تُبثت إسرائيل يوماً بعد يوم استراتيجيتها فيما يتعلق بالمناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967, والتي تتمثل في مصادرة أكبر جزء من أراضيها وبقاء السلطة مقتصرة على الإشراف على الشؤون الحياتية والإدارية للفلسطينيين فيها, دون أية سيادة فعلية لا على المعابر ولا على الأرض وما تحتها , ولا على البحر أو الجو, مع التنكر الكامل للحقوق الوطنية الفلسطينية, وفرض المزيد من الشروط التعجيزية على الفلسطينيين , مقابل إعطاءهم حكماً ذاتياً هزيلاً لا يُسمن ولا يُغني من جوع.
لقد طلع علينا إيهود باراك وزير الحرب الأسرائيلي, بدعوة جديدة تتمثل في:تطبيق إسرائيل لإنفصال أحادي الجانب عن مناطق في الضفة الغربية, وترتكز على: اخلاء بضع مستوطنات من تلك التي أقامها المستوطنون اليمينيون خارج سياق الخطة الاستيطانية للحكومة(التي يوافق مستوطنوها على الإخلاء) , والإبقاء بالطبع على الكتل الاستيطانية الضخمة وضمها إلى إسرائيل , وسيطرة الجيش على المناطق المرتفعة في الضفة الغربية.وذلك وفقاً لصحيفة"إسرائيل اليوم" في مقابلة معه نشرتها الثلاثاء 25 سبتمبر الحالي.
أما المستوطنات الصغيرة التي ما تزال قائمة"خلف الجدار" في الضفة الغربية والتي يرفض مستوطنوها الإخلاء , فيمكنهم البقاء فيها مدة خمسة سنوات ومن ثم يقررون إذا ما كانوا يرغبون بالبقاء تحت حكم فلسطيني ,وبذلك تكون إسرائيل وفق أقوال باراك"قد احتفظت بــ90% من المستوطنات على أن تبقى القوات الإسرائيلية في غور الأردن وفي قمم الجبال العالية في الضفة الغربية( كما ذكرنا ).
بدايةً،(نشكر) باراك على هذا(الكرم) الإسرائيلي الذي هو فعلياً يُبقي على الوضع القائم ويجعل من الأراضي المتبقية للفلسطينيين في الضفة الغربية (وهي 42% فقط من مساحة الضفة الغربية) ملعباً ومرتعاً للقوات الإسرائيلية, تدخلها متى شاءت وبالطريقة التي ترتئيها في ممارسة ديماغوجية تُبقي على الاحتلال ولكن بطريقة غير مباشرة , تماماً كما هو الوضع في غزة(التي انفصل عنها شارون) والتي بقيت محتلة،مع فارق أن إسرائيل ونظراً للكثافة السكانية الفلسطينية الكبيرة في القطاع،اضطرت إلى إخلاء البؤر الاستيطانية على أراضيه.أما الضفة الغربية(يهودا والسامرة في الاعتقاد الإسرائيلي) فستبقى على أراضيها 90% من المستوطنات(وهي التجمعات الاستيطانية الكبيرة)وهذه ستنضم إلى إسرائيل , أما المستوطنات الصغيرة فسيخيّر مستوطنوها بين إخلائها وبين البقاء فيها،فالتي يوافقون على الخروج منها يتم فكفكتها أم الذين يرفضون فسيظلون في مستوطناتهم بمعنى أن المستوطنات على أرض الواقع ستظل كما هي!.
طبعاً خطة باراك الجديدة لم تذكر شيئاً عن القدس ولا المستوطنات التابعة لها , ففي الإيمان الصهيوني ستظل(العاصمة الموحدة الأبدية لإسرائيل).المدقق في دعوة باراك يلحظ:انها تكرار نسخي كربوني عما يعتقده نتنياهو والليكود, لكن مع تعديل طفيف عنوانه(خطة فصل جديدة مع الضفة الغربية).ومع ذلك ووجهت دعوة باراك بانتقادات شديدة من أطراف عديدة وعلى رأسها الليكود،فقد صرّح الوزير الإسرائيلي في الحكومة عن حزب الليكود يولي أدلشتاين:"أن باراك يواصل ارتكاب أخطاء الجندي الصغير،فبعد أن دعم كارثة اتفاقيات أوسلو وعمل على تنظيم الهروب من لبنان،ودعم الانفصال عن قطاع غزة،فإنه مستعد الآن لتشكيل خطر على ملايين الإسرائيليين من أجل أن يعبر نسبة الحسم في الانتخابات البرلمانية".أما النائب دان دنون رئيس حركة"الليكود العالمية" فقد صرّح قائلاً:" ان الانفصال الوحيد الذي يجب أن يكون هو انفصال باراك عن منصبه فهو اليائس".في نفس السياق وبكلمات أفظع وأشد تعبيراً جاءت ردود فعل الأحزاب اليمينية الإسرائيلية في الاتئلاف الحكومي القائم.
نسوق ما ذكرناه لتأكيد الحقيقة: أن إسرائيل لا يمكنها إلا أن تكون إسرائيل،فرغم حرص باراك على إبقاء(القدس موحدة) وعلى إنكار حقوق الفلسطينيين في العودة،وتاكيده على أن لا انسحاب من مناطق عام 1967،وعلى إبقاء المستوطنات على ما هي عليه وضمها لإسرائيل،وأن لا سيادة للفلسطينيين على مناطقهم من خلال إبقاء القوات الإسرائيلية في غور الأردن وعلى رؤوس الجبال, فإن الائتلاف الحكومي القائم في الدولة الصهيونية رفض بشدة دعوة وزير الحرب باراك .مالذي يعنيه هذا؟.
باختصار:الإسرائيليون في معظمهم يرون الفلسطينيين(عبيداً) لهم،ولا يستحقون حتى الحكم الذاتي!يرون أن(يهودا والسامرة)هي أرض(إسرائيلية)!ويرون أن إسرائيل تعتبر(متنازلة عن حقوقها) إن سمحت للفلسطينيين بالعيش في الضفة الغربية ,ولذلك من الطبيعي والحالة هذه أن يطالب البعض الإسرائيلي بإجراء ترانسفير لهم،من الأرض(الإسرائيلية).هذا يعني أيضاً:أن كل الأراضي الفلسطينية(خارج إطار السكن) ستجري مصادرتها وزرعها بالمستوطنات ,بحيث لا يظل للفلسطينيين متر مربع واحد غير بيوتهم التي يسكنونها.هذا الجشع الشايلوكي الإسرائيلي هو الذي يتردد الآن في إسرائيل،ولا نسمع صداه كفلسطينيين فحسب،وإنما كعالم عربي من المحيط إلى الخليج،وكعالم على سطح الكرة الأرضية،تبقى الأسئلة أمثل هؤلاء سيطبقون سلاماً عادلاً مع الفلسطينيين أو العرب؟هل مثل هؤلاء سيتخلون طائعين عن الضفة العربية وقطاع غزة؟هل ستجنح إسرائيبل في يوم من الأيام(واليمين يتزايد فيها) للسلام؟أسئلة نطرحها على كل المعتقدين بإمكانية السلام مع إسرائيل!.
* * *