ذهل الكثير من المواطنين المصريين , فور الإعلان عن نتائج انتخابات الرئاسة المصرية , لذا اندفعت العديد من المظاهرات في الكثير من المحافظات تعبيراً عن حالة السخط , الإحباط ,الغضب وأحياناً التمرد على النتائج .
كان أنصار المرشح الناصري حمدين صباحي الأكثر ضجيجاً من بين أنصار مختلف المرشحين الآخرين ,وذلك لأن حجم الصدمة بالنسبة لهم كان الأكبر والمفجع , لأنهم كانوا شبه جازمين ,بأن الجولة الثانية ستكون بين أحد المرشحين مع مرشحهم حمدين صباحي وليس مع أي أحد آخر , أما أن تأتي النتائج , بأن الجولة الثانية ستكون بين محمد مرسي ( مرشح حزب العدالة والحرية ) وبين الفريق أحمد شفيق ( مرشح النظام القديم والفلول ) , فهو أمر فوق طاقة الاحتمال بالنسبة لهم , إنه بمثابة ثالثة الأثافي .
النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية , أدخلت الحالة السياسية المصرية برمتها بأزمة عميقة بغض النظر عن مساحة وشدة رد الفعل بين هذا الطرف السياسي , أوذاك ودفعتها دفعاً إلى مدخل نفق مظلم , الأمر الذي حرك أطراف هامة للتدخل والبحث عن مخارج , أوحلول عبر إلقائها حجارة في وسط الأمواج الهائجة للسياسة والحالة الشعبية المصرية باعتبارها تقدم مبادرات حل , كمبادرة محمد عبد العزيز , سكرتير حركة كفاية والتي اتجهت نحو توحيد قوى الثورة للحيلولة بين شفيق والنجاح في حكم مصر عبر التوجه للإخوان المسلمين ومطالبتهم بالتنازل عن الرئاسة والانسحاب لصالح المرشح الناصري حمدين صباحي , بما يغلق طريق النجاح أمام أحمد شفيق , ويوفر فرصاً لائتلافات الثورة بالتوحد والالتفاف خلف مرشح واحد فضلاً عن خلق حالة تنوع سياسية مصرية , بحكم سيطرة الأخوان على مجلسي الشعب والشورى مع ضمان بعدم حل مجلس الشعب في حال فوز حمدين بالرئاسة , فهل يقبل الأخوان المسلمين ,مبادرة القوى الثورية المصرية كمخرج باتجاه واحد لا مناص منه للحفاظ على الثورة ومواجهة العقبات والصعوبات التي فرضتها النتائج المعلنة على الحالة الشعبية المصرية , الحوارات الجارية وحالة الشد والجذب والتجاذبات بمختلف أنواعها ومسمياتها هي من ستعطي الرد خلال الأيام القليلة القادمة , هذا مع عدم ترجيحي لنجاح هذه المبادرة بحكم رغبة حزب العدالة والحرية بسحب الآخرين إلى مربعه وليس العكس عبر ما قدم من قبله بدعم حمدين وأبو الفتوح لإنجاح محمد مرسي مقابل تسلم كلٍ من حمدين وأبو الفتوح نواباً للرئيس .
رغم ما نوه له أعلاه , لكن لا شك أن العملية الانتخابية , اتسمت بالحيوية ( رغم ضعف المشاركة النسبي فيها والتي لم تتجاوز 43% من حجم من يحق لهم الانتخاب ) , عبر اندفاع قطاعات هامة من الشعب المصري للمشاركة , وانتهاء الجولة الأولى بدون مظاهر كبيرة من العنف الانتخابي , وإعلان مصادر دولية ( مركز كارتر للديمقراطية ) عن أن الانتخابات كانت مشجعة , إلا أن الأمور لم تقف عند حدود ما أُعلن , واتجهت الأوضاع فجأة وخلال 24 ساعة بعد الإعلان إلى مجرى آخر مختلف تماماً , عبر الإعلان عن خروقات ,تزوير , مال سياسي , تقديم طعون وحالة غليان تصل حد الانفجار في الحالة الجماهيرية وصولاً إلى ضفاف التناقض , وأحياناً الاشتباك اللفظي وغيره , وانطلاق الاتهامات من كل حدب وصوب هذا من جهة ومن جهة أخرى طغيان نشاط محموم لخبراء الفقه الدستوري , ونشطاء القانون الانتخابي , وإطلاق الاجتهادات , التفسيرات والآراء الفقهية لنصوص الانتخابات من جانب آخر مصحوبة بتحريك الدعاوي القضائية ضد المرشح أحمد شفيق , وإعادة الدفع بقانون العزل السياسي لرجالات النظام السابق ومنهم شفيق .
ربما أقرب توصيف للحالة المصرية الراهنة , إنها حالة أزمة ( اضطرابات , تناقضات , اجتهادات , عنف وضبابية في كل شيء ) وكما يحلو للبعض القول ( مصر لايصة الآن ) , هل من مخرج ؟
هل يغلّب المصريون منطق مصلحة مصر أولاً ومصر أخيراً بما يوفر حسن النوايا , ومنطق نكران الذات في سبيل المصلحة الوطنية العليا ؟ طبعت الثورة المصرية منذ انطلاقتها وحتى سقوط النظام البائد , بحالة نكران ذات رائعة مما أسقط مبارك لأن ملايين الشعب المصري خرجت من بيوتها , واعتصمت في الساحات والشوارع والميادين , وقدمت نفسها للعالم كثورة شعبية من أجل التغيير , الحرية , الكرامة , والديمقراطية , وهي ليست محسوبة على أحد أو لصالح أحد , أو جهة سياسية بعينها , فكانت ثورة كل الشعب المصري صاحب المصلحة في التغيير .
الشباب هم من لعبوا الدور الأساس والرئيس فيها إلا أنهم لم يحصدوا نتائجاً بحجم ما قدموا من تضحيات , مما أوصل البعض بالقول إن الثورة قد سرقت منهم , وربما هذا جزءاً من الأزمة الراهنة .
إن أزمة الثورة , وأزمة الحكم قد انفجرتا بقوة في مصر بعد الإعلان عن النتائج الرسمية للانتخابات , ولتجاوز الأسوار العالية التي حالت ما بين الثورة وتحقيق أهدافها , ولعبور المرحلة الصعبة الراهنة يتطلب الأمر التالي :
أولاً – وحدة كل الثوريين المصريين على المرشح الناصري حمدين صباحي باعتباره المرشح الأقوى , وصاحب الفرصة الوحيدة بالنجاح .
ثانياً – إعادة اللحمة بين النخبة السياسية المصرية القديمة والجديدة والتي عملت لصالح الثورة وبسط وشائج العلاقة بينها وبين الحركات الشبابية , وائتلافات الثورة العديدة , بما يعيد الثقة لها ويجذب الفئات والشرائح الاجتماعية التي انكفأت عن الثورة بعد انتخابات مجلس الشعب المصري .
ثالثاً – كشف ألاعيب أنصار النظام القديم وأحابيله الانتخابية , وخوض معركة قضائية وشعبية في مواجهتهم تدعمها شرعية الميدان عبر مليونيات جديدة تظهر زخم الجماهير الشعبية صاحبة المصلحة الفعلية بانتصار الثورة والتغيير والديمقراطية .
رابعاً – المزج المبدع ما بين البرامج الانتخابية لكل مرشحي الثورة , بما يوفر برنامجاً نهضوياً إنقاذياً واحداً , يعبر بمصر ويضعها بمصافي الحضارة والتقدم والديمقراطية ويوفر إقناعا لأوسع قطاعات الحالة الشعبية المصرية بما يدفعها لدعم هذا البرنامج , فإن تحققت تلك القضايا ستكون مصر أمام استرداد فعلي لثورتها المغدورة أو أمام استيلاد نسخة جديدة للثورة , تطوي تاريخ نظام الفلول البائد وتجعل من مصر منارة للحرية والديمقراطية والعدالة لغالبية الشعب المصري بمكوناته وفئاته الاجتماعية المتنوعة .