مخطئٌ ظننت ان بالامكان الكتابة عن القائد والمعلم محمود الغرباوي, حتى انني اخذت افتش في بروفايلات عدد من الرفاق الذين توقعت ان يكتبوا عنه بحكم انهم اشتركوا معه في النضال داخل الاسر وبعده, لكنني بت على قناعة بان الحديث عنه لا يمكن الا اذا اجتمعت كتابات المئات بل الالاف ممن عرفوه, اذ ان كل منهم يتقاطع معه في فترة معينة او مواقف معينة , اذ لا يمكن لاحد ان يعطيه حقه في الكتابة الا اذا كان بنفس قامته, وبنفس مشواره النضالي ليكون مطلا على كل ما شكله القائد محمود في حياته , فايا كان من سيكتب فانه سيكتب عن فترة عاشها معه لكنه لن يكتب عن كل الفترات , فمسيرة المعلم محمود اكبر من ان يكون قد عاشها ايا منا , واعقد من ان يحللها ايا منا , و اعمق من ان يسبر غورها شخص محدد.
مسيرة القائد محمود تحتاج لكتابات فتحي وجبر وسعدي واحمد ويونس وسمير القنطار وبسام و بلال و العجرمي ومؤيد وكل من عايشه , حتى منصور ثابت والسيقلي و رائد نزال ورجا نعيرات في قبورهم...
الحديث عن محمود يتطلب شهادة موسى خميس وشادي وفهد وكل رفاق الدوريات ليصفوا لأي درجة كان يغمرهم بحنانه...
الحديث عن محمود يتطلب الدخول في مشاعر كل من هتفت حنجرته يوما بنشيد " صاعدٌ ..صاعدُ" النشيد الخالد الذي كتبه محمود والذي غدا نشيد منظة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" منظمة الخالد جيفارا غزة " في معتقل الساحل .
الحديث عن محمود يتطلب كتابات اخوتنا في السجون الذين عايشوا محمود واكتشفوا الى حد كان همه الوطني اكبر من الحزبي ...
الحديث عن المعلم محمود يتطلب الدخول لوعي وتكوين كل منا لنرى اي اللمسات في تكويننا يعود الفضل فيها للمعلم محمود...
الحديث عن القائد محمود يتطلب شهادة ضباط الشين بيت لنرى اي مأزق كان يشكله لهم التحقيق معه واستجوابه في اقبية التحقيق...
الحديث عن القائد محمود يتطلب شهادة ادارة معتقل غزة حيث تم ترحيله اليه خلال اضراب نفحة في حزيران 1991 ورغم ان ضوابط وقوانين الاضراب عن الطعام انذاك تنص على انه اذا تم ترحيل اقل من خمسة معتقلين الى سجن غير مضرب فان بامكانهم فك اضرابهم... الا انك ورغم ترحيلك مع الاخوة الى غزة الا انك رفضت فك اضرابك مما شكل بالنسبة للادارة قنبلة موقوتة قد تؤدي لدخول سجن غزة للاضراب , مم اجبر الادارة على اعادته الى نفحة مرة اخرى لتكون بذلك الحالة الاولى خلال اضرابات السجون التي يعاد فيها المعزول للسجن قبل انتهاء الاضراب...
الحديث عن معلمنا محمود يتطلب ان تنطق جدران السجن بشهادتها انه كان اخر من ينام بعد انتهائه من الكتابة , واول ما يستيقظ ليوقظ باقي الرفاق...
الحديث عن القائد محمود يتطلب ان تفتش في كراسات الاسر لتكتشف ان كل ما كتبه مخطوط بخط يده وبعناية فائقة تخلو من الكشط او الشطب...
الحديث عن المعلم محمود يمكن ان تراه في اعين رفاقه الذين جمعهم نبأ رحيله من كل حدب وصوب وكان احدهم نفخ في الصور....
الحديث عن القائد محمود يتطلب الغوص في كل كلمة نطقها وفي كل توجيه قدمه لمن حوله ...
الحديث عن المعلم محمود يطلب مقارنة جميع اقواله بافعاله لتكتشف انه طابق بين افعاله واقواله بامتياز
الحديث عنه يتطلب ان تكون شاعرا مرهف الحس مثله , لتكون قادرا على الكتابة والوصف واستخدام التعابير المناسبة لوصفه
الحديث عنه يتطلب ان ينطق مخيم البريج ويفصح عن مخزون الحب الذي حمله له محمود في جنباته
الحديث عن محمود يتطلب ان ينطق مرضه معلنا انه لم يقوى على مصادرة ابتسامته ولا هدوئه ولا حتى نشاطه وحيويته
الحديث عنه يتطلب ان تحس بمشاعره حين يرد اسم اخيه ورفيقه الشهيد فتحي الذي استشهد في عملية بطولية كان بامكان محمود بحكم موقعه الاول في قيادة التنظيم ان يختار سواه لها
الحديث عن القائد محمود يتطلب أن ينهض جيفارا من قبره ويصف لنا شعوره حينما قام بزيارة مخيم البريج واجتمع مع احدى المجموعات العاملة في المخيم ليطمئن على أحوالهم ويسألهم عن احتياجاتهم، فأجابه البعض أنهم يحتاجون كلاشينكوفات بدلاً من " الكارلو" وأجابه محمود أنه يحتاج لمجموعة من الكتب، وكأنه منذ ذلك الوقت قد حدد موقفه بأن الفكر والثقافة لا ينسلخ عن السلاح.
فصورة القائد والمعلم محمود لا يمكن نقلها بمجرد حديث عنه , لانها في اذهاننا وعقولنا وقلوبنا لم تنتقل لنا عبر الكتب او الاحاديث , وانما نقلت الينا بجميع حواسنا
لقد علمنا محمود ان " الاشجار لا تنمو على الكتب" وفعلا كان شجرةً كبيرة نمت بيننا وترعرعت بما حمله من سجايا وصفات وسلوك
قلا اجد كلمة اودعك بها سوى تكرار كلمتك الذي قلتها يوما لأحد الرفاق " شُلًّت ذاكرتي إن نسيتك يا رفيق"