أين أنتِ يا غادة ؟
أين أنتِ يا ياسمينة الشام التي تفتحت على مهل في لبنان و أصرت أن يتغلب عطرها على رائحة الدم المسفوك هناك فيقهر بياضه الأحمر ، و تنتصر نعومته على اللزوجة ..
أين أنتِ يا بنت الحارات العتيقة التي لم تستطع مدن العالم و منافيها أن تمحوها من القلب و الذاكرة و ها هي اليوم تُمَحى برصاصة غادرة و قذيفةٍ خائنة و خنجرٍ غُرِس في صدرها .. أكان يعتقد أنه يخرج من غمده لينزرع في قلب العدو ؟ أما كان عطر ياسمينها كفيلاً بإعادة بوصلته المنحرفة إلى مسارها ؟
أين أنتِ .. لأستعير صوتك بعد أن علق صوتي في الحلق كغصة ، لأصرخ بصيحتك يا بنت الشام التي وقفت ذات موتٍ في منتصف بيروت لتنتزع الحياة .. امنحيني الصرخة أنا الفلسطينية المذبوحة بالعشق الدمشقي من الوريد إلى الوريد و من القلب إلى النبضة .. " أعيدوا لنا الحرب ... لنعرف هوية الرصاصة التي تقتلنا ، فنحن نريد أن نموت شهداء لا ضحايا !! "
أين أنتِ .. فأبسط أحلامنا تحولت لكوابيس و كوابيسنا لا ليل لها لنكتبها .. و أعماقنا محتلةٌ بحب القمع ، و الذاكرة مختومةٌ بالدم لا الشمع الأحمر، و الوطن ينتحر .. هم يقولون إنه يتطهر حرقاً لكني أراه ينتحر أو لعله يُنحَر .. و الموت أَلِفَنا و ألفناه ، نتأمله و نترجاه أن يمسح عيوننا برحمة ظلماته بعد أن سُرٌقت مدننا كما تُسرق النجوم و بعد أن قتلوا كل جميل في وطن بات لا يحترف إلا قتل الجياد ، فمن سيكمل المشوار بعد أن طفقوا مسحاً بالسوق و الأعناق للخيول الأصيلة ؟
" فاخرجوا أيها القتلة من قيامتنا ، اخرجوا من أحزاننا و أفراحنا ، اتركونا نموت و نحيا كما نشاء .. اخرجوا من أصدائنا و أشلائنا .. اخرجوا من دورتنا الدموية .. "
قاسٍ يتم الأوطان لو تعلمون ، موجعةٌ ليالي الغربة ليتكم تدركون ، باردةٌ نيران الخيام اسألونا نحن اللاجئون ، قاتلٌ سبي النساء اللواتي كن يوماً حرائر و بتن الآن سبايا ، مكسورةٌ ضحكات الأطفال ، مقهورة صرخات الرجال ، مذلولةٌ اليد التي اعتادت أن تعطي لتجد يدها ممدودة لتأخذ ، مجروحةٌ آمال الغد و لا تخشى أحلامه على نفسها إلا من الهزيمة ..
فكيف لنا أن نبقى حياديين .. و وراءنا أوطانٌ ندافع عنها لنشعر دوماً أننا نستحقها فتمنحنا مواطنة لا قبر ، فرحاً لا يتم ، عيداً لا قيد و غداً لا أمس ..