أيلول في الذاكرة الجمعية الفلسطينية

حجم الخط
يحمل الشعب الفلسطيني في كافة أماكن وجوده ذكريات وأحداث كبرى في هذا الشهر تركت بصماتها على ذاكرته الجمعية، حيث حصلت أحداث أيلول عام 1970 في الأردن بكل ما حملته من معانٍ وعبر للقيادة السياسية والشعب الفلسطيني. كذلك مجازر صبرا وشاتيلا والتي راح ضحيتها الآلاف من الشهداء من أبناء شعبنا الفلسطيني واخوانهم اللبنانيين والعرب وجرت بحماية ورعاية صهيونية واتفاق أوسلو المشؤوم الذي قسم الشعب والثورة وألحق أفدح الأضرار بالوطن والقضية والخروج الفلسطيني من بيروت عام 1982. تلك الأحداث تتراوح مفاعيلها بين الآلام والجراح والتحول التي خلفتها بين مشاعر الصمود والإصرار والثبات والتمسك بالحقوق الوطنية والتاريخية والاستعداد لتحمل كافة المشاق والصعاب من أجل الحرية والعودة إلى وطننا فلسطين وديارنا التي اضطررنا لتركها عنوة وبقوة السلاح والمجازر. فشعب فلسطين أصبح نموذجاً للشعوب القادرة على مواجهة الأخطار والأجندات والمخططات الاستعمارية الكونية بكل تشابكاتها الإقليمية دون أن تتمكن من النيل من قناعته وإصراره على الذود عن حقوقه الوطنية المشروعة غير القابلة للتصرف. هذا الشعب ما زال يمثل بإصراره وتمسكه وتشبثه بحقوقه نموذجاً لقوة الحق وعدالة قضيته وقدرتها على تخطي كل العراقيل والصعوبات والعقبات التي يضعها المعسكر المعادي لتطلعاتنا وحقوقنا المشروعة. فأحداث أيلول 1970 في الأردن شكلت الاختبار الأول للقيادة الفلسطينية حول مدى قدرتها على استيعاب الدروس والعبر التي خلفها فقدان المساحة الكبرى للنضال التحرري الفلسطيني حيث تمتد حدود الأردن لأكثر من 650 كم مع الكيان الصهيوني وهي: أولاً: إشكالية العلاقة مع النظام السياسي الذي يمارس الفلسطينيون نضالهم ضد الكيان الصهيوني من على أرضه القطرية والمساحة المتوفرة لحرية العمل الكفاحي والسياسي الذي تتسع له دائرة النظام السياسي العربي حيث نلمس غياب الحريات والديمقراطية وسيطرة النظرة الأمنية لعلاقة الحاكم بمواطنيه. ثانياً: إشكالية حل العلاقة الملتبسة مع القوى الوطنية في الساحة الأردنية حيث طغى الكفاح المسلح والحماسة التي رافقت انطلاق ظاهرة الكفاح المسلح الفلسطيني بعد النكسة ومدى الالتفاف الجماهيري الفلسطيني والعربي خلف ظاهرة المقاومة الفلسطينية مما أفقد القيادة السياسية الفلسطينية القدرة على إقامة علاقة متوازنة وعضوية مع الحركة الوطنية الأردنية واعتبارها ملحقاً للظاهرة الفلسطينية بدلاً من إقامة علاقات استراتيجية تعطي الفرصة الأكبر للعمل الجماهيري في الساحة الأردنية للقوى الفلسطينية والأردنية وهذا لم يحصل. ثالثاً: غياب رؤية موحدة لحل إشكالية ازدواجية السلطة حيث ارتفعت سلطة المقاومة مع غياب الضوابط لتطغى في أحيان ومناسبات كثيرة على سلطة الدولة الأردنية، مما أفسح المجال لتأليب قسم هام من الشعب الأردني على المقاومة باستغلال الأخطاء وغياب موقف موحد من كيفية معالجة هذه الازدواجية وتبعاتها على الشارع ومستقبل النظام الأردني. رابعاً: مواجهة إشكالية الخروج وما رافقه من نزوح جماعي لعائلات أعضاء المقاومة بكافة تشكيلاتها والمنشقين عن الجيش الأردني ولا زالت آثار تلك المرحلة تلقي بظلالها على أبناء وأحفاد تلك العائلات حيث وجد قسم كبير منهم أنفسهم بلا أوراق ثبوتية ومضطرين للبقاء في أماكنهم في سوريا ولبنان دون أية بوارق أمل لحل مشاكلهم المختلفة. والخروج من بيروت الذي مثل بداية وضع حد لظاهرة المقاومة في الخارج والسير بتوجهات جديدة تنطلق من ضرورة إعطاء العمل السياسي والدبلوماسي الجهد الأساس والرئيس لجزء من الحركة الوطنية الفلسطينية والتي تمخض عنها: أولاً: تشتيت القوات الفلسطينية في أصقاع بعيدة عن فلسطين وإقامتها في معسكرات في الجزائر، والسودان، واليمن، وانعكاسه على تراجع دور المقاومة وفعلها على الأرض لتكون نواة الجهاز الأمني الفلسطيني في المستقبل. ثانياً: تزايد وتعاظم واشتداد الخلافات السياسية في أوساط حركة فتح تمخض عنها قيام حركة احتجاجية مثلت عند انطلاقتها ضميراً حياً للحركة رافضة ً توجهاتها السياسية ورؤيتها للدور النضالي للحركة بغض النظر عن المآلات التي وصلت إليها تلك الحركة، إلا أنها ضمت في صفوفها أفضل الكوادر السياسية والعسكرية المناضلة وبداية حصول خلاف وطني عريض على التوجهات والرؤى السياسية ولم ينته إلا في اتفاق القاهرة وعدن والمجلس الوطني في الجزائر. اتفاق أوسلو شكل هذا الاتفاق ضربة موجعة للنضال الوطني الفلسطيني التحرري وكلف الساحة الوطنية أوزاراً لا زالت آثارها ماثلة حتى يومنا هذا وأبرز وأهم نتائجه هي: 1- انقسام حاد في صفوف الشعب والقوى الوطنية ساهم في إضعاف العمل الوحدوي المشترك وألقى بظلاله على الحال الوطني حيث ما زال الانقسام والتبعثر وغياب الرؤية الوطنية المشتركة للمخاطر وسبل مواجهتها، مما ألحق أفدح الأضرار بواقع الحركة الوطنية وتشكيلاتها الجامعة وأفقدها قدرتها على أن تشكل إطاراً جامعاً وتمثيلياً للتجمعات الفلسطينية في الداخل والخارج. 2- الاتفاق ساهم في إحداث شرخ عميق بين التجمعات الرئيسية (الشتات وأراضي 67 وفلسطينيي 48) وتطلعاتها المشروعة في توحيد الرؤية الاستراتيجية الوطنية للتحرر، وأضعف مستوى الالتفاف الجماهيري حول المؤسسات الوطنية الجامعة (م.ت.ف) والفصائل بشكل واضح وجلي. 3- مكن هذا الاتفاق العدو الصهيوني وحلفائه من تنفيذ مخططاتهما التوسعية بأقل التكاليف على مستوى ردة الفعل الفلسطينية والإقليمية والدولية حيث جرى إقامة جدار الفصل العنصري، وتوسيع المستوطنات، وتهويد القدس، ونهب المياه، وإعادة احتلال الضفة وحصار غزة والاعتداءات والجرائم التي لا تحصى ضد شعبنا في الضفة والقطاع واستصدار قوانين عنصرية فاشية ضد أهلنا في مناطق 48. 4- غياب النصوص الواضحة مكن الكيان من إطالة ما يسمى بالمفاوضات دون تقديم أية تنازلات بوادر حسن نية وإعاقة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة واتخاذ خطوات أحادية ساهمت في إرباك الوضع العام وتأزمه. وأحداث صبرا وشاتيلا بمأسيها وقساوتها شكلت صدمة قوية لأصحاب الضمائر الحية في العالم ومثلت ذروة الهمجية الصهيونية والتي قتلت الآلاف من الفلسطينيين واللبنانيين والعرب شيوخاً ونساءً وأطفالاً بدم بارد على أيدي حلفائهم الصغار من القوات اللبنانية ولكن بشاعة الجريمة كانت بعدم قدرة المجتمع الدولي ومؤسساته التخصصية من محاسبة مرتكبي هذه الجريمة الفعليين وهم: شارون وشامير وبيغن والقيادة الصهيونية التي رعت وأشرفت على كل تفاصيل هذه الجريمة النكراء والعدالة ما زالت غائبة. فمسؤولية كل الأحرار ومناصري الحرية والعدالة متابعة ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة بدلاً من التغطية على جرائمهم التي تفوق كل تصور وما زالت صور الضحايا شاهداً على بشاعة الجريمة والفلسطينيون مدعوون لبذل كل جهد من أجل أن تتمكن العدال من أخذ مجراها ضد هؤلاء القتلة المجرمين. تلك الأحداث لم تنل من عضد شعبنا وتمسكه وتشبثه بكامل حقوقه التاريخية في وطنه فلسطين، فعدم استجابة البشرية ومؤسساتها وهيئاتها الدولية لمسؤولياتها التاريخية والأخلاقية والقانونية ستعني المزيد من النضال والكفاح على كافة الصعد والمستويات للوصول إلى اختراق جدار الصدّ الذي تمثله الصهيونية وحلفاؤها لمنع مناصرة العالم لحقنا العادل والمشروع في العيش بحرية وكرامة فوق أرضنا وعلى ثرى وطننا فلسطين. تلك هي الرسالة الحضارية والإنسانية لشعب تكالبت كل الظروف ضد حقوقه ومصالحه، لكنه بقي متمسكاً بالأبعاد الأخلاقية والإنسانية والحضارية لثورته وحقوقه.