حكاية ألف ألم ومل

حجم الخط
مجدي حمايل في ذات مساء لئيم...تهب عليه رياح القمع و رائحة العفن المتكدس في خاصرة الوطن... يتقدم الجند مدججين بأسلحة القمع القديمة..... وهي بحاجه لتجديد... دون جدوى.... يرفض أن يجددها لهم أسيادهم ويتهمهم زوراً بعدم استخدامها .... الجند يتقدم ليثبت لسيده أنهم جاهزين لأي لحظة....هم لا يريدون قمع الناس ولا اسكات صوتهم...هدفهم أسمى من ذلك.... كان هدفهم هو إثبات القدرة على الأداء والجاهزية القصوى.... لم يكونوا عنيفين لدرجة الموت السريع.... وإنما هي مجرد إصابات طفيفة وقد تصل الى متوسطة أو خطيرة...لكن ليس أبداً بقصد القتل.... وهل يقتل الأخ أخاه.... والثائر رفيقه ... هي مجرد تدريبات واثبات للرجولة ليس إلا... فلا تغضب أيها الشعب الصبور... ألهذه الدرجة أنت ضعيف لا تتحمل....؟ لِم كل هذا الضجيج والتوتر والصياح....؟ لقد قال لي أحد الجنود ... انا ابن فلسطين وابن هذا الشعب العظيم... لم أضرب أحدهم بقصد القمع أو الترهيب... كنا فقط في مهمة عمل لحماية الشعب من نفسه... عندما يخطئ الشعب فعلينا أن نعلمه درساً وعلينا أن نحميه من نفسه.... وقال لي أحد الثائرين أننا جئنا رفضاً لزيارة موفاز ولنهج المفاوضات...جئنا نبلغهم رسالتنا .... فأغرقوها بالدماء... لم يقصدوا كسر كاميرات الصحافة...كيف يكسروا ذاك السلاح الذي يلاحق الاحتلال في كل أحزان الشعب ويعريه ويفضحه...لقد قام الجند بضرب أياديهم وليس بقصد كسر العظام... فأسقط الصحافيون كاميراتهم وكسروها... ترى مصطلح كسر الأيادي ...أيذكركم بشيء ...بصراحة أنا لا يذكرني بشئ... لا يذكرني حتى بسياسة رابين (تكسير العظام) في بداية انتفاضة الحجر لقمع الانتفاضة وكسر إرادة المنتفضون... لكنه لم ينجح... ترى هم سينجحون؟ ألم يتعلموا بعد أن هذه الشعب لا يكسره القمع ولا تهزه السيوط ... بالأمس القريب... كانت دولة المؤسسات حاضره...هذه الدولة التي ملئوا رؤوسنا بها و بشروا بها ..دولة الديمقراطية ودولة القانون والحريات...لقد عشناها فعلاً .... ورسموها ضرباً على أجسادنا...دولة المؤسسات هذه الدولة التي تعتقل الفنان وتضرب الصحافي... وتخرس صوت الحق وصوت الضمير ... وتفرق المحتجين سلماً بأسلحة القمع السريع.... ومن الذين تم قمعهم وضربهم وتفريقهم ونقلهم إلى المستشفيات ...أنهم أبناء فلسطين الذين تحملت أجسادهم سجون الاحتلال وتعذيبه ...وتحمّلوا قرف الانقسام وقياداته... هم الذين يحلمون بوطن حر ... ويحلمون بدولة تحميهم وتخرجهم من ظلم الاحتلال إلى نور الحرية والعدالة.. أخيراً اكتشفنا أن العدالة والحرية والقانون...هي أسوأ نكتة قيلت بهذا الزمن... وأنت أيها الجندي ابن الشعب وابن فلسطين... كيف رفعت يدك لتضرب فيها أخاك الذي عشتم معاً في سجون الاحتلال وذقتم معاً مرارة الظلم وقهر السنين... كيف أقنعوك أن تغرس خنجرك المسموم بخاصرة الوطن ... وأنت تبتسم.... لقد أصبحنا لا نطيق العيش بهذا الوطن الحزين... ولا نستطيع الرحيل عنه... يا رب أعنا على العيش وسط قهر الاحتلال وقهر أبنائك والزمن... يا رب... اعطنا عقلاً بحجم ما يحصل كي نفهمه أو نبرره أو نلعنه... كيف سأقص قصة الوطن على ابني الصغير قبل النوم ..وكيف أبدأ ... وكيف أنهي... كيف سأحكي له قصة الأخ يقتل أخاه... ويمزق لحمه إرضاءً لابن عمه... اضربونا وكسروا رؤوسنا ألف مرة ...فنحن طائر الفينيق وأسطورة العشق لفلسطين... ننهض من تحت الركام ونحمل علم فلسطين...نقبله نمضي إلى الحرية رافعين الرؤوس.