تبعاتُ الهيمنةِ الاستعماريّة الجديدة على المنطقة العربيّة

حجم الخط

"إنّني على يقينٍ لو انتزعنا تجارةَ مَلَقا؛ لأصبحت كلٌّ من القاهرةِ ومكّةَ أثرًا بعدَ عينٍ، ولامتنعت عن البندقيّةِ تجارةُ التوابل ما لم يذهب تجّارُها إلى البرتغال لشرائِها من هناك".

(القائد البرتغالي البوكيرك)

لم تكن الهيمنةُ الاستعماريّةُ على المنطقةِ العربيّةِ وليدةَ العصر الحديث، بل هي تعودُ إلى قرونٍ عدّةٍ خلت، وحين يتحدّثُ القائدُ البرتغالي البوكيرك عن السيطرة على القاهرة ومكّةَ في القرن السادس عشر، فهو يدركُ أهميّةَ المنطقةِ العربيّة، وأهميّة السيطرة البحريّة التي اتّخذتها البرتغالُ استراتيجيّةً تعوّضها عن قلّةِ عددِ السكّان قياسًا للإمبراطوريّات والقوى الاستعماريّة الأُخرى، التي تتمتّع بثقلٍ سكانيٍّ أكبرَ بكثيرٍ من البرتغال. كانت مرتكزاتُ الإمبراطوريّة البرتغاليّة الجديدة تقومُ على السيطرة على الجزر في المنطقة، مثل: جزيرة هرمز في الخليج العربيّ وعدن على مداخل البحر الأحمر وملقا للسيطرة على مضيق ملقا. كانت جزيرةُ هرمز منفذًا للسيطرة على الخليج ولحصار البحر الأحمر معًا، وقد سار البوكيرك على هذا النهج وأجبر العرب هناك على التسليم بسيطرته وتبعيّتهم له، مستخدمًا في ذلك أساليب الترهيب والتخويف عبرَ إحراق بعض المناطق والتنكيل بأهلها شرَّ تنكيلٍ؛ لتصلَ أخبارها للمناطق التالية، التي تُسلّم بلا قتالٍ خوفًا من البطش وحفاظًا على أرواح أهلها وممتلكاتهم. سطوةُ البرتغاليّين لم تستقرَّ طويلًا في الخليج، فقد تفجّرت ثوراتٌ أهليّةٌ ضدَّ حكّامِ المستعمرات، أبرزُها ثورات هرمز وصحار و البحرين ومسقط وقلهات في السنوات 1522، 1526 و1529، وَفْقَ كتاب أمن الخليج لعبد الجليل زيد مرهون، الذي أشار أيضًا إلى أنّ الهولنديّين والبريطانيّين كانوا يقتربون من بحار الخليج، ممّا أسهم في زعزعة السيطرة البرتغاليّة على المنطقة.

زاد الاهتمامُ البريطانيُّ بالخليج نهايةَ القرن السادس عشر، وتوّج بـ "حملة "لانكستر"، فأشعل صراعًا أوروبيًّا على الخليج أتاح دخول الدولة الصفويّة والدولة العثمانيّة وقوى محليّة خليجيّة في حلبة المنافسة، لكنّ الأمرَ استتبّ لبريطانيا التي فرضت المعاهداتِ على زعماء القبائل في المنطقة، وأنشأت شركةَ الهند الشرقيّة البريطانيّة مطلعَ القرن السابع عشر، فتشكّلت حقبةٌ استعماريّةٌ جديدةٌ نقل فيها الزعماءُ المحليّين بنادقَ بريطانيا إلى أكتافهم.

بعدَ الحربِ العالميّةِ الثانية؛ بدأت الاستقلالاتُ القُطريّةُ، فانسحب الاستعمارُ بصيغتِهِ العسكريّةِ المباشرة، وتشكّلت حالةٌ جديدةٌ، خصوصًا في منطقة الخليج العربي بعد أفول نجم بريطانيا العظمى، وتتويج ضعفها بإعلان انسحابها من شرقي السويس نهايةَ ستينات القرن الماضي، وأعقب ذلك استقلالُ الإمارات الخليجيّة مطلعَ السبعينات؛ لتحلَّ مكانها الولايات المتّحدة الأمريكيّة التي زرعت المنطقة بقواعدها العسكريّة منذُ وقتٍ مبكرٍ من القرن العشرين، وفرضت الهيمنةُ على العالم الغربي معادلاتٍ جديدةً تماشت مع نتائج الحرب العالميّة الثانية، وعقود الحرب الباردة.

في المفاصل الحاسمة التي مرّت بها المنطقة، كان النظامُ العربيُّ الرسميُّ خاضعًا لمتطلّبات الدولة العظمى، أمريكا، التي أمّلت الكثيرَ من شروطِها وما تريدُهُ من خدماتٍ لاستراتيجيّاتها في المنطقة، وخدمة للكيان الصهيوني الذي تبنته بعد تراجع الدور البريطاني الذي كان الداعم الرئيسي للدولة العبريّة منذ أيام الانتداب على فلسطين، وتقاسم البلدان العربيّة المشرقيّة بين بريطانيا وفرنسا في معاهدة سايكس بيكو عام 1916، ثمّ إطلاق وعد بلفور المشؤوم بعدها بعام، وما تلا ذلك من موقفٍ بريطانيٍّ صريحٍ إلى جانب إقامة الدولة الصهيونيّة على أرض فلسطين، حيث توّج بقرار التقسيم الأمميّ في 1947، ثمّ النكبة في 1948.

في هذهِ العقود كانت الولاياتُ المتّحدةُ الأمريكيّةُ تتمدّدُ في بناء القواعد العسكريّة وتشييدها، وتوقّع اتّفاقيّات تمنحُها حقَّ المنشآتِ العسكريّة المحليّة في كلٍّ من البحرين التي تتمتّع بقاعدةٍ بحريّةٍ ومركزِ قيادةِ الأسطول الخامس، والسعوديّة التي تمنحُ تسهيلاتٍ قي قاعدة الأمير سلطان العسكريّة، والكويت التي تتمركزُ فيها قاعدتين: قاعدة معسكر الدوحة، وقاعدة عريجان، وعُمان، وفيها 5 قواعدَ عسكريّة، وقطر التي تحتضن أكبرَ قاعدةٍ عسكريّةٍ أمريكيّةٍ في الخليج هي قاعدةُ العديد، والإمارات، وبها قاعدةُ الظفرة المواجهة لإيران، وتسهيلات في ميناء جبل علي، وميناء زايد، وميناء راشد. يضافُ لهذهِ السلسلةِ من القواعد والتسهيلات، وجودٌ مكثّفٌ في كلٍّ من: العراق وفيها 9 قواعدَ عسكريّةٍ موزّعةٍ على الجغرافيا العراقيّة، وعلى الحدود مع سوريا التي توجد فيها 6 قواعدَ عسكريّةٍ أمريكيّة. وكلُّ هذهِ القواعدِ في البلدين بنيتا بعد 2003، في العراق، وبعد 2011، في سوريا. كما توجد قواعدُ عسكريّةٌ أمريكيّةٌ وتسهيلاتٌ في كلٍّ من: مصر والمغرب وجيبوتي.

هذه القواعدُ أُسّست طمأنةً للأنظمة العربيّة؛ بسبب الوجود الأمريكي المباشر، والدعم غير المحدود؛ الأمرُ الذي جعلها في حالةِ ارتخاءٍ دامت طويلًا مارست خلالَها القمعَ والتنكيلَ بشعوبِها، واستمرأت الفسادَ الماليّ والإداري، ممّا قاد إلى تراجعِ عمليّةِ التنميّةِ الإنسانيّةِ إلى الدرك الأسفل، فبانت عناوينُ الفشل في ارتفاع نسبة البطالة والفقر، وسوء توزيع الثروة، وتراجع التعليم والصحّة والخدمات العامة، وتفاقم الدين العام حتى بلغ مستوياتٍ غيرَ مسبوقةٍ، تمثّلت بعجز العديد من الدول عن تسديد خدمتها؛ فضلًا عن أصل الدين، وأُغرقت هذهِ المجتمعاتُ بأزماتٍ اقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ، إضافةً للأزمات السياسيّة التي لم تجد لها طريقًا للحلّ، فكان الاحتقانُ الذي ينتظرُ الشرارة.

لقد مارس الاستعمارُ المبدأَ المشهورَ "فرّق تسد"، باعتبارِهِ واحدًا من أخطر المبادئ التي اعتمدها في إطباق قبضته على الدول التي وطئت أقدامُ جنودِهِ فيها، كما هو الحالُ مع الاستعمار البريطاني في الهند، حيثُ تعمّقت التفرقةُ إلى يومنا هذا بين الهندوس، وبين المسلمين لدرجة التناحر، وكذلك الحال في العراق وبلدان الخليج العربي، حيث مارس فيها سياسةَ التفرقة بين الشيعة والسنة، ولعب على مكوّنات المجتمع.

ثمّةَ كلفةٌ كبيرةٌ للهيمنة الاستعماريّة على المنطقة، وانزلاق أنظمتها إلى جانبها. فقد تأجّلت الاستحقاقات الوطنيّة الكبرى، مثل: الشروع في التنمية المستدامة، والتوزيع العادل للثروة وتشييد الدولة المدنيّة الديمقراطيّة الحديثة، وتجسيد المبدأ الدستوري المعروف "الشعب مصدر السلطات جميعًا"، واعتماد الديمقراطيّة نهجًا لا عودة عنه، بتعزيز التعدديّة السياسيّة والتداول السلميّ للسلطة، وتطبيق الشرعة الدوليّة، وعلى رأسها الإعلانُ العالميّ لحقوق الإنسان. كلّ ذلك أو أغلبه لم تنجزه الدولةُ الوطنيّةُ بعد رحيل الاستعمار المباشر. وبدلًا من بناء الدولة، سيطرت المؤسّساتُ الأمنيّة والعسكريّة على أغلب البلدان العربيّة وحوّلتها إلى مزارعَ خاصّةٍ، وتفشّت الأمراضُ والأزماتُ الاجتماعيّة، وتعطّلت عمليّةُ التنميّة وزاد الفقر، وصارت الشوارعُ قنابلَ موقوتةً يمكن أن تنفجر في أيّ لحظة، بل إنّ بعض الأنظمة العربيّة مارست المبدأ الاستعماريّ (فرّق تسد)؛ لتضرب إسفينًا بين مكوّنات المجتمع، مستخدمةً التمييزَ الطائفيّ والمذهبي سياسةً لها.

وتشيرُ العديدُ من الإحصاءات ومراكز البحث إلى أنّ المنطقة العربيّة أنفقت نحو تريليون دولار خلالَ السنوات الخمسَ عشرةَ الماضية، على التسلّح، بينما أشارت لغةُ الأرقام إلى أنّ دول مجلس التعاون الخليجي أنفقت أكثر من 100 مليار عام 2017، وحدَه، وتعدُّ الولاياتُ المتّحدة الأمريكيّة أكبرَ مصدّرٍ للسلاح إلى المنطقة، وتمثّل 60 بالمئة من إجمالي ما تستوردُهُ منطقةُ الخليج، تليها بريطانيا بنسبة تصل إلى 23 بالمئة، و15 بالمئة ذهبت لحصص دولٍ غربيّةٍ أخرى. في المقابل حذّرت لجنةُ الأمم المتّحدة الاقتصاديّة والاجتماعيّة لغربي آسيا (الإسكوا) من ارتفاع الدين العام في المنطقة العربيّة إلى مستوياتٍ غيرِ مسبوقة، ما يجعلها غيرَ قادرةٍ على الشروع في عمليّة التعافي الاقتصاديّ بعد جائحة كورونا، حيث تفيد دراسةٌ للمنظّمة الأمميّة إلى ارتفاع الدين العام في المنطقة العربيّة إلى 1.4 تريليون دولار عام 2020، لافتةً إلى تمدّد معضلة الدين العام لتصلَ إلى دول مجلس التعاون الخليجي ذات الدخل المرتفع، حيث "تضاعف إجمالي الدين العام خمسَ مرّاتٍ تقريبًا، من نحو 117 مليار دولار عام 2008، إلى نحو 576 مليار دولار عام 2020"، وَفْقَ الإسكوا التي قالت أنّ "نصف الديون العامة في المنطقة العربيّة تقريبًا يقع على كاهل البلدان المتوسّطة الدخل، حيث ارتفع إجمالي الدين العام من 250 مليار دولار تقريبًا إلى 658 مليار دولار بين عامي 2008 و2020".

لقد تسبّبت الدولةُ الأمنيّة، التي تمثّل مرتكزاتِ الدولة العميقة وشرائحها في البلدان العربيّة، في إعاقة عمليّة التنميّة المستدامة، فوأدت التوجّه نحو عمليّات الإصلاح الاقتصاديّ والسياسي، وغابت المشاركة الشعبيّة عن القرار السياسيّ، وحلّ مكانَها الرأي الواحد الذي لا شريك له، ممّا زاد من نسب البطالة والفقر والمرض، في ظلّ الضغوطات التي تمارسها الدول الكبرى على دول المنطقة للاستمرار في عقد صفقات التسلّح وزيادة الإنفاق الأمنيّ والعسكريّ على حساب الديمقراطيّة والمشاركة الشعبيّة واستقلال القرار وتحقيق السيادة الوطنيّة التي ناضل من أجلها الرعيل الأوّل، وهو يواجُهُ الاستعمار بأشكالِهِ كافةً، ودفع في سبيل ذلك دمًا وتنكيلًا وسجنًا وتعذيبًا وأُبعد للمنافي.

لا يمكنُ إعفاءُ الدول الكبرى، التي تتشدّقُ بالديمقراطيّة، من مسؤوليّة ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة العربيّة، كما لا تعفى من المسؤوليّة ذاتها شركاتُ تصنيع السلاح التي تمارس الفساد إلى جانب الضغوطات على حكوماتها من أجل أن تضغطَ هذهِ بدورها على دول المنطقة لعقد المزيد من الصفقات الأسطوريّة بمبالغَ فلكيّةٍ تأتي دائمًا على حساب التنميّة والناس، رغم ما تزخرُ به المنطقةُ من ثرواتٍ هائلةٍ ومواقعَ جغرافيّةٍ وجيوسياسيّةٍ مهمّة، فطن لها القائدُ البرتغاليّ قبلَ ستة قرونٍ واستثمرها لصالح بلاده، في حين ما تزالُ أنظمةُ المنطقة تراوح مكانَها، وتعاني من حالة التيه، وتمارسُ رغباتِ الدول الكبرى على حساب شعوبها، بما في ذلك التطبيع مع الكيان الصهيوني، وعقد تحالفاتٍ مَعَهُ على حساب الأمّةِ بكلّ مكوّناتها.