لم تكن هناك مفاجآت في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة في مصر، فقد توزعت الأصوات بين المرشحين الخمسة الذين كانت تشير استطلاعات الرأي إلى تميزهم عن باقي المرشحين، وأكدت التوقعات بأن هناك جولة ثانية لابد منها ستكون بين مرشحين اثنين، ولكن توزع الأصوات بين المرشحين الخمسة بهذا الشكل في أول انتخابات حقيقية للرئاسة في مصر شارك فيها الجميع لأول مرة ربما عكس مزاج الشارع المصري على طبيعته.
للمرة الأولى في تاريخ مصر التي تقلبت على حكمها أنظمة كثيرة تجري انتخابات حرة، فمن الحكم القديم بقوة السيف والحكم الوراثي والملكية وانقلاب الضباط الأحرار والسيطرة العسكرية، ثم مرحلة السادات ومبارك والتي حرم خلالها الأخوان المسلمون من المشاركة السياسية، وبقيت الانتخابات التي كان يقال عنها الكثير شبه مقتصرة على اللون الواحد، فقد اصطف الشعب المصري طويلا في طابور انتظار اللحظة التي تحققت نهاية الأسبوع الماضي ليترجم روحه الحقيقية في تلك الانتخابات التي تستدعي نتائجها قراءة ما.
أولى القراءات التي تعكسها النتائج أن الكتلتين الأكبر اللتين ما زالتا في الشارع المصري هما كتلة الأخوان المسلمين والتي مثلها محمد مرسي وعبد المنعم أبو الفتوح، والكتلة المنافسة هي كتلة النظام السابق ممثلة بعمرو موسى الأمين السابق للجامعة العربية والفريق أحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد مبارك، فقد حصلت كتلة الأخوان المسلمين (مرسي وأبو الفتوح) على نسبة تجاوزت قليلا 40% فيما حصلت كتلة النظام على أكثر قليلا من 35% من المصريين، وهذا ما يجب أن يراه الرئيس المصري القادم بغض النظر عن خلفيته حتى لا تعود تجربة الإقصاء مرة أخرى وكل كتلة لا يستهان بها، والنتيجة الأولى أن الشعب المصري قال نعم لـ "الإخوان" ونعم للنظام السابق.
الملاحظة الثانية في إطار تحليل النتائج التي وزعت الأصوات على المرشحين الخمسة والتي لم تعط لأي منهم القدرة على حسم فوزه من الجولة الأولى أن المواطن المصري لم ير في أي من المرشحين الزعيم الذي كان يبحث عنه والقادر على إعادة الروح لمصر كما قال توفيق الحكيم، فلم يستطع أي منهم إقناع المصريين بزعامة انتظروها طويلاً تعيد لمصر هيبتها التي فقدتها خلال العقود الماضية، ربما بحثوا عن عبد الناصر الغائب الحاضر في أذهانهم فلم يجدوه، فالمرشحون كانوا يصلحون للرئاسة ولكن مصر لا تحتاج إلى موظف بدرجة رئيس بل إلى زعيم، وربما هذا ما فسر ظاهرة حمدين صباحي التي استطاعت المنافسة بشدة بغياب كتلة متبلورة وداعمة له كما كتلتي الأخوان والنظام.
الملاحظة الثالثة هي غياب 25 مليون مصري عن الانتخابات، فهذه أول انتخابات نزيهة تجري في مصر وقد انتظرها المصريون طويلا وكان من المتوقع أن تكون نسبة المشاركة كبيرة جدا، ولكن ربما يعكس ذلك عدم قناعة الشارع المصري بأن أيا من المرشحين مؤهل لحكم مصر.
الملاحظة الرابعة هي أن عدد من يحق لهم انتخابات حوالي 50 مليون ناخب مصري وأن أكثر من حصل على الأصوات هو الدكتور محمد مرسي مرشح حركة الإخوان المسلمين الذي حصل على ما يقارب خمسة ملايين ونصف صوت، وهذا يعني أن أقوى المرشحين لم يقنع 45 مليون مصري الذين لم يمنحوه ثقتهم سواء قاموا بالتصويت لمرشحين آخرين أو حتى بعدم الخروج من منازلهم، وبالتالي فإن أيا من المرشحين سيدخل الرئاسة بعد الجولة الأولى وأمامه هذه الحقيقة، سواء الدكتور مرسي أو الفريق شفيق أنه عندما عرض على الشعب المصري في الجولة الأولى كزعيم محتمل فإن نسبة 90% من أصحاب حق الاقتراع قالت "لا" سواء مباشرة أو غير مباشرة.
الملاحظة الخامسة هي أن جولة الإعادة في السادس عشر من الشهر القادم ستكون جولة قوية لكن بدون أقوياء، فالمرشحان مرسي وشفيق ليسا النموذج المطلوب بنظر المصري البسيط الذي يبحث وفقا للثقافة التي أصبحت جزءاً من الهوية الحضارية عن حورس أو المخلص القوي، فالدكتور مرسي بدأ ضعيفاً منذ أن أزيح رجل الإخوان القوي الذي ربما كان قادرا على إبراز زعامة ما وهو المهندس خيرت الشاطر، وبدا الدكتور مرسي اللاعب الاحتياط في الملعب وهذه هي الصورة التي علقت في ذهن المواطن المصري الباحث دوما عن الفرعون، أما الفريق شفيق الذي عمل إلى جانب الرئيس السابق مبارك، فقد عمل كموظف ناجح وبالمفهوم العربي الموظف الناجح هو الموظف المطيع وليس الزعيم، فالرجل أمضى عمره في سلاح الجو معلقا في السماء، وقد أطل على مصر آلاف المرات من أسوان إلى الإسكندرية قطعها بطائرات الميج أو سوخوي وظل ينظر لها من فوق بعيداً عن تفاصيل الأزقة والعشوائيات وحياتها الإنسانية ومجتمعها الحقيقي، قاد معاركه بعيدا عن الأرض وما تحمله من عواطف وهموم البسطاء وظل قريبا من الرئيس مبارك، ففي اللحظة التي تعرض فيها الأخير للازمة الأخطر لم يجد من بين ثمانين مليون مصري من ينقذه سوى الفريق شفيق الذي عاش معظم تجربته في فترتي السادات ومبارك، فمن حق المصريين الغاضبين على رئيسهم السابق أن يسجلوا احتجاجهم على شفيق وهكذا ستبدو الجولة القادمة بين رجل احتياط ورجل احتياط أيضاً.
فمصر دولة كبيرة وخطيرة ومحورية منذ أيام (تحتمس) وحين تتحرك يهتز على وقعها التاريخ والجغرافيا وهي قائدة العرب وهي تحتاج إلى زعيم وليس إلى رئيس، فالرئيس قادر على حكم مصر أما الزعيم من سينقل مصر إلى قيادة العرب، وهي تحتاج هذا القائد لأن الملفات التي تنتظر المرشح الفائز الشهر القادم أكبر من الرئيس، فهي تمر بأخطر مراحلها على الإطلاق وهي مثقلة بالديون بحاجة إلى دعم ومساندة العرب، وفقط الزعيم هو الذي يستطيع أن يؤمن ويدير هذا الملف الذي سيحدد قوة أو ضعف مصر، والملف الثاني هو ملف إعادة الهيبة ودور الريادة للدولة الأكبر والتي فقدتها في العقود الثلاثة الأخيرة، أي إعادة مصر لوزنها الحقيقي المفقود مؤقتاً، وهذا يحتاج أيضا إلى زعيم وليس الى رئيس، فمن الواضح أن المرحلة الماضية أحدثت خللا كبيرا في بنية الحالة السياسية المصرية والأحزاب وساهمت في تقزيم الجميع قوى وشخصيات، ومن الواضح أن هذه الانتخابات لن تستطيع نقل مصر دفعة واحدة لدورها لغياب القائد، ولا شك أن الجيش يقرأ ويراقب كل ما يحدث ويطبخ بعيدا عن الصندوق، فهل سيغطي العسكر فراغ الزعامة بالوقوف خلف الرئيس أو بشكل مباشر؟
Atallah.akram@hotmail.com