من قلبي سلامٌ .. لفيروز ..

حجم الخط
" شيءٌ في داخلي يستعصي على الموت .. أقصد يستعصي على النوم .." أردتُ صوتاً يعلو على صوت الموت الذي يصب حممه حولنا متستّراً بليلٍ خُلِق ليكون سباتاً و ها هو النوم يلملم أغراضه هارباً ليتركنا سهارى فيغدو ليلنا نهار . أمسكتُ بالمذياع فدوّى صوت فيروز مالئاً الروح بسكينةٍ ملائكية .. لكنها كانت تغني " وحدن بيبقوا ".. آه يا فيروز أردتُ أن أهرب من حزني إليكِ فأجدكِ تغنين وحدن بيبقوا ويشتعل القلب الموجوع ألماً .. طبعاُ سيبقون بيلساننا .. هؤلاء الراحلون صيفاً أو شتاء ، المحترقون بصقيع البرد أو لهيب الشمس ، في يناير أو يوليو ، في الأمس غداً أو اليوم .. لكنهم يبقون حيث رحلوا فلا رجعة لهم و لا إياب .. فانتظرونا حيث أنتم علّنا نصير مثلكم ذات يوم زهرة بيلسان و غيمة عتيقة .. أبدل المحطة فتغزوني أغنية " أسامينا " أسأل ذاكرتي عن اسمٍ كان يوماً اسمي .. أستنطقها ، أستحلفها ، أستجديها لكنها مصابةٌ بفقدان ذاكرة ، أو داخلة في غيبوبة لا أدري متى تسترد منها ذاكرتها .. عذراً فيروز ما عادت لنا أسماء و لا داعٍ لأن يُتعِب أهلنا أنفسهم في خلقها لأجلنا .. فأنا الشهيد رقم .. الضحية رقم .. النازح رقم .. صاحب البيت المهدّم رقم .. أنا ما عدتُ انساناً .. فأنا مجرد رقم ! تنتهي أسامينا التي فقدناها في منعطف موت لتغني " أنا كل ما بشوفك كأني بشوفك لآخر مرة حبيبي .. أنا كل ما تودعنا كأنّا تودعنا لآخر مرة حبيبي .. " من الممكن أن تقولوا أنني احرف الأغنية ففي اللقاء و الوداع قلت آخر مرة .. و لكني لم تعمّدتُ ذلك .. و قد تذكرتُ لقائي بك منذ أيام حيث شيّعتُك بعينيّ قبل أن أركب السيارة عائدةً للبيت .. فهل من لقاء أول أو حتى أخير .. هل من لقاء جديد !! تقول فيروز " بتزكرك كل ما تيجي لتغيّم .. وشك بيزكر بالخريف .. " آه يا بن الربيع .. يا عاشق الصيف .. أتراني نسيتك لأقول أني أتذكرك و كل خريف و شتاء يحملك إلي مع كل لسعة برد و قطرة مطر فمازلتُ أذكر كم تكره الورق الأصفر و أصوات المزاريب .. تأتيني مع كل ما كنتَ تحب ، مع كل ما كنتَ تكره .. و كيف تغنين يا فيروز " راجعين يا هوا راجعين " .. لكن يا سيدتي من يذهب لا يعود ، و من يرحل لا يرجع و ابقى أنا العاشقةُ العاشقة .. و تبقى أنت حياً في ليلي ... و هل حقاً " كان غير شكل الزيتون .. كان غير شكل الصابون .. " أكيد كان كل شيء " غير شكل " و صار كل شيء أيضاً " غير شكل " فالزيتون ترمّل و الصابون بكل أنواعه ما عاد قادراً على غسل الحزن الساكن فينا .. كل شيء صار " غير شكل " إلا عيونك التي بقيت على حالها ، و حبي لك الذي زاد و لم ينقص .. محطةٌ أخرى و فيروز تغني " تمرق علي امرق ما بتمرق لا تمرق .. مش فارقة معاي .. " لا تكملي يا ملاكي الغناء و أنت لا تكمل يا سيدي الاستماع .. فأنا " فارقة معاي " و أنت تعرف أن حضورك هو الأروع و الأهم .. فهو كما قال نزار " مثل حضور المياه و مثل حضور الشجر .. " فكيف أقول مش فارقة معاي .. بل سأغنيك " امرق علي امرق .. أنا فارقة معاي !!! " و من فارقة معاي أو مش فارقة معاي إلى " بحبك ما بعرف هن قالولي " لكني أحبك ، و أعرف أني أحبك ، بل لا أملك إلا أن أحبك و أن أخبر الجميع بسر حبك .. و لكن ما لم أعرفه هل أهدى صوت فيروز لعيوني غفوة أم أن الموت المصغي لصوتها غفا فرحل تاركاً إيانا في انتظاره في ليل قادم !!! شكراً فيروز ..فصوتك هزم الموت