مصر, هزيمة شفيق تعني مصارحة , مصالحة , وشراكة

حجم الخط
لم تكد تعلن نتائج السباق الرئاسي حتى استنفرت العديد من المحافظات المصرية , وانطلقت فيها العديد من المظاهرات الصاخبة والتي تختلط فيها المشاعر بالحقائق . رغم عدم اكتمال سياق تطور الأمور , والأحداث بالنسبة للانتخابات ومآلاتها , وغياب الكثير من المعلومات , والمعطيات , إلا أن بعض من خرج من قوى الثورة وائتلافاتها المختلفة , رأى فيما حدث فرصة سانحة لاستكمال تحقيق أهداف الثورة والتي اجهضت , ولم تتحقق بفعل سلسلة عوامل ذاتية خاصة بالثورة وقواها العديدة , أو بفعل عوامل موضوعية ( تدخل المجلس العسكري ) , بهذا الشكل أو ذاك , وبهذا القدر أو ذاك , ودفعه ببعض الأمور والوقائع مما فرض حالة الانزياح على الثورة , وعرقل وصولها لإنجاز أهدافها المعلنة والمحقة . مصر , مازالت تعايش جيشانات عاطفية , وأخرى ثورية وهي لم تتوقف منذ 25 يناير وحتى هذه اللحظة , إلا أن بقاء غالبية القوى على مواقفها , رغم تطورات الحالة الراهنة , لن يحقق شيئاً ذو معنى , وسيبقى ما يجري حواراً للطرشان ليس إلا , لأن الأساس المطلوب هو التغيير في الخط المنهاجي للقوى المتدخلة والفاعلة في الثورة , الخلل المنهاجي في التحالفات , يعرقل التقدم نحو أهداف الثورة , وهنا لا بد لنا من الإفصاح عن الحقيقة بكل الشفافية التي تطلبها حراجة اللحظة , إن ائتلافات الثورة وقواها المختلفة تتحمل المسؤولية الرئيسة في الجانب الذاتي لأنها فشلت فشلاً ذريعاً في تطوير خطابها وقدرتها على التفاوض فيما بينها والعمل المشترك مع بعضها البعض , واستمرار الحال على القائم , لن يقدم لمصر إنجازاً ثورياً عملياً لجهة إحداث التحولات المطلوبة على كل الأصعدة , بما يغير جوهر النظام المصري السابق . إن الفشل بالتواصل ما بين الثوار والقوى الاجتماعية المدنية الأخرى , انعكس سلباً على واقع الحال المصري , فلم يكن صحيحاً تغليب منطق المبادئ , بشكل تعسفي , على منطق المصالح , مما أظهر قوى الثورة وكأنها تخاصم السياسة ومناوراتها وتكتيكاتها اللازمة , كان حرياً بها , أن تدرك بعمق , إن الثورة ليس هدفاً بحد ذاته , وإن كانت التظاهرات تأكيداً على شرعية الثورة , وشرعية الشارع , وشرعية الميدان واصرار على نجاح الثورة ولكنها , التظاهرات , ليست هدفاً مجرداً أيضاً , بل أن الهدف الذي كان مطلوباً , ومازال كذلك هو التغيير , التغيير أولاً وأخيراً , والذي يعني إسقاط النظام البائد بكل مقوماته , إسقاطاً كاملاً , رأساً وكياناً وهيكلاً , الأمر الذي لم يحدث بعد , إن الشعب المصري بحاجة للحصول على مكاسب محسوسة , وليس لَوك الشعارات لأنها لا تجلب عيشاً , منطق ( الحركة كل شيء والهدف لا شيء ) , لا يمكن أن يكون منهجاً للثورة المصرية , وإلا أضحت ثورة عبثية . رغم أن الحديث عما سبق انتخابات الرئاسة هام ومفيد , لكن الأكثر أهمية وفائدة مناقشة الراهن للوصول إلى مخارج من الحالة الصعبة التي تفرض نفسها فرضاً على الشعب المصري , وهذا يعني استخلاص العبر والدروس مما حدث والتي يمكن تلخيصها بالآتي : أولاً – أن يحقق الثوار حالة التشارك الثوري فيما بينهم , برنامجاً , وأهدافاً , ووسائلاً , بما يحسن إدارة العلاقات والتحالفات مع القوى الأخرى , خاصةً فعاليات المجتمع المدني وقواها ومؤسساتها المختلفة بما يوفر شبكات أمان اجتماعية وطبقية لأصحاب المصلحة الفعلية والحقيقية بالدولة المدنية , والتداول السلمي الديمقراطي للسلطة والتي تحترم نتائج صندوق الاقتراع بقدر احترامها نتائج الشرعية الثورية , للميادين والساحات والشوارع . ثانياً – تجاوز أخطاء المنهج بعدم التمييز بين البراغماتية كمنهج للممارسة السياسية , والتي هي الأقدر على تكريس الجوهر الديمقراطي , وصناعة التوافق السياسي , بما يوسع هوامش المشتركات الوطنية , وبين البراغماتية العقدية والتي تدفع نحو السكون والجمود . ثالثاً - إن المنهج البراغماتي ومقتضيات الممارسة السياسية فيه تتطلب من الثوار المصريين , إدارة منهج مركب , يتضمن رؤيا في فهم الوقائع والأحداث والتطورات بشكل خلاق , وفهم العالم وإدراك وقائعه وشتى جوانبه واحتمالاته بمنطق التكيف المرن , علم السياسة يعلم , ويرسم حقيقة لا ريب فيها , بأن ليس الأكثر طهرانية في السياسة دائماً الأكثر رشداً والأجدر حكماً , السياسة عالم متقلب كأمواج البحر , تذهب معها أحياناً وتغالبها بالسباحة أحياناً أخرى . رابعاً – السعي من قبل حزب العدالة والحرية لإقناع قوى الثورة , بأنهم مع المشاركة وليس المغالبة , والمصارحة قبل المصالحة , وأن يقدم خطوات عملية تعبر عن ذلك , عبر ضمانات تطمئن الأحزاب والقوى والفعاليات الثورية المصرية , بما يوفر فرصاً للتحالف وخوض سباق الرئاسة القادم بشكل موحد , يهزم مرشح الفلول والنظام البائد . خامساً – محاكمة مبارك وبعض فلوله , أظهرت قوة الثورة المضادة , على أنها قوة منظمة ومؤثرة , وأن هزيمتها تحتاج لكل طاقات وفعاليات ووحدة قوى الشعب المصري صاحب الثورة ومفجرها , وأن التنازلات المتبادلة وبشكل رئيس من حزب العدالة والحرية , هي التي توفر المداميك الأولى للتقدم على هذا الصعيد . سادساً – إن الدفع بالروح الكامنة للشعب المصري وتوظيفها , لا شك فرصة , أمام قوى الثورة لهزيمة شفيق ومن يقف من خلفه من قوى داخلية , إقليمية , ودولية , تعمل ضد ثورة مصر ومستقبلها . إن اصطخاب الحالة الشعبية اليوم في مصر , وارتباك السياسة فيها , لا يعني عدم السعي الجاد لأجل البديل , برسم خريطة طريق تعبر بمصر وثورتها لحالة الجلاء , البهاء , والقدرة , لكن المطلوب إعادة ركوب قطار ثورة 25 يناير دون تردد , تأخير , أو تلكؤ على قاعدة إن العمل هو الدليل الصادق للنوايا عند الثوار , لكي يحصدوا ثمار تضحياتهم من أجل ديمقراطية , حرية , وتقدم وكرامة مصر . ثوار مصر , لا تتخلفوا عن قطار الثورة , وإلا أصبح شفيق مرشح النظام القديم والفلول رئيساً لكم , إن فوق رؤوسكم كشافات تحذير هائلة , ومصر وتاريخها ومستقبلها أمانة في أعناقكم .