من وحي السبعينات 3

حجم الخط
صفير سكون المخيم ينذر بالخطر، وحين يكون الصمت مطبقا, يكون كصمت القبور, كما يكون حينها سيد الموقف. الشوارع خاوية, الا من بعض الملثمين هنا او هناك, وما يميزهم عن بعضهم سوى كوفياتهم المزركشة باللون الاسود او الاحمر .. يلامسون الجدران بجنباتهم في منتهى الحذر الملازم لهم. يسار ذلك الشاب الصامت، يرى، يسمع، دون ان يحرك شفتاه ببنت شفه, فهو يعمل تحت الارض غير لاهثا لشهرة, أو أمجاد أو مال أو بطولات، هذه السمات التي جعلت جموع المطاردين من المطلوبين يحوطونه بثقتهم احترامه تقديره لا بل بات أمينا على منافذهم، تحركاتهم، حتى بات يسار الرسول وكاشف الطريق، في ظل أبشع الممارسات والحملات من انتشار الجيش الصهيوني بين الأزقة. التبة المتاخمة لدار أم ابراهيم عمة المقاتل ابو حسام والتي تمثل ما بين عمق المخيم لمنطقة الفالوجا المطلة على منظومة من الأزقة التي تؤدي الى بركة أبو راشد شرقا، وإلى أزقة منافذ مخطط مشروع بيت لاهيا .. هذه الأزقة التي كانت تحتضن الملاجئ وبيوت الاصدقاء ممن كانوا يفتحون صدورهم امنا وحماية للمقاتلين من ابناء الجبهة الشعبية وقوات التحرير الشعبية .سيما وانه لم يكن انذاك تواجد في الشمال لقوات فتح ... التقى في محطة التبة كلا من منصور ذلك الرفيق القادم من الشاطئ والأخ نوفل الذي كان يقود آنذاك قوات التحرير الشعبية في الشمال . اولئك المقاتلين القادة المتمنطقين بكوفياتهم , دون ان يرى احدا سوى عيونهم الحادة كحدة عيون النسور وسلاحهم ممن استطاعوا شرائه او جمعه من مخلفات ما تبقى 1967 من طراز كلاشنكوف او كارلوا ستاف وقنابل الاوفون روسية صنع , وللحقيقة ان الجبهة الشعبية هي الوحيدة التي انفردت باقتناء وحيازة رشا ش من طراز ستارلنغ الماني الصنع . كان من الضروري ان تتحرك دورية المقاتلين التي يقودها هؤلاء القادة والتي في المقدمة منهم يسار الذي يطلق صفيرا مميزا يكون بمثابة الاشارة بالوقوف والتخندق لأولئك المقاتلين, وقبل ان تخرج الدورية التي كانت قد التحمت ظهور المقاتلين منهم بجدران البيت المواجه للشارع الذي يقع شمال التبة تماما, صفر يسار ليلتحم ظهره بالجدار الشمالي ايذانا بتسلل الضوء القادم من اتجاه شارع الهوجة الملازم لجعير المجنزرات والبورات. والتي عادة ما تكون حاملة للجنود والعمل على نشرهم واحدا واحدا في كل منطقة محددة واينما ترتئي . لا شئ ... ما بين أولئك الفدائيين المتمنطقين بالسلاح ومجنزرات الاحتلال الممتلئة بالجنود سوى ذلك الجدار الاستنادي لظهور المقاتلين الملازمة اصابعهم على الزناد , تحسبا من أي طارئ او مفاجئة. وبعد اختفاء جعير المجنزرات سيما وان الوضع بات في عداد الاوضاع الاكثر خطرا وبامتياز , فمن يدري ان المجنزرات لا تكون قد انزلت عددا من الجنود الصهاينة ؟ لقد نهض يسار ذلك الفدائي العريق و اخذ ينادي باتجاه الشارع " الو ... الو ...محمد.... خليل ... وينك" وشيء فشيء كان قد اكتشف ان الشارع فارغ دون ان يكون هناك أي جندي او أي عامل من عوامل الخطورة , صافرا لهم ليكون الاتجاه في إحدى الشوارع المؤدية إلى أحد الاماكن التي كانت فيما بينهم تعرف بالمعهد والذي عرف فيما بعد اكتشافه انه احد اوكار قوات التحرير الشعبية ... وقف يسار بجوار دكان صافي متفقدا الدورية واذا بعدد الفدائيون ليس كما كان في بدئ انطلاق الدورية من الذين كانت ظهورهم ملازمة للجدار الشمالي ... يسار .. بينه وبين نفسه "وين الشباب مثل درس ملح وذابوا ؟؟" في ذلك الممر المؤدي الى المعهد كان قد قتل بالأمس أحد العملاء " أبو قرله " توقف يسار هنيهة وهو امام المقاتلين فاحصا منحنيات وازقة البيوت تحسبا من وجود كمين هنا او كمين هناك قائلا .. "وينك يا ضزوي ... الله يسامحك ما خليت احد من شرك ". وعندما وصل المقاتلين الى أطراف اماكنهم الآمنة اشاروا الى يسار ان باستطاعتك العودة. يسار ... تعني عودته الذهاب الى الاماكن التي جعلت منها البورات والمجنزرات اماكن لكمائنهم ... فالتبة التي كانت قبل دقائق محطة للمقاتلين ......باتت محطة لجنود الاحتلال. "وين بدك اتروح يا يسار" ... يتبع ..