أبعاد وتداعيات بث تقرير اغتيال الرئيس عرفات

حجم الخط
لاشك أن أبو عمار مثّل حالة رمزية وقيادية فلسطينية مميزة وفريدة , نظراً لما قام به وحمله من مهام قيادية , إن يكن في حركة فتح, أو في م. ت. ف , أو بالشأن الوطني الفلسطيني العام لحد القول , يختلف معه , ولا يختلف عليه . فليس غريباً إذن , أن يثار عليه في حياته , وبعد مماته حكايا , قصص , وروايات يقع البعض منها تحت عنوان صدق أو لا تصدق . ربما ذكرنا لهذه الطرفة والتي رواها أحدهم من الذين حضروا تشييعه في مطار الماظة العسكري قرب القاهرة بعد نقله من باريس , تلقي بعضاً من الضوء والمعاني , تدافع الحضور الحاشد في الماظة لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثمانه , فدبت فوضى , وتدافع , فتحرك الفنان عادل إمام من مكانه سائلاً الجمهور " في إيه , هو أبو عمار صحي " الأمر الذي أثار الضحك , نعم عرفات القائد الغائب الدائم الحضور , الميت الحي بالنسبة للعديد من الفلسطينيين , لأنه كان فلسطينياً حتى نخاع العظم , عمل لفلسطين كل ما اعتقده يحقق كياناً مستقلاً أو دولة , إلا أنه لم ينجح في مسعاه , وغادر الحياة بأحلامٍ مغدورة , لم تتحقق , مورّثاً الشعب الفلسطيني تركة أوسلو الثقيلة , والتي لا تعدو كونها سلطة تحت بسطار الاحتلال كما يقول الرئيس أبو مازن . انطلاقاً من ملف فضائية الجزيرة , نسأل , عرفات مات مقتولاً , من قتل عرفات ؟! سؤالٌ برسم الإجابة , وسيبقى هكذا معلقاً في الهواء , يملأ الدنيا ويقض مضاجع البعض مترددٍ صداه في دوائر صنع القرارات فلسطينيةً كانت أم إقليمية أو دولية حتى جلاء الحقيقة . ربما بعض الدوائر الاستخبارية الدولية ( فرنسا مثلاً ) , أو الإقليمية ( إسرائيل ) تملك جواباً ملتبساً , تقديرياً , أو قاطعاً وتعرف من غيب عرفات عن المسرح السياسي , ولكن هل القيادة الفلسطينية لا تعرف من قتل عرفات ؟ وإن لم تعرف إلا تقدر من فعل ذلك ؟ ولماذا لم تحرك ساكناً طوال السنوات الماضية وحتى فتح القضية ( الملف ) مؤخراً , سؤال برسم توضيح القيادة الفلسطينية . إن الذي قتل عرفات هي الجهة صاحبة المصلحة الأولى , وربما ليس الجهة , بل الجهات , القوى , والأطراف المحلية , الإقليمية , والدولية والتي تتقاطع مصالحها لفعل ذلك , فربما تواطأ بعضها , أو تواطأت كلها بشكل ما مباشر أو غير مباشر لقتله . إن الاتكاء على علم البحث الجنائي , يدفعنا لطرح حزمة من الأسئلة على صلة بالموضوع من قبيل , من الذي خطط ؟ وموّل ؟ ونفّذ ؟ وتأخذ هذه الأسئلة بيدها حزمة أخرى , لماذا الآن يثار مثل هذا الملف ذو الأبعاد العاطفية , الوجدانية , والوطنية بامتياز ؟ ولماذا يفتح بعد سلسلة مقابلات المدعو محمد رشيد ( خالد سلام ) , والتي أذاعتها فضائية العربية وقال فيها ما لم يقله مالك في الخمر , ملقياً كلاماً كثيراً على عواهنه . وكذلك ما صلة بث هذا الملف بعد تعطل خطوات المصالحة الفلسطينية ؟ وما صلته بما زعمه عن الأموال المفقودة في ظل ما يتردد عن الإفلاس المالي والانهيار السياسي للسلطة ؟ وفي المستويين الإقليمي والدولي , هل صدفةً أيضاً فتح الملف في ظل سياسة إسرائيلية هجومية على الشعب الفلسطيني عناوينها , حصاراً , تقتيلاً , وتدميراً في قطاع غزة , واستيطاناً بوثائر غير مسبوقة في القدس والضفة الغربية , وأن يأتي فتح الملف في المستوى الدولي ليريح الموقف الأمريكي المشغول في استحقاق الانتخابات الرئاسية , بمعنى يأتي فتح هذا الملف الشائك ليخفف العبء عن الموقفين الإسرائيلي والأمريكي , إسرائيل وجدت فيه فرصتها لوضع المزيد من العصي في دواليب العملية السياسية في المنطقة , والحالة الدولية تعايش ظروفاً متشابكة ومعقدة في ظل حالة من الترقب والانتظار , قد ينجم عنها تغييرات , أو مفاجئات إن يكن في انتخابات الرئاسة الأمريكية , أو في صدد المعضلة السورية , أو الحالة المصرية الراهنة . إن مبدأ الارتباط الشامل يملي علينا القراءة العلمية , الموضوعية والعميقة للوقوف على الخلفيات , الدوافع , والمخططات التي كانت وراء تفجير القنبلة الفسفورية ( الملف ) بالزمان والمكان المحددين . إن التبصر بالدوافع وقراءة الغايات , وبناء النتائج على ضوء المقدمات , يضع إسرائيل كمتهم رئيس باغتيال عرفات , ورغم حديث آفي ريختر , بأن على الفلسطينيين البحث عن طرف غير إسرائيل لاتهامه , وأن التحقيقات ستكشف لهم ذلك لاحقاً , إلا أن حديثه ليس إلا بالون تضليل لتعميق التعمية في مسؤولية الكيان , مما يدفع بمزيد من القلق والإرباك في الحالة الفلسطينية . إن الوقوف أمام الوقائع والدوافع يضعنا أمام قرائن اتهام تحاصر إسرائيل بالتالي : أولاً – إسرائيل حاصرت عرفات لمدة ثلاث سنوات متواصلة , متهمة إياه بدعم وتمويل عمليات كتائب الأقصى , عرفات لم يغادر رام الله عبر الثلاثة سنوات إلا إلى المشفى الفرنسي , ليعود منه شهيداً . ثانياً - سربت الصحافة الإسرائيلية نصاً لرسالة موجهة من شارون للرئيس بوش الابن , تضمنت حديثاً له عن ضرورة مساعدة الرب قليلاً لإزاحة عرفات عن المسرح السياسي . ثالثاً – حملت إسرائيل عرفات مسؤولية إفشال مسار التسوية في مؤتمر كامب- ديفيد الثاني , وواصلت اتهامه بالوقوف وراء إشعال انتفاضة الأقصى . رابعاً – من حقنا السؤال من هي الجهة التي تملك الإمكانيات والقدرات التقنية والعلمية لتأمين المادة الإشعاعية القاتلة , وهل من طرف غيرها ( إسرائيل ) في الشرق الأوسط يملك ذلك . إن الدوافع السياسية تطبق على دولة الكيان بالمسؤولية عن الاغتيال . لذا حسناً فعلت القيادة الفلسطينية بأن سارعت لتشكيل لجنة تحقيق فلسطينية , وطالبت بتشكيل لجنة تحقيق دولية , وفي تقديري إن حدود رد الفعل الفلسطيني ينبغي أن يتوقف عند هذا الحد انتظاراً لنتائج لجان التحقيق وعدم الانجرار أو الغرق بهكذا ملف رغم أهميته وحساسيته بالنسبة للشعب الفلسطيني حتى لا نقع في مصيدة من خطط للوصول إلى التالي : أولاً – إلهاء , إشغال الحالة الفلسطينية في مستويات مختلفة من الإرباك والخلاف والتنازع والاتهام وصولاً إلى الانقسام بما يحرك عوامل عبث داخلية تتدحرج ككرة الثلج تشل قدرة الفعل السياسي الفلسطيني وتكبل إرادة الفلسطينيين بالتصدي للمسؤوليات والتطورات التي تحيط بقضيتهم . ثانياً – توفير ظروف مريحة لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل لترتيب أوراقهما الإقليمية والدولية وصولاً لتجاوز قطوع الانتخابات الرئاسية الأمريكية , واستشراف مآل تطور المعضلة السورية , وجلاء المواقف المصرية بعد تسلم مرسي رئاسة الجمهورية . ثالثاً – دفع الفلسطينيين إلى الانكفاء والتراجع عن مطلبهم بدولة غير عضو في الأمم المتحدة لما يسببه مثل هذا الطلب من إرباك سياسي لكل من أمريكا وإسرائيل وأطراف أوربية غربية أخرى . رابعاً – زيادة تعقيد مسعى الفلسطينيين للمصالحة ارتباطاً بما ستسفر عنه نتائج لجان التحقيق المزمع تشكيلها , بكل ما يحمله ذلك من شك , وفقدان ثقة خاصةً إذا تبين أن هناك أطرافاً فلسطينية متورطة بشكلٍ ما في عملية قتل عرفات . خامساً – رفع النقد واللوم والملاحظات المسجلة بالتقصير على بعض الدول العربية في ضوء ما يجري فلسطينياً مما يسوغ تنصلها من التزاماتها سياسيةً كانت أو اقتصادية . إن تفهم الفلسطينيين ( لأبعاد القضية , الملف ) يجنبهم الوقوع في حبائل المخططات التي هدفت لزيادة التشردم السياسي والسقوط في ملهاة وتداعيات وملابسات قضية الاغتيال . المطلوب العبور من القضية بما يحفظ وحدة الشعب الفلسطيني وقضيته التحررية ويفشل المخططات التي تستهدفها , الجواب برسم أداء القيادة الرسمية الفلسطينية .