بالنسبة للعلاقة بين اليسار العربي وحركات الإسلام السياسي، فان أكثر ما يشغل أذهان القوى الديمقراطية واليسارية العربية تجاه حركات "الإسلام السياسي" ، هي مرجعياتها السلفية المتزمتة ، ودعوتها الى تقييد وقمع حرية الرأي والتعبير والمعتقد، وموقفها من قضية تحرر المرأة ومساواتها بالرجل ، إلى جانب تبنيها والتزامها الطبقي بالاقتصاد الراسمالي ومن ثم تكريس الاستغلال الطبقي في اطار من تجديد علاقات التبعية في ظل سياسات اقتصاد السوق والانفتاح وشروط البنك والصندوق الدوليين ، علاوة على الموقف الرجعي تجاه مفاهيم التنوير والحداثةوالعقلانية ، وهي عوامل تؤشر إلى أننا سنواجه –مع حركات الإسلام السياسي- ظروفا وأوضاعاً معقدة, ما يفرض على قوى اليسار العربي أن تتمسك برؤيتها الموضوعية إلى أبعد الحدود في العلاقة الديموقراطية وقضايا الصراع الطبقي والسياسي، ومفاهيم الاستنارة والعقلانية مع هذه الحركات بمختلف مذاهبها، بحيث نحرص على ان لا تصل الاختلافات معها ، إلى مستوى التناقض التناحري الذي يحكم علاقتنا بالعدو الإمبريالي الصهيوني، انطلاقاً من رؤيتنا تجاه هذه الحركات ، التي تؤكد على "أن قوى الإسلام السياسي هي مكون طبيعي من مكونات النسيج السياسي، والاجتماعي والثقافي العربي، وعلى هذا الصعيد يهمنا أن نؤكد بأننا نرى في تلك القوى إحدى دوائر الفعل والتفاعل والحوار وفق قواعد الديمقراطية والتعددية والحريات العامة والخاصة التي أوصلتهم إلى السلطة ، والتي يتوجب الاحتكام إليها وعدم التنكر لها ، وبهذه الرؤية تستطيع القوى اليسارية عبر وجودها الفعال في أوساط الجماهير ، الحد من تأثير الإسلام السياسي السلبي على الحريات العامة وحقوق الإنسان وقضايا المرأة والتحرروالعدالة الاجتماعية والتقدم .وفي كل الأحوال ، يجب ان تظل علاقة اليسار العربي مع قوى الإسلام السياسي ، علاقة متحركة وجدلية تبعاً لتناقضات الواقع والصراعات الطبقية الاجتماعية والسياسات الداخلية، وطبقاً للموقف من العدوالامبريالي الصهيوني ، دون ان نتجاوز مخاطر تطبيق الرؤية الأيديولوجية الدينية على الصعيد الاجتماعي، حيث يتجلى التعارض والتناقض بصور أكثر حضوراً، سواء على صعيد فهم الديمقراطية كقيم وآليات وممارسة لبناء المجتمع ومؤسساته أو تجاه القضايا الاجتماعية الرئيسية للعمال والفلاحين ، والشباب، والمرأة، وحرية الاعتقاد والرأي والتعبير والاجتهاد والإبداع الثقافي وقضايا العدالة الاجتماعية والاقتصادية بمختلف تجلياتها .إن وضوح هذه الرؤية، ومن ثم البناء عليها بالنسبة لعلاقة القوى اليسارية مع القوى الإسلامية يتطلب من هذه الأخيرة أن تتخذ موقفاً واضحاً من التوجهات التالية:
أولا: تكريس أسس الدولة المدنية الديمقراطية ، والالتزام بمفاهيم وآليات الديمقراطية السياسية والاجتماعية وترسيخها كنهج حياة مجتمعي يضمن الحرية بكافة أنواعها وفي مقدمتها حرية المعتقد.
ثانيا: رفض التبعية للقوى الامبريالية بأشكالها المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية .
ثالثا: رفض الاعتراف او التطبيع مع دولة العدو الصهيوني .
رابعا: تغليب التناقضات الرئيسية على الثانوية.
هذه هي ابرز ملامح وسمات المرحلة السياسية الجديدة كما نقرأها في اللحظات السياسية الراهنة . وفي هذا السياق، أؤكد على أن احترامنا للأديان عموماً والتراث الديني الإسلامي خصوصاً، يتطلب منا –عبر الحوار الديمقراطي- رفض استخدام الدين كأداة لقمع حرية الفكر والإبداع والبحث العلمي وحرية الرأي والرأي الآخر، وكذلك رفض اختزال الإيمان الديني إلى تعصب حاقد ضد الآراء والأفكار والعقائد الأخرى.
* مسئول الدائرة الثقافية المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين