.....هكذا هم القادة الثوريين يؤثرون مصالح الوطن على مصالحهم الذاتية والخاصة،وسعدات واحد من القادة القلائل الذي ينكر ذاته في سبيل الوطن،ويتشبث بعقائديته ومبادئه حتى النهاية،ودائماً كان وما زال في المقدمة،لا يتوانى عن دفع الثمن،وأنا أراهن وأجزم أن العديد من القادة والذين يحتلون مناصب متقدمة في السلطة والمنظمة والفصائل،يحرصون على مصالحهم وامتيازاتهم قبل مصلحة الوطن أو الحزب،والعديد منهم لم يمثل لا نموذجاً ولا قدوة ايجابية للكثير من أبناء شعبنا في أي من مواقع النضال والقيادة،بل شكل وجودهم في تلك المواقع عامل إحباط وعزوف عند الكثير من أبناء شعبنا عن المشاركة في العمل الوطني وحتى الانتماء للأحزاب والفصائل،وخرج الكثير من المناضلين بتقييمات بأن تضحياتهم ذهبت سداً وهباءاً منثوراً في سبيل مصالح بعض المرتزقة والمنتفعين،ولربما البعض منهم احتل موقعه بدهاليز السياسة والمؤامرات والعلاقات الحزبية والعشائرية والعائلية،أو بفعل علاقات المال أو التدخلات الخارجية،ولكن كان المنصب أو الموقع بالنسبة له شكل من أشكال الاستثمار و"البرستيج" والمنفعة والمصلحة له لعائلته والمقربين،وهو يحرص على إرضاء مشغله او المسؤول عنه،قبل حرصه على المصلحة العامة أو مصلحة الوطن،أما القادة الثوريين والذين القائد سعدات خير عنوان وممثل لهم،فهم الذين تعتز وتفتخر بهم جماهير شعبنا،وترى بهم البوصلة والمرشد والملهم في النضال والكفاح والمسلك والإخلاص والتمسك بالثوابت والمبادئ والقيم،والذين يستشهدون في سبيل أن تحيا شعوبهم وتنتصر ثوراتهم،ولو كان لثورتنا مجموعة من طراز هذا القائد وغيره من القادة الآخرين الذين نكن لهم كل المحبة والتقدير والاحترام،لما بقيت ثورتنا أكثر من سبعة وأربعين عاماً دون أن تحقق انتصارات جدية،ودون ان تستطيع أن تحرر أسرى مضى على وجودهم في سجون الاحتلال عشرين عاما فما فوق.
سعدات في كل محطات نضاله كان قائداً جيفارياً،عرفته الزنازين والسجون أقسام العزل بفعل نضاله الدؤوب والمتواصل،فهو لا يعرف الكلل ولا التعب،حاولت أجهزة مخابرات الاحتلال ومستواها السياسي،أن تكسر إرادته،من خلال العزل الانفرادي،ولكنه قاد هو ورفاقه وكل أبناء الحركة الأسيرة إضرابا مفتوحاً عن الطعام من أجل وقف ظاهرة العزل،ورفض التفاوض مع إدارة مصلحة السجون حول ذلك،مشدداً على أن هناك القيادة المركزية للإضراب،هي صاحبة الحق في مواصلته أو وقفه،وكذلك في مؤامرة تسليمه عندما كان معتقلاً في سجون السلطة في أريحا،رفض الخروج ذليلاً خانعا كما أرادت له حكومة الاحتلال وأجهزة مخابراتها،بعد هدم السجن على رأسه ورأس رفاقه وأخوته،حيث خرج شامخاً مستهزئاً بالاحتلال وأجهزته،هذا الرجل المعروف لها جيداً،بأنه واحد من القادة الذين أرسوا ودشنوا ثقافة الصمود في التحقيق،ففي كل معاركه الاعتقالية هزم محققيه وانتصر عليهم،وكان الاعتقال الإداري من نصيبه في الكثير من الاعتقالات،وأيضاً بنى وأسس لسياسة جديدة في المحاكم الاسرائيلية،حيث رفض الاعتراف بشرعية محاكم الاحتلال،والتي اعتبرها أداة من أدوات الاحتلال الهادفة الى تكريسه فوق أرض شعبنا الفلسطيني،وأداة من أدوات القمع ضد أسرانا وأسيراتنا،فهي من شرعت القمع والتعذيب بحق أسرانا وأسيراتنا في السجون،وهي واحدة من أوجه الإرهاب الصهيوني بحق شعبنا الفلسطيني.
سعدات هذا القائد الفذ الذي جلبته قوات قمع السجون المسماة ب"النحشون" عنوة مقيد اليدين ومكبل القدمين الى محكمة الصلح في القدس،من أجل الشهادة في قضية رفعتها منظمة صهيونية في أمريكا على منظمة التحرير الفلسطينية من أجل الحصول على تعويضات لمواطنين إسرائيليين من أصل أمريكي قتلوا في عملية نفذتها الجبهة الشعبية عام 2002،عدا عن رفضه الاعتراف بشرعية المحكمة،فهو دعا الأمريكان إذا كانوا حقاً مهتمين بحقوق الإنسان والقوانين والمبادئ الدولية التي "عهروها" وأفرغوها من محتواها ومضمونها،وجعلوها مطواعة خادمة لأجنداتهم وأهدافهم،الى محاكمة قتلة المتضامنة راشيل خوري والتي قتلها الاحتلال في رفح بدم بارد،ولتخرج محاكم الاحتلال بقرار يبرأ قتلتها،فلم نسمع عن دعاة ما يسمى بحقوق الإنسان مجرد إدانة لتلك الجريمة،وكذلك القادة الصهاينة الذين ارتكبوا جرائم حرب بحق شعبنا الفلسطيني،أمريكا وأوروبا الغربية تحصنهم من الاعتقال والمحاكمة،وتغير قوانينها وإجراءاتها القضائية لمنع اعتقالهم او محاكمتهم،ويتشدقون بالحرية والديمقراطية والإنسانية،أنه العهر والتعهير بأبشع صوره ونماذجه من قبل من يرعون الارهاب ويدافعون عنه باسم الحق والقانون.
طبعاً لم تشاهد لا أمريكا ولا أوروبا الغربية ولا كل ما يسمى بدعاة حقوق الإنسان في بلدانهم،كيف يمنع القائد سعدات من احتضان حفيدته التي لم يتجاوز عمرها أشهر معدودة،فلربما هي الأخرى متهمة ب"الإرهاب" في عرفهم،ولا غرابة في ذلك فالاحتلال وقادته يعتبرون كل فلسطيني مشروع إرهابي حتى تثبت براءته.
الجلاد والقاضي الصهيوني الذي خاطب القائد سعدات بالقول"إن كان أصيب بالإحباط لعدم إطلاق سراحه ضمن صفقة تبادل الأسرى الأخيرة" جاءه الرد حاداً وواضحاً من رجل يبتسم حتى وهو في القيد بأن"صفقة شاليط جيدة وحرية الوطن أهم وأغلى عندي من حريتي الشخصية القادمة لا محالة".
نعم هذا هو القائد الحقيقي،الذي يشكل ضميراً حياً ومدافعاً أميناً عن ثورته وقضايا شعبه،هذا القائد الذي نحتاج اليه هو وغيره من القادة الثوريين في هذة الظروف الصعبة والخطيرة التي تمر بها ثورتنا وقضيتنا وحتى وجودنا الوطني،هؤلاء القادة نحتاجهم في اللحظات الحرجة ،لأنهم لا يقايضون الوطن بحفنه من الدولارات أو المصالح والامتيازات،قادة لا يخشون على شيء ورأس مالهم جماهيرهم وشعبهم وليس رصيد في البنوك أو عقارات واطيان.
سعدات هذا القائد النموذج بالضرورة لإنسان مثله ضحى من أجل شعبه ووطنه،أن يتم بذل كل الجهود وخوض كل أشكال النضال من أجل أن ينال هو وكل أسرى شعبنا حريتهم،فواجب علينا جميعاً الوفاء لنضالاتهم وتضحياتهم.
ونختم بما قاله القائد سعدات للقاضي الصهيوني العنصري"إن عدالة قضيتنا وصمود شعبنا وعزيمته القوية،هي أقوى من الاحتلال،ومحاكمه الهزلية غير الشرعية،مهما حاول التضييق على حرية شعبنا،فالحرية قادمة لا محالة.