يشعر الغزيون بقلق أكبر من غيرهم، بعد القرار الصهيوني الأخير بتشغيل وحدة مكافحة الهجرة في قلب الضفة الغربية، واعتقال كل من لا يحمل تصاريح خاصة للبقاء هناك. ورغم أن القرار يستهدف بالدرجة الأولى المتضامنين الأجانب الذين أعطوا المظاهرات الشعبية في الضفة زخما قويا، وأزعجوا الصهاينة لسنوات، فإن كثيرا من الغزيين الذين يعيشون في الضفة، يشكلون أيضا هدفا رئيسيا لهذه الحملة.
وتبدو مخاوف الغزيين أكبر كثيرا من مخاوف الأجانب الذين سيعودون في النهاية إلى بلادهم وعائلاتهم، ولا يبدو الأمر كذلك بالنسبة لأهل غزة، بقدر ما قد يعني الموت أحيانا. فإبعاد الغزيين عن الضفة، قد يعني إبعاد زوجة عن زوجها أو العكس، وإبعاد بعض الآباء عن أبنائهم، وقطع دراسة بعض الطلاب، وإنهاء علاج البعض الذي وصل حديثا، وإرغام آخرين مطلوبين لحماس على العودة إلى حيث ينتظرهم السجن أو شيء آخر.
وقال سفيان أبو زايدة، عضو المجلس الثوري لفتح، ووزير الأسرى الأسبق، وهو من أصول غزاوية ويعيش في الضفة الآن: «الكيان الصهيوني دائما ما كان يتعاطى مع مواطني غزة بهذه الطريقة، من كان يتم إيقافه على حاجز صهيوني ولا يملك تصريحا، يتم إبعاده إلى غزة مباشرة، ومع استقرار الوضع الأمني خفف الكيان الصهيوني من هذا الفحص، والآن فإنها تعطي الضوء الأخضر للمبادرة باعتقال الغزيين من بيوتهم وترحيلهم.. وليس حتى مجرد انتظارهم على حاجز».
وأضاف في تصريحات لـصحيفة «الشرق الأوسط» السعودية: «الأمر خطير ويحول الضفة إلى ميدان مفتوح أكثر للبلطجة الصهيونية». وأردف: «هذه خطوة أخرى من الخطوات الصهيونية التي لم تترك من اتفاق أوسلو سوى الفتات». ووصف أبو زايدة المسألة بأنها «أكثر من مقلقة». وقال: «إنه أمر محزن للكثيرين».
وكان قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال الصهيوني، نينسان الون، قد أصدر أمرا عسكريا يمنح صلاحيات كاملة لمفتشي «وحدة عوز» وهي وحدة مكافحة الهجرة المتخصصة باعتقال الأجانب في الكيان الصهيوني، للعمل في مناطق السلطة، وملاحقة واعتقال كل شخص لم يحصل على تصريح خاص بالوجود في الضفة الغربية.
وبحسب القرار الذي يعتبر السلطة كأنها لم تكن، ويلغي القيود التي تضعها اتفاقيات أوسلو على أنشطة قوات الأمن الصهيونية في مناطق السلطة الفلسطينية، فإن مفتشي «عوز» يستطيعون الدخول إلى المدن والقرى والمخيمات الخاضعة لسيطرة السلطة، واقتحام البيوت وتفتيشها واعتقال كل أجنبي أو حتى فلسطيني من غزة، لا يملك تصريحا بالمكوث في الضفة.
وقال غزيون طلبوا عدم نشر أسمائهم إنهم لا يودون العودة إلى غزة لأسباب مختلفة، من بينها ضنك العيش، وحكم حماس، وعداوات شخصية، أو بسبب الارتباط بعمل وعائلة في الضفة.
ولا توجد إحصائيات دقيقة لعدد الغزيين في الضفة، لكن الصهياينة يقولون إنهم وصلوا إلى 30 ألف شخص، غادروا غزة على مدار عشرات السنوات إلى الضفة ولم يعودوا.
وكثير من هؤلاء غيروا أماكن إقامتهم بعد تأسيس السلطة الفلسطينية، وكان الأمر ممكنا بسهولة، أما بعد الانتفاضة الثانية، فقد امتنعت الكيان الصهيوني عن تغيير مكان إقامة أي غزاوي، حتى تدخل مبعوث الرباعية الدولية، وطلب ذلك العام الماضي، فاستجابت الكيان الصهيوني جزئيا، وغيرت إقامة آلاف على دفعات، ويعتقد أن العدد الباقي ليس كبيرا، نحو ألف. وتحاول السلطة الآن حل المشكلة عبر تقديم طلبات للكيان الصهيوني بتغيير مكان إقامة الغزيين.
وكانت المحكمة العليا الفلسطينية، قد ألزمت السلطة بحل الإشكالية قبل عامين، وأصدرت قرارا يقضي بإلزام الحكومة الفلسطينية قبول وتقديم طلبات تغيير مكان إقامة وعناوين الفلسطينيين في حال رغبة أي مواطن نقل عنوان سكنه وإقامته من مكان لآخر، وذلك بحسب اتفاقية نقل الصلاحيات الموقعة مع الجانب الصهيوني.
وعلى مدار عامين قبل الكيان الصهيوني تغيير عناوين نحو 5000 فلسطيني على دفعات، غير أن القرارات الصهيونية الجديدة، أثارت القلق لدى البقية القليلة الباقية دون تغيير عناوين.
ولم تبت المحكمة العليا الصهيونية في التماس قدمه قبل شهرين عدد من سكان غزة المقيمين في الضفة والمهددين بالإبعاد إلى القطاع. وطلبت من حكومة نتنياهو أن تقدم لها مسوغات قرارها عدم السماح لسكان قطاع غزة المقيمين في الضفة الغربية بالبقاء فيها إذا لم توجه إليهم أي تهم أمنية.
ويرى أبو زايدة أن الخطوة الصهيونية تناقض الاتفاقيات بين الجانبين، التي تؤكد أن الضفة وغزة وحدة جغرافية واحدة، وعليه تعتبر إقامة الفلسطينيين هنا أو هناك شأنا داخليا وحرية شخصية. وصب أبو زايدة جام غضبه على المسؤولين في السلطة. وقال: «لم أسمع أي مسؤول من جهات الاختصاص يعقب على هذا الخبر.. إما أنهم يستسهلون أو أنه ينال الرضا».