواصل التشدق في هذا المجال، ولكن وكما يجمع الخبراء القانونيون، وكما قال أعضاء اللجنة الدائمة لمناهضة التعذيب في "إسرائيل" فإن رفض الحكومة والكنيست إدخال آليات حماية ضد التعذيب يتعارض تمامًا مع تصرفات "إسرائيل" والتزاماتها في المعاهدات التي وقعتها وصدقت عليها، وهي تشمل التوثيق السمعي البصري لاستجوابات المشتبه بهم الأمنيين أو آليات الزيارات المفاجئة لمنشآت الاستجواب من قبل هيئات مستقلة، والتوثيق السمعي البصري هو أيضًا جزء من التوصيات الأساسية للجنة توركل التي حققت في اقتحام قوات الاحتلال واختطاف السفينة مافي مرمرة، التركية.