لم يكن الخبر مجرد إعلان وفاة، بل كان انطواء الصفحة الأخيرة من زمن الساموراي الأحمر ؛ ذلك الزمن الذي كان فيه الفدائي أكبر من اسمه، وكانت الرفاقية عهدًا لا يُنقض، وكانت فلسطين قادرة على أن تجمع بين ابن اليابان وابن فلسطين تحت رايةٍ واحدة، في معركةٍ يتجاوز فيها الإيمان بالقضية حدود الجغرافيا والهوية.
وما إن بلغت النبأ من فؤاد، الذي حمل الأمانة بعد سميح ومضى على وصيته، فلم تحضر صورة كوزو وحده في مشهده الأخير على سرير المستشفى، يلوّح بيده مودعًا رفاقه، بل سبقتها صورة سميح؛ رفيق الدرب الذي لم يرَ في رعاية كوزو واجبًا تنظيميًا أو مسؤولية عابرة، بل رسالةً ووفاءً وشرفًا شخصيًا. كان يدرك أنه لا يعتني برجلٍ أنهكته السنون، بل يحرس ذاكرة أحد آخر الشهود على زمنٍ نادر من البطولة الأممية، زمن "الخال".
في سنواته الأخيرة، كان سميح قبل وفاته ظلَّ كوزو ورفيق أيامه. كان يفرح لتحسن صحته كما يفرح المرء لسلامة أخيه، ويقوم عنه بما عجز عنه الجسد؛ يطعمه، ويغسل وجهه، وينظف أسنانه، ويحلق ذقنه، ويساعده على الاستحمام. يجلب له الموسيقى التي يحبها والاطعمة اليابانية التي يشتاقها، لم تكن تلك تفاصيل رعايةٍ يومية، بل كانت لغةً أخرى للوفاء، لغةً لا تُكتب بالخطب، بل تُترجم بالأفعال الصغيرة التي تتكرر كل يوم، حتى تصبح بطولةً من نوعٍ آخر.
لقد حفظ سميح الوصية، وأدّى الأمانة بصبرٍ ومحبة، لا استجابةً لقرارٍ حزبي، ولا طلبًا لثناء، بل وفاءً نادرًا لا تصنعه اللوائح، وإنما يصنعه الشغف الثوري. وبعد رحيله، لم يغادر كوزو ذاكرته؛ ظل يسأل عنه كل يوم، ويطمئن حين نجيبه بأنه في سفر، كأن قلبه كان يأبى الاعتراف بالفقد النهائي. وحين جاء دور كوزو ليرحل، لم يكن سميح غائبًا عنه؛ كان حاضرًا في ذاكرته حتى اللحظة الأخيرة. كانا توأمين في المقاومة، جمعتهما القضية في الحياة، ولم يفرّقهما الموت، بل جمعهما الخلود في ذاكرة الوفاء
واليوم، بعدما لحق كوزو برفيقه سميح، يبدو المشهد وكأنه اكتمل؛ كأن بينهما موعدًا مؤجلًا منذ سنوات، أو عهدًا قديمًا بألّا يطول الفراق. رحل الجسدان، لكن بقيت الحكاية؛ حكاية رجلٍ جاء من أقصى الشرق، تاركًا وطنه ولغته، ليقاتل من أجل فلسطين، ورجلٍ آخر جعل من رعايته فعلًا من أفعال المقاومة، لا يقل نبلاً عن حمل البندقية.
سلامًا يا كوزو… وسلِّم على سميح. سلامٌ على البطل الذي وُلد في اليابان، واختار فلسطين قضيةً، واحتضنه لبنان حتى أسلم الروح في ضاحيته الأبية، بعدما رفض أن يسلّم نفسه يومًا للعدو، وبقي وفيًا للعهد حتى النهاية.
وسلامٌ على كل من أحبك و أثبت أن البطولة لا تُقاس بما يفعله الإنسان في لحظة المواجهة فقط، بل أيضًا بما يقدمه في سنوات التعب والوهن؛ حين يصبح البقاء إلى جانب الرفيق مقاومةً، ورعايةُ الجسد المنهك شكلًا من أشكال النضال، وحفظُ الوصية وصونُ الأمانة فعلًا يوازي البطولة نفسها.
الأبطال يرحلون، لكن الوفاء لا يرحل. يبقى شاهدًا على زمنٍ كانت فيه الرفاقية ميثاقًا لا يُنكث، وكانت المحبة وجهًا آخر للكفاح، وكانت فلسطين قادرةً على أن تجعل من الغرباء إخوة، ومن الإخوة عائلةً واحدة، ومن تلك العائلة أسطورةً لا يطويها الزمن.

