مشكلة كبيرة ان نخلق قضية من نوع الانخراط في احتجاج على شكليات السلطة والدخول في مفاوضات مع السلطة على أساليب ادارتها... في ظل الاحتلال، القضية الأولى هي الاحتلال، وقضايا الانتخابات والحكومات والاحتجاجات وحتى المجلس التشريعي بنزاهته أو زيفه، كل هذه قضايا فيها تحييد للاحتلال واقرار بنتائج أوسلو.... من الضروري أن يقال لا للسلطة، لكن ليس على طريقة الاحتجاج والمعارضة السياسية، المفروض أن يكون على طريقة رفض السلطة بمجملها وارجاع الحراك بالكامل لطريق الاصطدام بالاحتلال مباشرة.
لن نختلف إذن على كون الاحتجاج على الفساد والحالة الاقتصادية، أو المطالبة بالاصلاح، سمّه ما شئت، ضد السلطة الفلسطينية أو رموزها، هو انحراف عن الهدف الأول للشعب وهو ازالة الاحتلال. بل سأجرؤ لأقول إن السلطة الفلسطينية هي من مباني الاحتلال، والانسياق وراء الدخول في جدل ومفاوضات معها حول لقمة العيش والاصلاح هو اقرار لأوسلو وتحييد للاحتلال.
سأضم إلى ذلك أيضا موضوع تشكيل أحزاب سياسية، وإجراء انتخابات رئاسية أو تشريعية، والمشاركة كموالاة أو معارضة سياسية للسلطة. إذ أنه لم يسبق أن انشغل شعب ثائر على الاحتلال في مثل هذه الأمور إلّا وانتهى به الأمر إلى اقرار الاحتلال أو مجرد استبدال وجوده الفعلي بالتبعية له، كما جرى في مصر أثناء الاحتلال الانجليزي. لكن حتى هذا ليس متاحا في التجربة الفلسطينية، لأن الاحتلال هنا ليس مجرد استعمار، بل هو وجود فعلي لن يرضى حتى باستبداله بالتبعية له.
وجود السلطة الفلسطينية كان أهم عامل في قتل المواجهة الشعبية ضد الاحتلال، وتحجيمها أولا بمقاومة الحركات والفصائل، ليتم لاحقا الضرب على يدها ضمن استراتيجيات مكافحة الارهاب. كان هذا أسوأ ما جرى للشعب الفلسطيني، لأن لا احد يمكنه اتهام شعب كامل بالارهاب، بينما كان ذلك سهلا حين تحولت المقاومة الى مجموعات وحركات محدودة ينشغل عنها الزخم الشعبي بالانخراط في شؤون الحياة المدنية.
لم تتمكن السلطة من فعل ذلك بسبب رفضها لخيار المقاومة ولا بسبب التنسيق الأمني، بل إن ما جرى حقيقة هو اقناع الشعب كاملا بوهم الانخراط في شؤون الحياة المدنية، واستدراجه الى أسلوب حياة لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع احتياجات شعب تحت الاحتلال. أصبحت شؤون الحياة هي الشغل الشاغل للشعب، وغدت المقاومة ضربا من الفوضى.
لكن، هل من المرفوض تماما المشاركة أو استغلال هذه الاحتجاجات؟
مبدئيا، نعم، لكن في التفاصيل فربما يمكن استغلال هذه الاحتجاجات لنقل المواجهة من جديد الى ساحة المعركة مع الاحتلال .
هناك طريقان الى ذلك، مع انني أفضل الثانية .
الأولى هي أن تؤدي هذه المواجهات الى زعزعة السلطة بما يؤدي الى انهيارها، خاصة اذا دفعت توجهات المقاومة بهذا الاتجاه. لكنني أكاد أرى المساعدات تنهال على السلطة من الاحتلال ومن الدول المساندة له .
الطريق الثاني هو أن تمنح هذه الاحتجاجات لمن هم في السلطة، فرصة للتخلص من ذنوبهم والهروب من جرائمهم بالقاء اللوم مباشرة على الاحتلال، فبدل أن تتعامل الحكومة أو السلطة مع هذه الاحتجاجات، يمكنها استغلال الوضع لاتهام الاحتلال مباشرة بالتسبب بكل هذه المعاناة، ووقتها يمكن نقل الاحتجاجات الى مواجهة شعبية ضد الاحتلال، اذا تبرع المعتدلون في حركة فتح الى احتضان رموزهم في ظل هذه الاوضاع مقابل رفعهم اليد عن المقاومة، ولا بأس ان كان الثمن حاليا هو أن ينفذ الفاسدون بجلدهم.
نحن مضطرون للتفكير بهذه الطريقة لأن كل القراءات حاليا لا تشير الى قرب انخراط الشعب الفلسطيني في مواجهة عارمة ضد الاحتلال.