لا شئ في الافق ..... سوى ازيز الرصاص المتناثر من اطراف المخيم هنا او هناك , ايذانا لصوت اعتاده ابناء المخيم , وكما كانوا يسمونه بصوت الغراب , الذي سرعان ما بدأ ينعق بمنع التجول... ممنوع
التجول ...كل من يخرج من البيت يعرض نفسه للخطر ... يا اهالي مخيم جباليا ممنوع التجول .. كل من يخرج من بيته سوف يتم تدمير بيته عن بكرة ابيه.
زخات الرصاص التي بدأت تجوب مدى وافق سماء المخيم لن تكن قادرة على منع المطلوبين من المطاردين من ابناء قوات التحرير الشعبية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين, ممن عاشوا مرارة تلك الملاحقة, من المتخندقين دوما في الاماكن الفاصلة للاطراف, فمدرسة الفالوجا المتاخمة لبيارة ابو شرخ متشابكة الاشجار ما يتسنى للمطاردين بلحظات تخطي المحذور ليكونوا خارج نطاق الطوق اللعين الذي يكون فيها الصراع مع كل دقيقة يكون من خلالها قد احكم الطوق احكاما جنونيا بالجنود من ابناء لواء "قفعاتي" ذوي القبعات البنفسجية، وقوات المظليين من ذوي القباعات الحمراء ممن يطلقون النار على كل من يرونه خارج نطاق الطوق دون هوادة والموصومين بتكسير عظام الشباب والشيوخ والنساء من ابناء المخيم.
لحظات ويكون المطلوبين يتقدمهم الاشبال من غير المطلوبين قد امنوا لهم الطريق حتى يكونوا في منأى عن تواجد الجيش الصهيوني مرورا من منطقة الفالوجا قدما بمنطقة النزلة الى منطقة الزرقاء تلك البقعة الوسيطة ما بين المخيم وغزه والتي باتت محطة تلاقي الفدائيين من المطلوبين للاحتلال، الذين كانوا على أهبة الاستعداد لاي حراك مشبوه, فيتحركون بسرعة البرق، وينسلوا الى الطرف غير المشمول بالطوق, سيما مع مضي كل ثانيه من الدقيقة يكون صفير سكون المخيم ينذر بالخطر, لتكون منطقة النزلة حاضنة المطاردين من المطلوبين انذاك .
الحاجه فوزيه "ام احسان" تلك الام الحنونة التي تتصرف بحنكة المقاتلين وحصن ال ابو ورده، بيارات , بيوت , واهالي شهداء والاوكار الخ ...
هذه العائلة التي انجبت القائد المميز احمد فكري ابو ورده، ورفاقه عبد الرحيم، وبشير، وتيسير ابو ورده، ذلك المقاتل الذي طاردته قوى العدوان الصهيوني بعرض البحر، المصمم على ارادة الاستشهاد لكي لا يكون اسيرا لاستبدادهم الهمجي, كما الرفيق المقاتل علي العشيه ابو ورده الذي خاض الاشتباكات الرائعة في بيارة ام احسان المتاخمة لمنطقة الصافح حيث شهدت له دواليب واشجار البرتقال الحزين لا بل ارتوت بدمائه هذه الارض التي باتت مسرحا قتاليا كسر فيها انف وارادة جنود الاحتلال وادمى بهم ادماء الابطال المقاتلين من اجل النصر او الشهادة فكان النصر والشهادة.
جيد يا ابو عكر ...الفدائيون انسحبوا من المعسكر والان اجا دورك...
قام ابو عكر ذلك الشبل الذي لا يتخطى العاشرة من عمره ...شاحب الوجه... مشحبر اليدين والجسم اثر اشعال عجلات الكاوتشوك والقيام بسحبها من بين ازقة المخيم من خلال سحبها باحدى الاسلاك واحدا تلو الاخر ليكون ابو عكر قد عمل حاجزا من النار يكون باستطاعته اعاقة جيبات واليات العدو الصهيوني من المرور والقدرة على ملاحقة اطفال الحجارة الذين باتوا بحجارتهم المقدسة اكثر ادماء لجنود الاحتلال سيما وان الاطفال لا يمتلكون سوى صدورهم العارية في وجه أعتى ترسانات الاسلحة الا من رحم ربي من "شُدّيدة" هنا او مقلاع هناك في مواجهة اقوى ترسانة مسلحه وامام جيش مدجج ومدرب ممتلكا لكل عوامل التكنولوجيا.
وامام زخم تواجد القتلة من الجنود يكون التكتيك العفوي بانسحاب ابو عكر الى أعلى اسطح المنازل هو واترابه الذين تعودوا القفز من سطح الى اخر من اسطح منازل المنطقة المتاخمة لبعضها دون خوف او وجل ..
كل ذلك وجميع ابناء المنطقة يتابعون ويراقبون ابو عكر ورفاقه بتحركاتهم التي باتت يوما بعد يوم تجذر العشق الملازم للخوف اللا متناهي لهذا الشبل واترابه من الذين باتوا يعملون ويلاحقون جنود واليات العدو نيابة عن عموم ابناء المخيم من منطقة الفالوجا على الاقل.
يعتلي منطقة الفالوجا, تلك المنطقة الاكثر علوا في مخيم جباليا حاووز المياه.
ذلك الحاووز الذي بات يمثل باستخدامه محطه لملاحقة المطلوبين من المطاردين, وحين اعتلائه من جنود الاحتلال يكونوا قد سيطروا على ازقة ومداخيل بيوت المنطقة ليكونوا بذلك قد رصدوا وحاصروا تحركات المطلوبين بما لا ينقذهم سوى توجيه الاشبال لهم عبر كلمة بيعوو انا باشتريه ...بيعو ...بيعو .....
هي عبارة تدلل على ان جنود الاحتلال محاصرين بين اطراف الهتاف بيعو ليكون الانسحاب الامن للشباب المقاتل ...
كم انت عظيم يا ابو عكر وابن الشيخ ويا صاروخ , هؤلاء المقاتلين واترابهم من الاشبال الذين نسفوا تفكير ومخططات ذلك العدو من خلال اقتلاع سلم الحاووز الذي كان يعتلي عبره جنود الاحتلال سطح ذلك الحاووز اللعين.
ليتجمع العشرات من الاشبال والشباب بمناشير الحديد ليسقطوه ارضا وليحملوه فيما بعد على اكتافهم هاتفين بالروح بالدم نفديك يا شهيد قدما صوب بيارة ابو فتحي ماضي غرب المخيم ومدرسة الفالوجا بلا رجعه.
تعاظمت قدرات وتواجد الجيش بعد ان تحررت الفالوجا من اعتلاء الجنود سمائها ليكون التعسف والضرب المبرح والملاحقه.
وفي سياق هذا التعسف قام احد الجنود بالامساك بمعصم عاطف احد اشبال الفالوجا ذلك الشبل اليتيم رائع الجرأة ممن بات ملاحقة جنود الاحتلال ملاذا له بين ازقة المخيم.
تداعت جموع النسوة ووالدته المسكينة "الحاجه تحفه" ام عاطف لاطلاق سراحه دون جدوى...
وعلى حين غرة واذا بابن الشيخ يقذف بحجره فاصاب قبضة الجندي القابضة على يد عاطف وبشكل مباشر, كان ذلك دونما تنشين او استهداف مبيت بل كان اداء عفوي خرج من رحم المعاناة الملازمة لابناء هذا المخيم ولينطلق عاطف كما الطير الذي تحرر من بين فكي وحش مفترس.
ومع تداعيات نتائج مشروع روجرز وانتهاء حرب الاستنزاف ما بين مصر واسرائيل مما كان حافزا لتنفيذ مشروع شارون باستهداف المخيمات وشق الطرق واغلاق منافذ المخيم بالبراميل الاسمنتية كل ذلك من اجل تضييق الخناق على طريق تصفية المقاومة ولكن ذلك ما لا يستوي ولن يفت بعضد أولئك، الذين باتت بيعو بالنسبه لهم لعبة العصر امام جنود تدربوا وتجهزوا لملاقاة جيش مدجج فما الامر حين يتلاقى اولئك الجنود المدججين باشبال لا حول لهم ولا قوه سوى حجارتهم امام جنود تحولت لعبة حربهم مع اطفال وشيوخ وحريم يقهرون الموت ولا تهتز لهم سيقان وما زالت الثورة مستمرة.