فجأة دون تمهيد تقليدي، قد اعتادت عليه الحالة الفلسطينية بكل مكوناتها، على غرار تلك الفرقعة الإعلامية، والمبارزة بالتصريحات والخرجات الإعلامية التي تسبق جلسات الحوار أو إبرام الاتفاقيات الداخلية المتعددة أو خلالها، لدرجة أن أصبح هناك نوع من العشق للـ"الكاميرا"، خاصة القنوات الفضائية، لدى بعض الناطقين، المستشارين أو أصحاب الألقاب الأخرى، الحكومية أو شبه ذلك، مرفوقة بأحاديث متكررة بمفرداتها ومصطلحاتها، غدت مملة، لأنها كانت تضع المشاهد والمستمع بين الشيء ونقيضه، التوصل لاتفاق ثم فشل الاتفاق، دون أن يجرؤ أحد من الفريقين على الكلام حول دوره هو في الإفشال، دائما الآخر هو المسؤول. موضوعيا أصبحت الجهود المبذولة على أكثر من صعيد من أجل إنهاء الانقسام وتداعياته أكثر من تلك الجهود المبذولة لمواجهة مخططات المشروع الصهيوني الاستعماري الدموي. فجأة ووسط هذا المناخ، أعلن كل من السيد عزام الأحمد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والسيد أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في مؤتمر صحفي عقد بالقاهرة، عن التوصل لاتفاق جديد بين الحركتين مساء يوم 20/05/2012 برعاية المخابرات المصرية، وهو معطى جرى استقباله بترحاب شديد من قبل كل وطنيي هذا الشعب، بل وأكثر من ذلك، قبل أيام قليلة كان الرئيس أبو مازن قد أعلن تعديلا وزاريا في حكومة تصريف الأعمال برام الله، مبقيا السيد سلام فياض على رأس التشكيلة الجديدة، أعقب ذلك مباشرة تصريح صادر عن حركة حماس يعتبر هذه الخطوة عرقلة لجهود المصالحة.
ما الجديد الذي أنتج هذا الاتفاق، ولماذا الترحيب المحاط بالحذر والتخوف من قبل الشارع الفلسطيني، ولسان حال الجميع يقول بأن أهم شيء في هذا الاتفاق هو تطبيقه. في هذا الإطار نسجل النقاط التالية:
أولا، إن هذا الاتفاق، في بنوده المحددة والمكثفة، أقرب إلى آلية عمل، لذا يمكن أن يحالفه النجاح إذا لم تنتصب أمامه العقبات التي أفشلت ما سبقه من اتفاقيات.. لكنه ومن جانب آخر يترك بعض التساؤلات اتجاه بعض البنود، هذا ويمكن تلخيص عنوانه على النحو التالي: 1- تبدأ لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية عملها بدء من يوم 27/05 الجاري. 2- تبدأ المشاورات لتشكيل حكومة جديدة برئاسة الرئيس محمود عباس يوم 27 أيار الجاري. 3- تنتهي المشاورات لتشكيل الحكومة في غضون عشرة أيام بدء من تاريخ 27 أيار. 4- تبدأ جميع اللجان أعمالها. 5- مدة الحكومة الجديدة هي ستة أشهر، ومهمتها التحضير للانتخابات والبدء بإعادة إعمار غزة. 6- تجرى الانتخابات في غضون فترة لا تزيد عن ستة أشهر من تاريخ تشكيل الحكومة الجديدة.
قد تبدو هذه النقاط عبارة عن آلية بسيطة وسلسة لتحقيق الاتفاقيات السابقة، وبمعزل عن خلفيات المواقف المختلفة، فإن تلك النقاط أو التفاصيل الواضحة هي التي نسفت ما تم التوصل له على مدار السنوات السابقة، والتي اختتمت في اتفاقية الدوحة ثم اتفاق القاهرة في ديسمبر من العام الماضي... الخ. من الواضح أن الموضوع المحوري الآن يتمثل في الحكومة، لا يوجد اختلاف برنامجي، جرت العادة في مسلسل الاتفاقيات بأن يتمركز الاختلاف ثم الافتراق حول توزيع أو تقاسم الحقائب الوزارية وبالذات "السيادية"، نعم في ظل الاحتلال الجاثم على صدور شعبنا والذي يحاصر القطاع والضفة من كل الاتجاهات، بل وقد قطّع أوصال الضفة عبر الجدار الفاصل الذي صادر من خلاله ما نسبته 49 بالمائة من أراضيها.. يتم الاختلاف في ظل هذه الظروف حول هذه "الحقائب السيادية". لقد أكد الرئيس الفلسطيني غير مرة أن السلطة الفلسطينية قد جرّدت من الصلاحيات بقرار من الاحتلال، بل ذهب البعض إلى المطالبة بحلها كتوطئة لانتفاضة شعبية شاملة بوجه المحتلين.. الخ ومع ذلك بقي البعض مشدودا إلى تقسيم "الحقائب"، هنا نقطة التفجير المبرمج على خلفية تغليب المصلحة الفئوية على حساب المصلحة الوطنية، ضمن هذه المساحة يجري التداول بالأطر الفلسطينية عن أصحاب المصالح الاقتصادية التي نشأت ونمت بالاستناد إلى استثمار المناخات التي رافقت الانقسام، بالتالي تحولت إلى عامل معرقل سواء بالضفة أو غزة حيث ظهر العشرات والبعض يقول المئات من المليونيرات الجدد، ممن يطلق عليهم تجار الأنفاق وغيرها من مجالات الثراء على حساب حياة عامة الناس، وذات الفئة متواجدة بالضفة لكنها تعمل داخل مجالات بعضها يتنافى مع المصلحة الوطنية... إلى ذلك يكون هذا الاتفاق الجديد أقرب إلى اتفاق الدوحة عن باقي الاتفاقيات التي تم توقيعها من قبل الفريقين أو من قبل المجموع الوطني، ولم تطبق، إنه يحدد وظيفة الحكومة ويحصرها في الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، ثم إعادة إعمار قطاع غزة، إنها عناوين مهمة وليست بسيطة، لكن هناك عنوان ثالث تم تجاوزه وكان واردا في جميع الاتفاقيات التي وقعت بالقاهرة بعد الحرب العدوانية على قطاع غزة عام 2008/2009 وينص على توحيد المؤسسات، وإذ كنا نعتبر أن أية خطوة يصار إلى تحقيقها على طريق إنهاء الانقسام وتداعياته هو عمل إيجابي، لكن ماذا يعني وجود مؤسسات أمنية متعددة وغيرها من مكونات هيكل إداري كامل خاص بسلطة مستقلة، خاضعة لقيادات متعددة، هناك أجهزة وأطر تابعة لحكومة غزة ترسخت مع سنوات الانقسام، ثم هنا بطبيعة الحال المؤسسات الوطنية التي نشأت مع السلطة الفلسطينية وتابعة الآن لحكومة تصريف الأعمال، وهي التي يراهن عليها بأن تكون لبنة مشروع الدولة.. الشيء الوحيد الذي يجمع بين هذه المؤسسات هو الكراهية والعداء المتبادل، الناتج عن تراكم التعبئة الخاطئة وما ولدته من احتقان يبرز بشكل أكثر حدة في القطاع. تلخيصا نقول هل يسري قرار وزير الداخلية في الحكومة المرتقبة وينفّذ داخل أجهزة ومؤسسات غزة إذا كان هذا الوزير محسوبا من بعيد أو من قريب على قيادة حركة فتح، وذات الشيء إذا كان محسوبا على حركة حماس، هل تنفذ قراراته في الضفة. إذن لماذا الإبقاء على مثل هذه الألغام مزروعة في باحة الحكومة المتفق ثنائيا حولها. ثانيا، من محفزات الاتفاق: لن تكون هذه الخطوة معزولة عن عواملها لدى الفريقين. إن إفشال تطبيق الاتفاقيات السابقة والمتعددة قد أجهض موضوعيا تلك الأساليب النمطية في قراءة المتغيرات أو الأحداث، ومع ذلك نقول أن الوضع الفلسطيني ليس ساكنا بل كله حيوية ويعج بالتفاعلات، لقد أفرز بعض الظواهر المرتبطة من حيث أسبابها بقسوة الصراع والمسار التحرري الوطني والديمقراطي، إضافة إلى اضطراب العلاقات الداخلية الناتجة عن الانقسام، أي أن الجسم الوطني قد أنتج أساليب جديدة لمقاومة العدوان، والانقسام الداخلي، واتصالا بذلك برزت دعوات إلى تجاوز الانقسام من خلال تكثيف المقاومة ضد المحتلين.. الخ، بالتالي فإن هذا العامل لا بد وأن يترك أثره على هؤلاء القادة، فلا يمكن الاستمرار في سياسة الاستخفاف بمشاعر المواطن، كإنسان وقبل ذلك كقضية وشعب وثوابت. من زاوية أخرى، هناك استجابة من كليهما للخلفية السياسية ورؤيتهما للتطورات الجارية في المنطقة العربية، والتقييم لنتائجها المتطورة، فالمراهنة على فوز مرشح الأخوان المسلمين بالانتخابات الرئاسية في مصر ثم على ما حققه الأخوان من إنجازات تاريخية، كل هذا يفرض على على حركة حماس تقديم عوامل تهدئة لصالح المراهنة الأكبر على ما هو قادم عبر البوابة الجنوبية لقطاع غزة، أما حركة فتح، نراها مستمرة في مشروعها السياسي، وقد نجحت في استدراج حماس إلى هذا المربع طواعية وتبعا لحسبة أيضا، المهم أن السلطة وحركة فتح يريدان تفكيك بعض العقد من أمام تحركهم السياسي سواء الإقليمي أو الدولي.
ثالثا، في الضمانات: على ضوء التجربة الفلسطينية اتجاه إبرام اتفاقيات داخلية متعددة وبعضها تمت برعاية من أعلى المستويات العربية دون حدوث أي تقدم جوهري اتجاه إنجاز المصالحة، بالتالي يكون الحديث عن مدى مصداقية اتفاق القاهرة الأخير من قبل الشارع الفلسطيني أمر عادي وغير مستغرب، صحيح أن الراعي المصري قد وضع بثقله المباشر من أجل تنفيذه وشرع في خطوات عملية.. لكن الضمانة الطبيعية والأساسية مرتبطة بمدى قناعة شعبنا وقواه بمستوى جدية الاتفاق، ويسجل للقوى الفلسطينية ذلك الموقف الوطني الحريص على إنجاح اتفاق المصالحة، عبر ما صدر عن اجتماعها بمدينة غزة في ثاني يوم لتوقيعه "21/05/2012" حيث قررت البدء في دراسة السبل لحماية الاتفاق وضمان تنفيذه بشراكة وطنية كاملة. في سياق متصل فإن زيارة أعضاء اللجنة المركزية للانتخابات لقطاع غزة والموافقة على فتح مكاتبها من أجل تحديث السجل الانتخابي خطوة بالاتجاه الصحيح.