كان مفاجئاً التحرك الثوري في العالم العربي والذي انتقلت عدواه بسرعة من بلد إلى آخر، وكان مفاجئاً في هذا التحرك أنّه بلا رأس ولا قيادة واضحة، وهو ما فتح باب النقاش ـــ وإن لم يكن في العمق كما يجب ـــ حول دور النخب السياسية في الحالة الثورية، وعدم قدرة كثير منها على تقديم نفسها كقيادة للحراك، وهو ما يطرح التساؤل حول مستقبل التحوّل إلى نظام جديد وكيفية القيام به في أكثر من بلد عربي.
قُدِّمت ظاهرة غياب القيادة والزعامة في الحراك الثوري كميزة تحسب للثورات والانتفاضات العربية في معظم التحليلات السياسية المتعلقة بهذه الثورات، وتم تعليل الأمر بكون كثير من النخب السياسية المُعارضة للأنظمة القديمة تنتمي إلى المنظومة الفكرية نفسها التي تحكم تلك الأنظمة. والأهم أنّ غياب القيادة يعطي أملاً في غياب سطوة أيديولوجيا أو فصيل تنظيمي محدد على الثورة، وتالياً على النظام الجديد المراد بناؤه، كما حصل في روسيا وإيران حين سيطرت الأيديولوجيا على الحراك الثوري، فأقامت النظام الجديد بصبغة أيديولوجية محددة قدمت شكلاً جديداً من العداء للديموقراطية والحريات.
كان الأمل ولا يزال بأنّ الحراك الخارج عن سطوة التنظيمات والذي لا يمكن توجيه شبابه والتحكم بحركتهم يمكنه أن ينتج توازناً في مصلحة التحول الديموقراطي، يمنع سطوة الأحزاب الأيديولوجية ويقدم نموذجاً جديداً لثورات تنجح في إقامة الدولة المستوعبة لكل الأيديولوجيات والقادرة على تنظيم التنافس بينها عبر الآليات الديموقراطية. لكن المشكلة التي ظهرت جليّاً على السطح في الدول التي تمكّن أبناؤها من إسقاط رؤوس أنظمتهم، هي حالة الفراغ الفاصلة بين الشارع الثائر والسلطة السياسية، إذ إنّ الشباب الذي قام بالثورة وأشعلها، لم يتمكن من إنتاج نخبة سياسية قادرة على قيادة البلاد في المرحلة الانتقالية باتجاه بناء نظام جديد، وبالتالي لم يعد من الممكن غير التعويل على القوى السياسية التقليدية في الغالب، لتترجم الفعل الثوري إلى عمل سياسي منجز يحقق أهداف الثورة مع استمرار القوى الشبابية كقوى ضغط سياسي وشعبي تراقب عمل القوى التقليدية وتمنع تفردها بالسلطة وبتحديد هوية النظام الجديد. هذا الأمر قاد النقاش إلى عنوان هام: نضج الطبقة السياسية، إذ صار من الضروري تقويم الحالة الثورية بما تحققه من تقدم سياسي على طريق بناء النظام الجديد، وخصوصاً أنّ حالة الفراغ القيادي في الحراك الثوري جعلت بقايا الأنظمة السابقة تقود المرحلة الانتقالية. لذلك كان التعاطي مع المرحلة الانتقالية في محطاتها المفصلية مؤشراً على نضج الطبقة السياسية من عدمه في بلدان الربيع العربي. في تونس، يظهر النموذج الأبرز عربياً لنضج الطبقة السياسية. إذ إنّ القوى السياسية وضعت أقدامها على السكة الصحيحة بالذهاب نحو إجراء انتخابات المجلس التأسيسي الذي يقوم بإنهاء النظام القديم تماماً ويتسلم السلطة منه ليقود مرحلة التحول الديموقراطي. فالمجلس المنتخب يعيد إنتاج السلطة في البلاد عبر انبثاق الحكومة ورئاسة الجمهورية ولجنة تشكيل الدستور منه، وهو ما يجعل القوى السياسية المعارضة للنظام القديم تقوم بتحويل الفعل الثوري إلى فعل سياسي مع تطبيق قانون عزل سياسي، تم حل حزب التجمع الدستوري الحاكم في عهد بن علي بموجبه. أكثر من ذلك، تمكنت حركة النهضة التي حصدت أكثر المقاعد في المجلس التأسيسي من تشكيل ائتلاف واسع مع قوى علمانية على أساس أن يقود البلاد في هذه المرحلة الحرجة. وفعلت الحركة ما بوسعها للحفاظ على التوافق ورفضت التفرد بالسلطة وفرض آراء في الدستور تحدث انقساماً في المجتمع التونسي كالمطالبة بجعل الشريعة مصدر تشريع. في مصر، يبدو الوضع مختلفاً، فالقوى السياسية التي لم تتمكن أصلاً من التوافق على آليات عمل تحكم سلوكها في المرحلة الانتقالية، والتي سلمت بقيادة المجلس العسكري لهذه المرحلة، قبلت بأغلبيتها الدخول في لعبة سياسية يقودها بقايا النظام القديم المسيطر على الدولة وأجهزتها. وذهب الإخوان ـــ القوة الأكثر تنظيماً بين القوى السياسية المنحازة للثورة ـــ باتجاه القبول بالتعديلات الدستورية التي حكمت المرحلة الانتقالية، قبل أن يتجرعوا مرارتها حين تم استبعاد مرشحهم خيرت الشاطر بقوانين النظام القديم، وأُدْخِل أحمد شفيق إلى السباق الرئاسي ليصبح أحد أهم أركان النظام القديم منافساً رئيسياً في السباق. عقلية الاستحواذ والغرور الذي سيطر على الإخوان بعد انتخابات مجلس الشعب التي ظنوها المفتاح لإزاحة النظام القديم والحلول محله في قيادة البلاد، زرعا الشقاق وتسببا بانعدام الثقة بينهم وبين العديد من القوى الثورية والسياسية. كما أنّ خطابهم السياسي لم يكن تطمينياً، وغلبت عليه النزعة الدينية التي أفزعت قطاعات واسعة من الشعب المصري. واكتشف الإخوان عدم قدرتهم على عمل شيء كبير من خلال مجلس الشعب، فعادوا عن وعودٍ قطعوها بترشيح خيرت الشاطر، ثم محمد مرسي لسباق الرئاسة، ما تسبب بتصدع أكبر في الصف الثوري، وساهم مساهمة مباشرة في تراجع شعبية الإخوان الذي أظهرته الانتخابات في جولتها الأولى. وظلت المشكلة الأصلية متمثلة بقدرة بقايا النظام السابق على مواصلة الإمساك بالسلطة وفرض قواعد اللعبة مستفيدة من عدم نضج الطبقة السياسية المصرية، ومُوَظِّفةً أجهزة الدولة في التحشيد لأحمد شفيق عبر تشغيل ماكينة الحزب الوطني المنحل رسمياً والباقي عملياً في بناء تحالفات قبلية وطائفية وفي توظيف المال السياسي لشراء الأصوات. كل ذلك دون إغفال حقيقة قناعة شريحة لا بأس بها من المصوّتين لشفيق بأنّه قادر على إعادة الأمن والاستقرار وحماية الدولة من سطوة الإخوان الدينية. التغيير المنتج لنظام جديد يحتاج إلى عمل سياسي ثوري يعمل على تغيير جذري للنظام القائم، ثم تنظيم الحياة السياسية بشكل وقواعد وأدوات جديدة ومختلفة تماماً. وهنا نجحت القوى السياسية التونسية وأخفقت القوى السياسية المصرية. ومع ذلك، لا يزال تدارك أزمة النخبة في مصر ممكناً، وخاصة بعد تثبيت نتائج الانتخابات لحقيقتين جديدتين: رفض شعبي لتفرد الإسلاميين بالسلطة والحكم، وتنوّع واضح في المزاج الشعبي فيه انحسار لسطوة الإخوان شعبياً بما يوجب تغييراً في سلوك الإخوان وخطابهم لمواكبة الوقائع المستجدة، وبوادر عثور الناس على قيادات سياسية معبرة عن التيار المدني الثوري، ممثلة في حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح. قيادات يمكنها أن تتحوّل إلى حالات سياسية جديدة تعبر عن مرحلة ما بعد الثورة وتحدث توازناً سياسياً مع الإخوان والسلفيين، وتقدم نماذج جديدة في تصوّرها ورؤيتها لما يجب أن يكون عليه مستقبل مصر.
دور النخبة لا يزال موجوداً وحاضراً في الربيع العربي، وهو دور الجسر السياسي بين الثورة وأهدافها، والمطلوب أن تكون النخب السياسية بمستوى طموحات الحراك الثوري، وإلا فإنّ على هذا الحراك إنتاج نخب جديدة يثق بأنّها قادرة على أداء الدور المطلوب حتى لا تضيع التضحيات هدراً.
* كاتب سعودي