حول اللحظة الراهنة للعولمة الامبريالية ومستقبل الجماهير الشعبية في مشرق ومغرب الوطن العربي

حجم الخط

نحن أمام ظاهرة تَعَمُّق ديكتاتورية السوق عبر العولمة أو عبر الأممية الراهنة لرأس المال المعولم (الشركات المتعددة الجنسية)، وما يعنيه ذلك من تركز الثروة واتساع الفروق بين البشر والدول اتساعاً لا مثيل له بالتعاون الوثيق مع كل من البنك والصندوق الدوليين ومنظمة التجارة العالمية.

إن تسارع عمليات العولمة سيؤدي إلى تغيير مضامين الكثير من المفاهيم مثل "العالم الثالث" "التقدم" "العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية" وحوار الشمال والجنوب" إذ أن هذه المفاهيم لم يعد لها معنى مع تزايد البطالة والفقر وتحرر الأسواق والانفتاح والتخلي عن كل الضوابط التي أدت إلى تحكم 20% من سكان الكوكب بمقدرات 80% من سكانه، ما يؤكد على الاستغلال البشع لثروات الشعوب الفقيرة.

وتأتي "جائحة كورونا" لتضيف على الطبقة العاملة العالمية، معاناة فوق معاناتها، حيث جاءت في الوقت الذي يتوقع زيادة البطالة العالمية بنهاية العام 2021 لنحو 220 مليون شخص، وأن أعداد العمال الذين يقعون بين براثن الفقر في ازدياد مستمر، فيما لا تغطي الحماية الاجتماعية الملائمة سوى 27% من سكان العالم.

إن تطور العولمة في صيغتها الأكثر وحشية " الأمركة " خلق نوعاً من الحراك الاجتماعي الجديد على مستوى العالم، لكن للأسف، لا تزال القوى الاجتماعية والحركات والأحزاب والفصائل اليسارية الماركسية في بلداننا العربية عاجزة أيضاً عن الانخراط في الحركة العالمية المناهضة للعولمة .

وفي إطار العولمة أيضاً؛ تكرست مظاهر التبعية والاستبداد والاستغلال الطبقي للجماهير الشعبية في مجتمعاتنا العربية إلى جانب التطبيع والاعتراف بشرعية الدولة الصهيونية من معظم الأنظمة الحاكمة في بلادنا والعمل على تصفية حقوق شعبنا الفلسطيني في العودة وتقرير المصير.

العولمة والوضع العربي الراهن:

يتعرض الوطن العربي في ظروف العولمة الإمبريالية الراهنة وبالترابط الكامل مع حكام أنظمة الكومبرادور لظروف هي الأقسى والأكثر مرارة وإنحطاطاً من أي مرحلة في تاريخه الحديث والمعاصر، وهو إنحطاط مرتبط بالتبعية والتخلف وسيطرة الكومبرادور، تتزايد فيه حالة الإفقار والمعاناة للقوى العاملة وكل الفقراء والكادحين العرب، المحرومين من أي شكل من أشكال التأمين والحماية والدعم.

فقد وصل عدد السكان في الدول العربية عام 2020حوالي 428 مليون نسمة؛ وبلغ إجمالي

العمالة العربية كما في عام 2020 حوالي 135 مليون عامل منهم حوالي 26 مليون عامل عاطل عن العمل بنسبة 19.2% من مجموع القوى العاملة العربية، يترافق ذلك مع تزايد مساحات الفقر وانتشاره بحيث يزيد – اليوم – مجموع الفقراء ومن هم دون خط الفقر عن 200 مليون نسمة معظمهم في البلدان العربية غير النفطية التي يتدنى معدل دخل الفرد السنوي فيها إلى أقل من ألف دولار في حين يتجاوز هذا المعدل 30 – 120 ألف دولار سنوياً في البلدان النفطية.

أوضاع الفقر في الدول العربية تطور مؤشرات الفقر:

يعيش حوالي 40 في المائة من عدد السكان في الدول العربية تحت خط الفقر الدولي المقدر بحوالي 2.75 دولار أمريكـي فـي اليـوم باستخدام الـدولار المعـادل القـوة الشرائية.

يقدر أن حوالي ثلتي عدد السكان يعتبرون فـي حالـة فقر أو معرضين للفقر بينما 15 المائة من الفقراء يعانون من الفقر المدفع.

وتم تسجيل أعلى مستويات للفقر في موريتانيا بنسبة 89.1%، و السودان بنسبة 73.5% واليمن بنسبة 69.1% ، وسجلت أعلى نسب الفقر المدقع في فلسطين بحوالي 30% وفي موريتانيا بنسبة 51.6%، وفي السودان بنسبة 49.9%، واليمن بنسبة 30.6%.

هذه الحقائق تستدعي تفعيل النضال السياسي الديموقراطي والطبقي الاجتماعي لتحقيق اهداف الثورة الوطنية الديمقراطية الكفيلة باسقاط أنظمة الاستغلال والاستبداد والتبعية والتخلف عموماً وفي ما يسمى ب السعودية والخليج العربي خصوصاً حيث بلغ مجموع الناتج المحلي الاجمالي في السعودية والخليج لعام 2020 ما يزيد عن 1100 مليار دولار بنسبة 40% من اجمالي الناتج المحلي الاجمالي العربي الذي يبلغ في نفس العام (2,757) مليار دولار.

آثار الكورونا:

أدت تدابير الحجر الصحي الكلي أو الجزئي للحد من انتشار الجائحة إلى خسارة ملايين الوظائف في جميع القطاعات ولا سيما قطاع الخدمات الذي يوفر النصيب الأكبر من فرص العمل في المنطقة العربية، ويتوقع أن يكون القدر الأكبر من الخسائر في القطاعات الاشد تعرضا للخطر، مثل قطاع الفنادق والمطاعم والتصنيع والتجارة بالتجزئة والأنشطة التجارية والإدارية، حيث يعمل في هذه القطاعات 18.2 مليون عامل.

وقبل انتشار جائحة "كوفيد – 19 "، كان عدد العاطلين عن العمل في المنطقة العربية حوالي 14.3 مليون ومع الربع الثاني لسنة 2020 تشير التقديرات إلى خسارة 17 مليون وظيفة بدوام كامل ( 48 ساعة في الأسبوع). أي ارتفاع العدد إلى 31.3 مليون عامل عاطل عن العمل.

نستنتج مما تقدم أن مظاهر وأوضاع الكدح، والبؤس والشقاء والمعاناة والافقار والاستغلال والاذلال والعرق والدم، مازالت صفات تلتصق بعمالنا وفلاحينا الفقراء العرب ..المشتتين في المصانع والمحاجر والورش والمزارع والعزب والمحلات التجارية وشركات المقاولات ، الفاقدين للاستقرار الاقتصادي أو الاجتماعي في حدوده الدنيا ...والفاقدين لاحوال الثبات في العمل، هذه هي الصفات التي اتسمت بها أوضاع عمالنا في كل البلاد العربية، إذ طالما عانوا من الفقر والبطالة ومن تدني الأجور وغياب تكافؤ الفرص وتزايد الثروات في ايدي قلة من الطفيليين والكومبرادور الذين يمارسون ابشع مظاهر الاستغلال ضدهم ، ويكدسون الأموال ويساهمون في تأجيج الحروب والكراهية ؛ وكل انواع الصراعات ، الدينية، الطائفية، المذهبية، الى جانب تكريس البطالة والفقر، وخنق لامال الشباب من ابناء الفقراء، ورفع قاذورات الفكر والمعتقدات الخرافية البالية المتخلفة وغمر رؤوس العمال والفقراء بها ، ونفخ الحياة بكل ما هو متعفن ، ومهاجمة الديمقراطية والصراع الطبقي والفكر العلمي ، وتدمير ركائز العقلانية والترويج لمفاهيم رجعية ومتخلفه ، يبررون بها سلطتهم في ظل ضعف قوى اليسار والقوى الديمقراطية ، التي عجزت عن الاندماج في صفوفهم والتعبير عن قضاياهم وتوعيتهم وتنظيمهم من اجل ممارسة دورهم الطليعي في مسيرة النضال التحرري والديمقراطي، الأمر الذي أفسح المجال لكل أطياف وقوى اليمين ؛ ومازال العمال والفلاحين الفقراء وكل المضطهدين العرب يبحثون عن أحزاب وحركات يسارية ديمقراطية وثورية تجسد طموحاتهم صوب المستقبل.

ما يفرض علينا مجدداً طرح السؤال التقليدي: ما العمل؟... ما هي العملية النقيض لذلك كله؟ إن الإجابة السريعة عن هذا السؤال مرهونة بصحوة حقيقية نشطة، سياسياً وفكرياً وتنظيمياً، من قبل أحزاب وحركات وفصائل اليسار العربي، ومن ثم الالتزام بعملية النضال الحقيقي، السياسي الديمقراطي، من منظور طبقي ماركسي عبر قيادة العمال والجماهير الشعبية الفقيرة.

ففي ظل تفاقم التبعية والاستغلال والافقار والاستبداد لا يمكن حسم الصراع لصالح الجماهير الشعبية عموماً والطبقة العاملة و حلفائها التاريخيين خصوصاً إلا بتأسيس الحزب الثوري الذي سيقود الطبقة العاملة من أجل إنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية بافاقها الاشتراكية.

المفارقة او الاشكالية او المصيبة ان فصائل واحزاب اليسار العربي لديها ظرفا موضوعيا ناضجا عبر كل الفرص المتوفرة عبر معاناة واضطهاد واستغلال الفقراء عموما، والفقراء المدقعين المحرومين من العمال والفلاحين خصوصا الذين يتطلعون بشوق وحسرة الى من يقف بجانبهم مدافعا عن قضاياهم مناضلا من اجل خلاصهم وانعتاقهم وتحقيق اهدافهم في مجابهة والغاء مظاهر واسباب فقرهم وقهرهم واستلابهم واستغلالهم

أخيراً لابد من طرح السؤال التالي : ماهي اهم أسباب تراجع و انحسار اليسار العربي؟

لا يمكن الحديث عن أزمة اليسار العربي ، وأسباب حالة الانكفاء والتهميش التي وصل إليها اليوم دون مراجعة تاريخ هذه الحركة ، والوقوف أمام أخطائها ومنعطفاتها على مستوى التكتيك والاستراتيجيا .

إن نظرة تقويمية لحركة اليسار العربي ، تفتح باب الأسئلة حول تجارب الأحزاب اليسارية العربية . بجناحيها الشيوعي والماركسي القومي .

ان ما ينقص قوى اليسار اليوم -خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي- هو الدافعية الذاتية او الشغف والايمان العميق بمعنى الالتزام والانتماء بمبادئه عبر امتلاك الوعي الماركسي الثوري في صفوف قواعده وكوادره (الانتماء هو الانتساب والاعتزاز والاشتراك ، أما الالتزام فهو ضريبة أو ثمن يدفعه الإنسان ليحتفظ بانتمائه)، فبينما تتوفر الهمم في أوساط الجماهير الشعبية واستعدادها دوما للمشاركة في النضال بكل اشكاله ضد العدو الامبريالي والصهيوني ، وضد العدو الطبقي المتمثل في انظمة التبعية والتخلف والاستغلال والاستبداد والقمع، الا ان احزاب وفصائل اليسار لم تستثمر كل ذلك كما ينبغي ولا في حدوده الدنيا ، لأنها عجزت – بسبب ازماتها وتفككها ورخاوتها الفكرية والتنظيمية - عن إنجاز القضايا الأهم في نضالها الثوري، رغم التضحيات الغالية التي قدمتها طوال تاريخا.

اليسار بحاجة ماسة اليوم إلى مراجعة التنظيم وأسلوب العمل بمنهجيه ديمقراطية نقيضة للبيروقراطية تستلهم شكل وروح التطورات العلمية والتكنولوجية الحديثة وتتفاعل معها، بما يسمح له بإعادة ترتيب البيت الداخلي والفعل المباشر في المجتمع والالتحام بقضاياه المطلبية. الأمر الذي يفرض استنهاضنا وإصرارنا _ كماركسيين_ على التمسك بهويتنا اليسارية وأهدافنا الوطنية والقومية التقدمية والطبقية من اجل تفعيل النضال الوطني التقدمي والطبقي لاسقاط أنظمة التخلف والكومبرادور في بلادنا وتحقيق الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية ، واثقين من أن فجر الأيام الأفضل لجماهيرنا الشعبية ولعمالنا وكادحينا في مغرب ومشرق الوطن العربي قادم لا محالة .