ثمنُ الوَحْدة أقلُ بكثيرٍ من ثمن الانقسام

حجم الخط
تناقلت وكالات الأنباء ووسائل الإعلام وتسربت معلومات عن حدوث اختراق في ملف المصالحة الوطنية، ثم بدأنا نشهد حملة إعلامية مضادة تنفي حدوث التقدم وتقلل من فرص نجاح اللقاء القادم بين الرئيس عباس وخالد مشعل.ينبع التفاؤل من الحديث عن تجاوز عقدة سلام فياض والشروع في البحث عن أسماء أخرى خلال لقاءات سرية عقدت بين الأحمد وأبو مرزوق برعاية مصرية، ومن مطالبة فياض الفصائل بالتوافق على رئيس وزراء جديد، مصححًا بذلك الوضع الذي ظهر فيه التمسك به كأنه عقدة العقد التي تحول دون تطبيق اتفاق المصالحة. صحيح إن التمسك بفياض كانت إحدى العقد، لكنها ليست العقدة الرئيسية، ما يفرض العمل الجاد لتجاوز هذه العقد وليس تجاهلها، وكما يفرض على فياض الانسحاب من رئاسة الحكومة بصرف النظر عن نجاح القمة أو فشلها، لأن استمراره بعد إعلان تجاوزه من الطرفين سيظهر بالرغم من نفيه باعتباره مفروضًا من الخارج.أما المتشائمون والمرعوبون من المصالحة فعزفوا الإسطوانة المشروخة "إياها" التي تروج لاستحالة المصالحة ما لم توافق "حماس" على تبني حكومة الوفاق لشروط الرباعية، لأنها إن لم تفعل ذلك ستفرض الحصار والمقاطعة على الفلسطينيين، وستزيد أعباء الموازنة بـ 40 – 50 مليون دولار على الأقل وهي تكلفة دمج موظفي "حماس" في السلطة الفلسطينية.يعزز موقف المشككين بداية تحرك أميركي – إسرائيلي سري وعلني يهدف إلى إجهاض تطبيق اتفاق المصالحة، حيث هددت واشنطن بقطع المساعدات، كما هددت تل أبيب بتجميد تحويل العائدات إلى الأبد، وقطع علاقتها مع السلطة إذا تم تشكيل حكومة من دون أن توافق على شروط الرباعية.السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل سيتم الرضوخ لهذه الضغوط والتهديدات هذه المرة، كما جرى في المرات السابقة، مثلما تم التراجع عن إعلان صنعاء وحوار القاهرة في العام 2009. منذ التوقيع على اتفاق المصالحة في الرابع من أيار حتى الآن، جمد الاتفاق خشية من إمكانية يؤدي تطبيقه إلى قطع المساعدات والعلاقات ووقف تحويل العائدات الفلسطينية، وإلى إفشال الجهود الرامية إلى استئناف المفاوضات، وانتظارًا لما ستؤول إليه الثورات العربية والمتغيرات الإقليمية والدولية.رب ضارّة نافعة، فقد تم تجميد المساعدات الأميركية ووقف تحويل العائدات الفلسطينية من قبل إسرائيل قبل لقاء القاهرة القادم، ومن دون تطبيق اتفاق المصالحة، وأشهرت الإدارة الأميركية الفيتو في وجه الطلب الفلسطيني في مجلس الأمن، وعطلت حتى الآن إمكانية الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة كي يعرض للتصويت، وأوقفت أميركا مساعداتها لليونسكو لأنها منحت فلسطين العضوية الكاملة خلافًا للإرادة الأميركية والإسرائيلية، وهذا يضع القيادة الفلسطينية أمام خيارين: الأول، أن تمضي نحو المصالحة مهما كان الثمن وإن على مراحل، لأنه سيكون أقل بكثير من ثمن استمرار الانقسام، والثاني، الخضوع للضغوط الأميركية والإسرائيلية وفقدان ما تبقى من شرعية ومصداقية.إن النظر إلى إنجاز الوحدة الوطنية كمجرد خيار من الخيارات وليس ضرورة وطنية لا غنى عنها، أو كمجرد ورقة للتهديد من أجل استئناف المفاوضات وتحسين شروطها، أو كمجرد خطوة تكتيكية على طريق تغيير القيادة الفلسطينية بحيث تنتقل من حركة فتح إلى حركة حماس؛ أدى وسيؤدي إذا استمر إلى فشل جميع الجهود والمبادرات الرامية إلى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة.إن الوحدة الوطنية قانون ملزم للشعوب الواقعة تحت الاحتلال إذا أرادت التحرر الوطني والاستقلال.فالاحتلال ضد الجميع ولا يفرق بين فتح وحماس ومستقل، وبين معتدل ومتطرف؛ لأنه احتلال استيطاني عنصري إجلائي، ومتفرعًا عن مشروع صهيوني قام على فكرة إقامة دولة إسرائيل الكاملة من البحر إلى البحر كحد أدنى، وبالتالي كانت إقامة إسرائيل في العام 1948 مجرد مرحلة، فالمشروع الصهيوني طبيعته عدوانية وأهدافه جذرية، فلا يمكن عقد تسوية معه بالمفاوضات وبإظهار النوايا الحسنة وبناء المؤسسات وإثبات الجدارة، وإنما بتغيير موازين القوى بشكل جوهري إلى حد يصل إلى فرض تراجعه، وإن عدم القبول بتسوية يعني تهديد وجود إسرائيل كليًا.حسنًا، إن لقاء عباس – مشعل لن يغرق في البحث في تفاصيل اتفاق المصالحة لأن معظم بنوده تتناول الإجراءات والتفاصيل، وتجنبت المضمون السياسي الذي من دونه لا يمكن إنجاز المصالحة، وإذا أنجزت لا يمكن أن تصل إلى حل مستدام، وإنما إلى هدنة مؤقتة سرعان ما ستنهار أو تقود إلى انتقال من حالة الانقسام إلى حالة من الاقتسام التي تحافظ على الانقسام وتغطيه من خلال تشكيل حكومة ولجان أمنية وغيرهما، أو من دون تشكيل حكومة باستمرار الوضع الحالي بوجود حكومتين واتفاق مصالحة لا ينفذ.لا بد من الاتفاق على طبيعة المرحلة والتحديات والمخاطر التي تواجهها القضية الفلسطينية وكيفية التصدي لها، وعلى أشكال العمل والنضال وموقع السلطة في النظام السياسي الفلسطيني وهل يمكن أن تستمر كما هي عليه، أم لا بد من البحث على الأقل في تغيير شكلها ووظائفها والتزاماتها بحيث تكون أداة من أدوات المنظمة التي يجب أن يعاد تشكيلها وفقًا لإعلان القاهرة 2005 واتفاق المصالحة 2011، بحيث تضم مختلف ألوان الطيف السياسي، وتخدم البرنامج الوطني القادر على تحقيق الأهداف الوطنية.إن هناك فرصة للاتفاق وتقدمًا ملموسًاعلى طريق إنجاز الوحدة الوطنية يرجعان إلى اهتمام مصر بإحراز تقدم فيه، خصوصًا قبل أن تنشغل أكثر بأوضاعها الداخلية بعد الشروع في الانتخابات المصرية في نهاية الشهر الحالي، ولأن فتح وحماس وكل الأطراف الفلسطينية مأزومة، فكل طرف بحاجة إلى الأطراف الأخرى، فلا المفاوضات نجحت أو قابلة للاستئناف، وإذا استؤنفت فليس من المتوقع نجاحها، والمقاومة معلقة لأن ثمنها في غزة مرتفع جدًا، ولأن المقاومة الشعبية تحولت في الضفة الغربية إلى شعار باتيردده الجميع والمهم الآن تطبيقه، وليس إبقاؤه شعارًا من دون تطبيق والاكتفاء بالمقاومة الشعبية الرمزية التي تطلقها مبادرات محلية من دون دعم حقيقي من الفصائل ولا من السلطة والمنظمة.إن من شروط نجاح اللقاء المرتقب يوم الخميس القادم أن يبدي عباس ومشعل - الذَيْنِ حصلا على دعم سياسي وشعبي بعد الخطاب التاريخي بالأمم المتحدة وبعد صفقة تبادل الأسرى- المرونة اللازمة للتوصل إلى اتفاق دون التشبت في مواقفهما الخاصة وبالسعي إلى الهيمنة الانفرادية، وإلحاق كل طرف بالطرف الآخر، فالمطلوب من "أبو مازن" وحركة فتح التراجع عن مطلب اعتماد شروط اللجنة الرباعية في برنامج الحكومة القادمة، والاستعداد لشراكة حقيقية مع "حماس" والجهاد والمبادرة، وكل القطاعات والفعاليات التي لا تزال خارج إطار المنظمة حتى تتحول المنظمة حقًا وقولًا وفعلًا إلى ممثل شرعي وحيد ومرجعية عليا للفلسطينيين جميعا أينما تواجدوا، وحتى تكون الجدار الاستنادي إذا ما انهارت السلطة بعد المواجهة القادمة مع الاحتلال الذي سيعمل جاهدًا على إبقاء السلطة كما هي أو فلتذهب إلى الجحيم، بحيث لن يحول إليها العائدات، ويمارس كل أشكال الضغوط عليها، كما سيمنع إجراء الانتخابات إذا كانت دون عملية سياسية يستفيد منها الاحتلال.والمطلوب من "حماس" التخلي عن عقلية السيطرة الانفرادية على قطاع غزة، والامتناع عن التمسك اللفظي بخيار المقاومة لأنها معلقة فعلًا، والمقاومة المثمرة غير ممكنة من دون وحدة، وتتطلب الوحدة من "حماس" أيضًا تقديم ثمن سياسي ضروري حتى لا يدفع الفلسطينيون ثمنًا باهظًا لها قد لا يقدرون على احتماله. وعلى "حماس" أن تغادر ترددها إزاء إجراء الانتخابات، خصوصًا أنها لن تُجرى إلا بشكل نضالي، بحيث تفرض على الاحتلال فرضًا، والموافقة على دفع ثمن سياسي يتمثل في استناد البرنامج السياسي للحكومة القادمة إلى الحقوق والمصالح والأهداف الفلسطينية، وإلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.إن ربط إنجاز الوحدة بالموافقة الأميركية والإسرائيلية يعني أنها لن تحدث أبدًا إلا إذا انخرط الكل الفلسطيني في إطار المساعي الأميركية لإعادة رسم خارطة المنطقة وفق لمصالحها وحلفائها، وهذا يعني ضرورة الحفاظ على التنازلات الفلسطينية المتمثلة بالاعتراف بحق إسرائيل في الوجود ونبذ العنف والإرهاب وتطبيق الالتزامات الواردة في الاتفاقات المبرمة، خصوصًا التنسيق الأمني، وترويض حماس وغيرها من الفصائل للقبول بالمشاركة في سلطة مكبلة بهذه الالتزامات.إن المطلوب الاستعداد لحماية الوحدة وليس انتظار إجهاضها عن طريق شق مسار سياسي جديد يبدأ بالتقشف وتعزيز الصمود وإيجاد بدائل عن المساعدات المرشحة للقطع، وبوقف العمل بالتزامات السلطة السياسية والأمنية والاقتصادية، وإعادة النظر في شكلها ووظائفها على أساس برنامج وطني وشراكة حقيقية بعيدًا عن المحاصصة، ويصل بعد كفاح وتغيير موازين القوى إلى عملية سياسية جديدة ومختلفة عن سابقتها قادرة على التوصل إلى حل عادل أو متوازن يحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية.