نتسول وطن أم نملأ الدنيا ضجيجاً؟

حجم الخط
تحت ظلام الليل تتسلل إليهم نسمات الذكريات ... تجتاز كل حواجز الموت السريع والأسلاك المكهربة... تدخل إلى غرفهم بهدوء وسكينة وتحتضنهم كي يناموا ... فيصبح النوم مستحيلاً... يعيدون ركوة القهوة ألف مرة و ينفثون سجائرهم ألف ألف مرة ويبتسمون... وبهدوء تتسلل أياديهم إلى صور أحبتهم ليحدثوها عن شوقهم الكبير ... فتستيقظ الذاكرة... ومن خلال مربعات دقيقة يطلقون عليها مجازاً نوافذ يحاورون النجوم .... في احدى المرات اخبرتني نجمة جميلة بعيدة, إن الشمس وشوشتها شوقها الكبير لنا ... في البداية ضحكت ولم أصدقها , ولكنني تذكرتها عند أول لقاء بالشمس, حيث احتضنتني خيوطها وقالت لي بهمس ألم تقل لك النجوم أنني اشتقت لكم ... ومن وقتها حاولت عبثاً البحث عن تلك النجمة البعيدة الجميلة دون جدوى...فللنجوم كبرياء لا يوصف. مئات المؤسسات وآلاف الوظائف والرواتب والكراسي والمكاتب , باسم الأسرى ولا نسمع لهم إلا جعجعة بغير طحين... أصبحت هذه المؤسسات من ملوثات البيئة وعبئاً على الأسرى وذويهم... يموت الأسير ولا نسمع سوى التعازي والتباكي ... وتصرخ أمعاء الأسرى شهوراً وننتظر أن يموت لنعد له الجنازة والرثاء... وزيارة قصيرة لقبره الصغير, فنحن نعيش في وطن يمتاز بسفراء لا يعرفون الأسرى, ووزراء لا يعرفون الأسر. أمهات الأسرى يعددن لأبنائهن فطور الصباح كل يوم وفنجان قهوة, ولا يعودون, ولا يمللن هذه العادة فهي سر الصبر الكبير بانتظار حدقات العيون. إعلام لا يذكر سوى اسم من استشهد منهم أو من شارف على الموت, اعلامنا يعمل فقط كردة فعل لأصحاب الفعل الكبير, وعلى العهد باقون. أيها الأسرى أزيلونا من زوايا ذاكرتكم وانفضونا كغبار لعين من حساباتكم الكبيرة, وامضوا في الطريق المعاكس لنا, فهناك القدس ووطن ينتظركم, فقد تهنا وسرنا في متاهات السياسة وتفاهات الخطابات العقيمة. طريقكم توصل لفلسطين, و طرقنا كثيرة, أقصرها توصل إلى اجتماعات بالسر لتصفية القضية وأطولها إلى قاعات فارغة من الكرامة والصدق تسمى أمماً متحدة. أصبحنا موهوبون بالتسول على أبواب مؤسسات عالمية اهترأت , والركض وراء سراب في صحراء الكذب العربي والمؤامرات الكبيرة, بينما العنوان أنتم وطريقكم . لم أكتب لكم بمناسبة الذكرى الثانية عشره لانتفاضة الأقصى, فبالنسبة لكم هي لم تنتهِ وما زالت تثور بركاناً في قلوبكم وزنازينكم, ومازلتم تلقنون سجانيكم دروس بالصمود والثبات, بأمعاء خاوية وعزيمة لا تنضب. وما زال الغاز اللعين يسكن هوائكم, وهراوات السجان تحفر في أجسادكم طرقاً أقصر للوطن, وتستمرون بالكفاح بأدواتكم الشحيحة وإصراركم الكبير على الانتصار. أحمد العربي ما زال يستصرخنا وما زال ينادي من زنزانته أن اتحدوا, ويعيد الدرس ألف مرة, ولكن رموز الانقسام مصرين على الانحياز لمصالحهم الشخصية متناسين شعباً ووطناً وقضية. أحمد العربي يعرف الدرب جيداً ويعرف العدو جيداً, ويدعونا للسير معه منطلقاً من بوصلة واحدة, لا تشير سوى لفلسطين ولا شيء غير فلسطين . ترى سنظل نتسول وطناً, ونشحد أرضاً هي لنا, أم أننا سنصحو ذات يوم قريب متحدين في طريق الثورة نحو فلسطين الجميلة, ننحاز لدم الشهيد ووصاياه, ولعذاب الأسير وتضحياته. إذاً, فلنطرق جدران هذا العالم غضباً, ولنملأ الدنيا ضجيجاً لنعيد للتاريخ مجداً فقدناه , وللأرض أملاً في الحرية والانتصار.