بعد أيام قليلة , ستشهد مصر لحظة استحقاق تاريخية فارقة , لحظة انعطاف بكل ما تحمله الكلمة من معنى , إنها جولة الإعادة في سباق انتخابات الرئاسة بين د . محمد مرسي ( مرشح حزب الحرية والعدالة ) , والفريق أحمد شفيق ( مرشح النظام البائد والفلول , والمجلس العسكري ) .
هل تمضي عملية الانتخاب كما خطط لها المجلس العسكري الحاكم ؟ هل يُسدل الستار على فصل هام من تاريخ ثورة مصر , وثوار ميدان التحرير , وميادين وساحات مصر الأخرى ؟ أم سنكون أمام فصلاً جديداً من أطوار الثورة بالعنفوان الثوري المنفلت من عقاله , والمتحرر من القيود , والتخوم المرسومة والتي تعارفنا عليها في دفتر يوميات الثورة عبر السبعة عشر شهراً الأخيرة , وبدا نقف أمام مظهرية , ومشهدية جديدة للثورة المصرية , لا تقف عند حدود بعينها .
لماذا هذا الحديث ؟ لأن مشهدية الثورات , قد لاتكرر نفسها بذات الصور النمطية , زخم الحدث , يسهم بدفوع تطور الظروف والوقائع خاصةً في مصر , الأمر في الأول والآخر , سيتكئ على ما ستسفر عنه نتائج جولة انتخابات الإعادة .
إن اللحظات التاريخية الفاصلة في حياة الأمم والشعوب وثوراتها , قد لا تكرر نفسها دائماً , لماذا ؟ لأن تلك اللحظات عبارة عن استيلاد , تركيب ظروف , نسق وقائع , وتطورات محمولة على أسس مفاعيل قوى ثورية , تطلق استرسالات عاطفية , وسياسية متحررة من قيودها لتبلغ نشوة رفض الواقع , مروراً بالتمرد عليه , وصولاً إلى الإنتماء ضده , لذلك , من الصعب تخيل شواهدها في ميادين , وشوارع , وساحات أرض الكنانة , سلفاً .
تمكن ثوار مصر من خلع الرئيس السابق خلال ثمانية عشر يوماً , رغم هيمنته على السلطة , ما يزيد عن ثلاثين عاماً , ورغم مضي سبعة عشر شهراً من عمر الثورة , إلا أن حالة المخاض الثورية , لم تصل لتحقيق ولادة طبيعية , طبعاً , ليست ولادة كل الثورات هي ولادة طبيعية , لكن ليست بضرورة , ولادة قيصرية , كما أن الثورة , لم تتم بالضربة القاضية , ومن الخفة بمكان تصور ذلك , فالثورات ليست سلسلة مترابطة من الانتصارات , بل هناك تراجعات , انكسارات , وأحياناً ارتدادات .
إن ثورة مصر تعايش سلسلة من التناقضات فرضتها قواعد اللعبة السياسية المصرية , المؤسف إن تلك القواعد قبلتها كل القوى السياسية الثورية وغير الثورية , ويمكن تكثيفها بالتالي :
التناقض بين شرعية المجلس العسكري , - والذي حظي باجتماع الكل عليه – والشرعية الثورية التي استولدتها الميادين والساحات .
التناقض بين شرعية صناديق الانتخابات لمجلس الشعب والشورى , والشرعية الثورية .
التناقض بين مؤسسات المجتمع المدني , والقوى المدنية من جهة والقوى الإسلامية والسلفية من جهة أخرى .
التناقض ما بين المحاكم الثورية , والمحاكمات الثورية , وشرعية المحاكمات العادية , محاكمة مبارك والعدلي وغيرهم , دليل على ذلك .
التناقض بغياب الصلة والعلاقة بين شباب الثورة وممثليها والنخب السياسية الجديدة منها والقديمة .
إن المخاض العسير للثورة , وتعقيدات مسارها , لم يكن أحداً من حسيم كل تلك التناقضات لصالحه , وبقيت تفعل فعلها في معركة الحكم , السلطة , والثورة .
عبرت مصر محطات هامة خلال العام والنصف الماضية , إلا أنها تقف الآن أمام لحظة تمفصل رئيسة في تاريخها ومستقبلها , مما يتطلب من كل القوى الحية للشعب المصري , استشراف الغد المصري , عبر العمل بالتالي :
أولاً- ديالكتيك اللحظة , ومصلحة مصر , وثورتها , وثوارها تحدد بلا تردد , خيار دعم مرسي لهزيمة شفيق مرشح الفلول والنظام السابق , رغم كل التحفظات على السلوك السياسي لحزب الحرية والعدالة طوال الخمسة أشهر الأخيرة من سيطرته على مجلسي الشعب والشورى .
ثانياً – إيجاد صيغة تحالف , تجمع , ائتلاف بين قوى الثورة , بما يرفع حالة التأهب النضالي والاستعداد ترقباً , وانتظاراً لنتائج انتخابات جولة الإعادة , في ظل احتمال نجاح شفيق , وإن كان هذا احتمالاً ضعيفاً .
ثالثاً – إشهار التمسك بالدولة المدنية بقوة , مع حق التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع , وحرية الاعتقاد .
رابعاً – عدم التهاون , أو التساهل مع الفساد سابقاً , ولاحقاً , والإصرار على محاكمة رموز النظام السابق والفلول مع تصفية المرحلة السابقة بقضها وقضيضها , منطق ما فات مات , أو عفا الله عما سلف , ينطوي على إجهاض الثورة ومفاعيلها .
خامساً – أن لا يسقط من الحسبان , احتمال , انقلاب عسكري في مصر , في ظل ظرف ما , لحظة ما , ضغط وتدخل خارجي لفرض قراءة معينة على الشعب المصري خدمةً لأهداف محلية , إقليمية , ودولية , بما يجهض نتائج الثورة المصرية .
ثوار مصر , القلاع لا تقتحم إلا من داخلها , فهل يحصن ؟ يحمي ثوار مصر قلعة الثورة , الجواب برسم التطورات خلال الأيام القادمة .