من المتوقع إعلان نتائج سباق انتخابات الرئاسة بين مرشح حزب الحرية والعدالة , د. محمد مرسي , والمرشح أحمد شفيق , مرشح الدولة العميقة ( النظام البائد , الفلول , والمجلس العسكري )، اليوم , بعد الانتهاء من فحص الطعون المقدمة على الانتخابات من الطرفين والتي وصلت إلى أربعمائة طعناً .
ورغم عدم إعلان النتائج الرسمية بعد , مازال يواصل الطرفين عقد المؤتمرات الصحفية والتي تؤكد بشكل قاطع فوز كل منهما بسباق الرئاسة علاوةً على تقاذف كرات النار والاتهامات و الاتهامات المضادة , مع استخدام حرب الشائعات الرمادية منها والسوداء .
ومصر المحروسة ارتباطاً , بما يحدث تصطخب سياسياً , اجتماعياً , وفكرياً وتعايش عصفاً فقهياً , ودستورياً لجهة ما يجوز , وما لا يجوز في أفعال وأعمال المجلس العسكري خاصةً الأخيرة منها .
ماذا فعل المجلس العسكري ؟!
قام بقصف إشتراعي , دستوري استباقي سيطر فيه على حلبة المسرح السياسي المصري على طريقة ( محمد علي كلاي ) , بالضربة القاضية , واضعاً مصر برمتها في حالة توهان من جهة , وإرباك من جهة أخرى وبشكل قصدي , وفر له خلط الأوراق , وإضاعة بوصلة فقه الاستحقاقات , والأولويات , معيداً بذلك الحالة السياسية المصرية إلى المربع الأول ( حين سقوط مبارك ) , أو إلى موقع استرح , استعد , مكانك راوح .
إن المجلس العسكري بإقدامه على فعل ما فعل , قد فرض الوقائع التالية :
أولاً – حل كل مجلس الشعب متكئاً على قرار المحكمة الدستورية العليا لجهة بطلان , وعوار انتخابات ثلث أعضائه المستقلين بالشكل الذي تم فيه .
ثانياً – أعلن عن البيان الدستوري المكمل , ( أو المكبل , كما يقول ثوار ميدان التحرير ) , والذي يحد من صلاحيات ومسؤوليات الرئيس القادم .
ثالثاً- منح نفسه حق إعادة تشكيل الجمعية التأسيسية من جديد لصياغة الدستور العتيد .
رابعاً – شكل المجلس الأعلى للدفاع الوطني بأحكام , اشتراطات , وضوابط وبأغلبية من العسكر تضمن سيطرته عليه والحد من صلاحيات الرئيس القادم .
خامساً – سعى لفرض سكرتير للرئاسة من قبله بما يعني وجود بصاص دائم في أفعال , وأوراق , وكواليس الرئاسة يعمل لصالحه .
إن أي تمحيص محايد , وتأمل موضوعي فيما حدث يوصل إلى الحكم إن ما قام به المجلس العسكري , تم مع سبق الإصرار والترصد , وأنه قد نفذ بذلك انقلاباً دستورياً وضع مصر في كف عفريت , أو في عين العاصفة , لأن حال مصر اليوم كمعادلة , ووقائع التالي :
إرباك سياسي , 2. اضطراب فقهي ودستوري , 3. غليان اجتماعي , بما يعني أن الحالة العامة مرهقة على كل الأصعدة والمستويات , وأنها تقف على عتبات مصيرية في تاريخ الثورة المصرية , وتاريخ الدولة والكيان السياسي المصري .
رغم الشطط السابق للمجلس في عدد من خطواته التنفيذية , وعبثية قراءاته , والكثير من الإرباك في قراراته لجهة عدم ملاءمتها لمستوى اللحظة التاريخية , إلا أنه بخطواته الأخيرة , وفر لنفسه كل الفرص لاستمرار تمسكه وسيطرته على مقاليد السلطة , وربما لآجال غير محددة , مطلقاً في نفس الوقت قنابل من المخاتلة الإعلامية بالاستعداد لتسليمها للرئيس القادم , لكن عن أية سلطة يتحدث المجلس لتسليمها للرئيس القادم , بعد كل ما فعله للحد وتقييد صلاحياته .
إن العسكر والذين تدخلوا في لحظة حاسمة من عمر الثورة تحت يافطة حمايتها , ثبت بالدليل الملموس بعد سبعة عشر شهراً من عمرها , إن تدخلوهم لم يحقق ذلك , بل أسهم في إجهاضها وعدم نجاحها في استكمال أهدافها , لتصبح نصف ثورة ونصف انقلاب , والذي أكملوه ( العسكر ) بخطواتهم الأخيرة , إنهم بتدخلهم وضعوا هرم الدولة مقلوباً على رأسه , وجعلوا الدولة بدون رأس , وبدون مجلس شعب , وبدون دستور , ودولة بلا دستور , دولة بلا قدمين , لولا كل تلك الخطوات لم نكن نقف الآن أمام زوبعة الخلافات الفقهية والدستورية وتفاصيلهما الشيطانية .
بعيداً عن لغة الاتهام , وفلسفة المؤامرة , فأن المجلس العسكري ولحساباته أدار عملية سياسية , نجح بإقناع كل القوى بقبولها , وبذلك تمكن من فرضها كخريطة طريق للمرحلة الانتقالية وهي من تسببت بكل ما حدث في مصر , الأمر الذي يجعلنا نتسأل بصدق كيف حمى المجلس العسكري الثورة ؟ وسندع الجواب على هذا التساؤل برسم من توافق مع المجلس العسكري في الإعلان الدستوري السابق , وأمن له الحصول على نجاح كاسح في الاستفتاء عليه أولاً , وثانياً , برسم كل الائتلافات الثورية والتي وإن تحفظت عليه لكنها لم تقاومه بما فيه الكفاية لإسقاطه , وثالثاً , برسم الأحزاب والقوى السياسية , والنخب الفكرية والسياسية القديم منها والجديد والتي قبلت بالأمر الواقع وخريطة الطريق التي وضعها المجلس العسكري للمرحلة الانتقالية .
إن حالة التخبط السياسية الراهنة في مصر , مسؤولية العسكر أولاً , وثانياً , وأخيراً , لأنهم من يمسك بزمام السلطة بمصر , ويشاركهم بالمسؤولية كل الائتلافات الثورية , والأحزاب والقوى السياسية , لكن إخراج مصر من عنق الزجاجة , يتحمل المسؤولية الثورية والتاريخية فيها ثوار الميادين , والشوارع , والساحات والذين عليهم إعلاء رايات الشرعية الثورية لاستعادة الثورة وصولاً لبدء عملية جدية , وحقيقية لصياغة مستقبل مصر والتي تحتاج لمعجزة حتى تعلو فوق كل جراحها , وأوجاعها الراهنة في زمن لا معجزات فيه , وخاصةً في ظل إدراك عميق , بأن الإعلان عن الرئيس القادم , لن يحسم مستقبل مصر , وطبيعة النظام السياسي فيه , والذي ربما سيضع مصير مصر في المجهول , كما أن الأرض لا يفلحها إلا عجولها , فالثورة لا يحققها إلا أصحاب المصلحة الحقيقية فيها .
أخيراً , لا يسعنا إلا القول , عسكر مصر عفارم , تمام يافندم , قد عرفتم ما تفعلون .