مقاربات بين النهضة والثقافة والحضارة

حجم الخط

النهضة والثقافة والحضارة، مفاهيم استخدمت كمؤشرات لقياس مدى التقدم والتطور في المجتمعات الإنسانية. وقد ارتبط مفهوم النهضة، بالمرحلة التي شهدت الانتقال من العصور الوسطى إلى العصر الحديث في أوروبا؛ حيث أطلق على تلك المرحلة بعصر النهضة. وسياقات استخدامها، هي في الغالب، ثقافية وفكرية، وقد ركزت بشكل خاص على الفنون.

في وطننا العربي، برزت طلائع النهضة، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وحمل قادتها على عاتقهم إنجاز مهمتين رئيسيتين. الأولى إحياء اللغة العربية، وبعث التراث والانفتاح على الفكر الإنساني العالمي، والثانية مقارعة الاستبداد العثماني، والعمل على تحقيق الاستقلال عنه.

تلتقي النهضة بالثقافة، في أن كليهما ينطلق من بيئة خاصة، ويرتبطان بهوية الأمة في زمن محدد. فالثقافات هي نتاج العادات والتقاليد، ومختلف عناصر الإبداع لشعب ما. قانون الثقافة هو التراكم والتفاعل والتحول.. إنها تفاعل القديم بالجديد، من التقاليد والفلكلور، والغلبة في النهاية هي للجديد.

صاحبت الحضارة، الإنسان، منذ عرف الاستقرار والاجتماع الإنساني. وعلى الرغم من التداخل بين مفهومي النهضة والحضارة، يمكن القول إن النهضة هي مشروع للعمل، وهي مقدمة لأزمة للحضارة.

إمعان النظر في العناصر، التي تشكل المفاهيم الثلاثة، يوضح أن ليس أي منها ثابت، فهي جميعاً متحركة. لقد خضعت منذ القدم، لتحولات، وما كان بالأمس ثقافة أو حضارة، يعتد بها قد لا يكون كذلك الآن. فالزراعة على سبيل المثال، كانت عنواناً رئيسياً للحضارة، لأنها من العوامل التي أسست لاستقرار الإنسان وتأسيس المدن.

لكن وجود مجتمعات زراعية بحتة، لا تسعى جاهدة لتطوير أدائها من حال الزراعة البدائية، إلى الزراعة الحديثة أصبح مدعاة لوسم تلك المجتمعات بالتخلف. أصبح القياس الحضاري مختلفاً عن سابقه، وغدا رهناً للأخذ بناصية العلم، والإنتاج المكثف والأفضل، في النوع والكم.

في عالم الاقتصاد وموارده، وقواه المحركة، تغيرت الأمور كثيراً، فأصبح الاعتداد بما نملكه من موارد طبيعة، ومواد خام، دون تحويله إلى منتج صناعي، عنصر تهمة بالتخلف عن ركب الحضارة. وكذلك الحال بالنسبة للفنون، التي تغيرت تغيراً جذرياً مع الانتقال السريع، في طرق العيش.

وهكذا الحال مع بقية عناصر الحضارة. فالفنون والإبداعات، حالات يتواصل فيها القديم بالجديد ولا تستقر على أحوالها. ومع التطور الاجتماعي تبرز مفاهيم جديدة، ومنظومات أخلاقية، تجد أصولها في الموروث الفكري والأخلاقي، لكنها لا تقف عندها. فالأسئلة لا تبقى كما هي، وكلما تغيرت الأسئلة، كلما أصبحنا في حاجة إلى تقديم أجوبة تتسق معها.

في المقاربة بين الثقافة والحضارة، نقول إن الأولى لها هوية محلية خاصة، وإن كانت تنهل وتتفاعل مع غيرها من الثقافات. وقد سرع التطور الكبير للعلوم، واكتشاف تقنيات جديدة، من التعجيل في التفاعل بين الثقافات الإنسانية، لكنه لم يتمكن من إلغاء الخصوصية في ثقافات البشر.

أما الحضارة، فإن طابعها إنساني ورحب، وليست وظيفتها مكانية. ليست هناك في الراهن حضارة غربية، وأخرى صينية، وثالثة فرنسية، هناك حراك كوني، بسمة حضارية واحدة، والتنافس الاقتصادي الآن يجري في سياق نمط واحد. وحين نقول بمشروع حضاري عربي، فإننا نعني به اللحاق بالعصر الكوني الذي نعيشه.

ليس هناك من مخرج للأزمة العربية الراهنة، إلّا بتوفير الشروط للتحول إلى المجتمع المنتج. وفي هذا السياق، فإن من الملح صياغة خطط تنموية صناعية طموحة، وتكثيف الفرص الاستثمارية للنهوض بهذا القطاع. ولن يكون ذلك مجدياً إلا بتوفير الشروط الملائمة لإنجاح عملية التصنيع. وأولها تغيير مخرجات الثقافة والتعليم، بتغيير ثقافة التلقين إلى الثقافة التحليلية والتشجيع على العلم الحق والفكر الحق، ومن الانتقال من ثقافة الاتكالية والتردد إلى ثقافة المبادرة، والإبداع.

لا مناص من إعادة الاعتبار، لمشروع النهضة، وتحقيق التكامل الاقتصادي العربي، فذلك وحده الذي يضع العرب بالمكان اللائق، في عالم التكتلات الكبرى، والصناعات ذات الأبعاد الكبيرة، وليكون ذلك مدخلاً لنهوض الأمة بأسرها.

ولعل في هذا الطرح ما يعيد الاعتبار للتلازم بين وظيفة النهضة والثقافة ووظيفة الحضارة. فيستمر جدل العلاقة بين المفاهيم الثلاثة، كما كان دائماً في لحظات الصعود، تتقدم النهضة قاطرة الفكر، لتصيغ برامج المستقبل، مستندة على بنى ثقافية قوية، وتخلق الحضارة مناخات جديدة للنهوض، فيتلازم البناء والعمل، مع ارتقاء مختلف مجالات العلم والمعرفة والفنون، ضمن متصور استراتيجي عربي شامل، يهدف إلى الخروج من النفق الراهن، وينقلنا من حالة الانهيارات الكبرى التي تشهدها بلداننا العربية، إلى صناعة المستقبل الأفضل.