زيارة أمير قطر لقطاع غزة: الضجيج الإعلامي الأهداف.. التوقيت

حجم الخط
حل أمير قطر "ضيفا" على قيادة حركة حماس في قطاع غزة يوم 23/10/2012، في زيارة خاطفة، مبرمجة، محدودة ومحددة، استغرقت ستة ساعات فقط، قام خلالها الأمير بتدشين عدد من المشاريع التي تدخل تكلفتها المادية في غالبيتها بالتزام إمارة قطر ضمن ما هو مقرر في قمة إعمار غزة بعد ذلك العدوان الإسرائيلي الدموي التدميري الذي تعرض له القطاع في الأيام الأخيرة من عام 2008 واستمر ثلاثة أسابيع. كثيرة هي الأوصاف والتقييمات التي رشقت أو طوقت بها تلك الزيارة: زيارة ملتبسة، زيارة غامضة، غريبة، داعمة لصمود أهالي القطاع، داعمة لقيادة حركة حماس طعنت بنتائجها وحدانية التمثيل الفلسطيني، تعزز أو تشجع الانقسام... الخ. لكن وقبل المساهمة في قراءة ما لها وما عليها، هناك بطبيعة الحال العديد من الأسئلة الباحثة عن أجوبة حول هذه الزيارة، ومنها: لماذا هذه الزيارة؟ ولماذا الآن بعد أكثر من ستة سنوات من الحصار الذي فرضته إسرائيل ومن يدعمها على القطاع، هل يمكن فصل أهدافها عن المواقف القطرية؟ هل هناك تغير في تلك المواقف أم أنه يستحيل فصل هذه الزيارة وأهدافها عن مجمل "سياسة" الإمارة والتزاماتها أو ارتباطاتها الدولية قبل الإقليمية؟... بكل الأحوال لا يمكن عزلها عن زمانها، أو عن تلك التطورات التي حصلت وتداعياتها، أو تلك التي لا زالت جارية: أولا، من المعروف أن إمارة قطر قد حاولت حفر حضور لها في إطار أحداث السنتين الأخيرتين التي حفلت بها منطقتنا العربية، بتجاوز حدود ما هو معروف عنها كـ"بنك تموين" يستخدم فائض الأموال لتحقيق ذلك الحضور المبهم، وربما نظلم الإمارة إذا قلنا أنها صنعت سياسة لافتة في هذه التطورات أو الأحداث، بل إنها قد نفذت سياسة، حاولت ضمن ذلك تمييز موقفها، إلا أنها بقيت في ذات المربع. للتوضيح نسجل بعض المشاهد: * مشاركتها "العسكرية" في الهجمات العدوانية التي شنها حلف الناتو ضد ليبيا، وهي مشاركة هامشية لا ترى بالنسبة لصانعي هذه الحرب العدوانية، لكنها كانت جزء من غطاء عربي للعدوان يكاد يكون شكليا، عدا عن كونه استجابة لإملاءات الغرب الاستعماري والإدارة الأمريكية على وجه الخصوص. * دعمها اللا محدود، رفقة شريكيها الغرب الاستعماري والإدارة الأمريكية، للمعارضة السورية المسلحة، لدرجة أن أصبحت المعركة تخضع لقرارات واعتبارات العامل الخارجي أكثر منه داخليا، بل إن نتائج هذا "الصراع"، كما تشير المعطيات التي نشاهدها يوميا على شاشة التلفزيون، هو تدمير سوريا كدولة، مؤسسات، جامعات، بنية اقتصادية وجيش...الخ، بالتالي يصار إلى وضع سوريا ضمن احتمالات أمريكية، في أولها وبعد أن تكون سوريا مثقلة بجراحها النازفة من كل جسدها ومحطمة يتم نقلها إلى مربع السياسة الأمريكية. وثاني هذه الاحتمالات هو أن تستمر تغذية القتال الداخلي عبر إمداده المتواصل بـ "المتطوعين المشوهين" مع ضخ المال والسلاح عبر الحدود التركية المفتوحة على مصراعيها بالتلازم مع توفير كل المساعدات اللوجستية أمام هذا الفريق.. الخ مع تفعيل الحدود السورية مع الدول الأخرى، من أجل إطالة أمد القتال الداخلي إلى أطول فترة ممكنة، بوجهة تحييد سوريا وانتزاعها عمليا من خارطة الصراع في المنطقة، هذا هو ما تريده الإدارة الأمريكية بأدواتها وشركائها من حيث الجوهر لسوريا كدولة، كتاريخ، كجزء حيوي وأساسي من المنطقة العربية وكحضارة.. لكن هل تكون هذه الأهداف قدرا، أم أن هناك إمكانية جادة لإفشالها ومن ثم تحقيق أهداف ومصلحة الشعب العربي السوري ليقرر مصيره بنفسه، لأن هذه الحرب التدميرية التي تتعرض لها المدن السورية وبشكل أساسي مدينة حلب ليس لها علاقة بالحرية أو الديمقراطية التي تحتاجها فعلا شعوبنا... الخ، وهنا أيضا فإن هذه الإمارة القطرية ومن انغمس معها في مجرى المخطط الأمريكي الغربي الاستعماري ينفذون سياسة ولا يصنعونها. إن محاولات هذا الحلف غير المقدس لإغراق شعوبنا في حمام الدم وحرف أهداف الحراك الشعبي مرتبطة بشكل وثيق بمسعى هؤلاء الاستعماريون للحفاظ على مصالحهم السياسية، الاقتصادية والأمنية في منطقتنا. من المؤسف أن هذه الإمارة شريكة في حمامات الدم تلك، إنها قناعة قطاعات واسعة من شعوبنا. فهل تكون زيارة غزة حاجة ومطلبا ملحا على طريق تلميع المواقف القطرية التي تبدو للعيان بأنها تجمع بين المواقف المتناقضة لكنها في نهاية الأمر تنفذ سياسة. ثانيا، صحيح أن هناك علاقة وطيدة وملتبسة أيضا بين حركة حماس وإمارة قطر، لكن هذه الزيارة لم تتم إلا بعد أن طرأت بعض التحولات الواضحة في مواقف الحركة التي تنفرد بحكم قطاع غزة، حيث اتخذت موقفا يعتبر بشكل موضوعي داعما للموقف التركي السعودي القطري اتجاه المعضلة السورية، عبّر عن ذلك بشكل جليّ في كلمة السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة، "حتى هذه اللحظة"، داخل مؤتمر حزب العدالة والتنمية التركي الذي يرأسه أردوغان وهو الحزب الحاكم في تركيا، هل يعقل أن يكون هناك شراكة في المواقف السياسية أو حتى تقاطع بين الحركة كجزء أساسي من حركة التحرر الوطني الفلسطيني وبين إمارة قطر وغيرها.. وبالذات اتجاه مشكلة بحجم المشكلة السورية التي تعني كل مواطن فلسطيني وعربي، بل وأبعد من ذلك هناك تخوفات ملخصها أن نكون أمام حالة استدراج أو تدحرج موضوعي في مواقف الحركة باتجاهات يتوجب التنبه لها، لأن هذا المنحى يرتبط به الكثير من الخطوات التي قد تصب من حيث لا يدري أصحابها في اتجاه دفع قطاع غزة إلى مربع خارج المشروع الوطني الفلسطيني، بالتالي توليد أو تشجيع النزعة الاستقلالية لدى بعض الاتجاهات. ثالثا، تزامنت زيارة أمير قطر مع فترة يخوض بها الوضع الفلسطيني معركة سياسية في حال نجاحها قد تساهم في نقله إلى وجهة سياسية أخرى، إنها معركة الحصول على العضوية غير الكاملة في منظمة الأمم المتحدة، وهو أمر ترفضه الإدارة الأمريكية دعما لإسرائيل، وأمعنت في معارضة الخطوة الفلسطينية من أجل إفشالها، في هذا السياق مارست ضغوطا على مختلف البلدان وعممت رسالة تطالب بها عدم التصويت لصالح المقترح الفلسطيني، وتعرض الوضع الفلسطيني لحصار اقتصادي من الإدارة الأمريكية، لذا فإن الفلسطينيين باحتياج إلى وحدة جهودهم وعدم المساهمة في تشتيتها لأن إحدى مقومات الطعن الأمريكي الصهيوني هو الادعاء بعدم توفر الوحدة الإقليمية بمعناها السياسي والهيكلي الإداري بين الضفة وغزة "أو مشروع الدولة"، بهذا المعنى قد تفسر زيارة الأمير بهذا الاتجاه. إن المطلوب بهذه الفترة عدم حرف الأنظار عن هذه المعركة السياسية التي يتوجب دعمها من المؤسسة العربية الرسمية وليس تبريدها كما يعمل به البعض انسجاما مع الرسالة الأمريكية. إن شعب فلسطين يرحب بكل أشكال الدعم لتعزيز مسيرته التحررية الوطنية وهو معطى يقدره، ويطالب بتحقيق قرارات القمم العربية ذات الصلة بهذا الشأن وفي المقدمة منها إعمار القطاع.. لكن قبل هذا وبعده نقول إن القضية الوطنية لشعب فلسطين ونضاله الدؤوب لتحرير وطنه باحتياج إلى الدعم السياسي أولا ورفض السياسة الأمريكية المعادية لحقوق الشعب الفلسطيني والداعمة لدولة الاحتلال الصهيوني الإجلائي، وثانيا تريد موقفا داعما لحق الشعب الفلسطيني وقواه المكافحة في ممارسة كافة أشكال المقاومة، وثالثا، تريد فتح سوق العمل أمام الأيدي العاملة الفلسطينية التي تعاني من البطالة ومن قهر الاحتلال، ورابعا، تريد الدعم الجاد في بناء اقتصاد وطني فلسطيني مستقل، خامسا، تريد مقاطعة الكيان الصهيوني وعدم تطبيع العلاقة معه وقطع العلاقات الاقتصادية وبالذات الاستثمارية، سادسا، تطبيق وتنفيذ القرارات العربية الخاصة بدعم الشعب الفلسطيني. ----------- * ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في جمهورية الجزائر الشقيقة