من يشعر بالنساء الفلسطينيات اللواتي يقبعن تحت الحصار الإسرائيلي؟ وما الذي تعكسه التقارير والدراسات الدولية والعربية حول الحياة اليومية للنساء الفلسطينيات باستثناء الأرقام والبيانات الكمية؟ بماذا تشعر النساء اللواتي يعايشن حصارا زادت عدد سنواته عن خمسة سنوات متتالية؟ كيف تمكن من الصمود تحت فاقة الفقر والقهر معا؟ وكيف يوصف حالهن بأعباء إضافية تضاف لكونهن إناث ويطويهن الدور الإنجابي والإنتاجي ويجعلهن معزولات عن الحيز العام؟ لقد نال الحصار الإسرائيلي من الحيز الخاص للنساء الفلسطينيات وأقحم أنفه حتى في تفاصيل غسيلهن وطعامهن وقوت يومهن، بل انعكس الحصار على نفسيتهن وفاقم من المشكلات الاجتماعية والأسرية وحرم الكثيرات من فرص السفر للعلاج أو التعليم أو تطوير ذواتهن، وجعل منهن لقمة صائغة تلوكها العقلية الذكورية فعنف الاحتلال الإسرائيلي المتمثل بالحصار والعدوان المستمر على قطاع غزة جعلهن الحلقة الأضعف مجتمعيا، وبتن يتحملن أعباءا اقتصادية وثقافية تحرمهن من تمزيق الشرنقة فأصبحن حبيسات تحسين وضع أسرهن المعيشية وجعلهن كبش فداء للآخرين ونسيت النساء أنفسهن حتى في حديثهن المفتوح إلينا خلال اللقاء والورش وجلسات التفريغ نسين أنفسهن وبتن يتحدثن بلغة الآخر وتحمل مسؤولية الأب والابن والزوج وحين تسألهن عن ذواتهن يصمتن!! لقد نسيت النساء حيزهن الخاص وتجاهلن احتياجاتهن الخاصة ولم يفكرن أن يكن على جدول أعمالهن اليومية وأصبحت حياتهن بمحورها حاجات واهتمامات الآخرين.. ساهم الحصار في وأد النساء الفلسطينيات أحياءا فتمادى في القتل والتشريد والإغلاقات فضاقت سبل العيش والحياة الكريمة وأصبحن يحاربن على جبهات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ونفسية وأصبحن ينعزلن رغما عنهن عن السياق العام وبتن دوما حاجز الدفاع والتصدي فاستنزفت قواهن فمن يرى حياتهن خلف كواليس الحصار؟ ومن يشعر بالحرب المفتوحة التي يتصدين فيها لكل السياسات الإسرائيلية الممنهجة بتدمير النفس الفلسطينية رجالا ونساءا!! ومن يمكنه اسماع صوتهن المكبوت فرغم صراخهن إلا أن السياسة العمياء لا ترى غير ما تريد أن تراه وتقدمه..
هي شهادات لنساء التقيتهن خلال العمل البحثي أو الصحفي وأحيانا كن يمثلن أنفسهن وأحيانا أخرى كن يمثلننا.. هن جزء أصيل من الصورة لكن المشهد اجتزأ صورة المرأة الفلسطينية الضحية أو المناضلة والأسطورة، وأسقط المشهد السياسي والإعلامي نضالات النساء لأجل البقاء ولأجل حياة تتصف بالكرامة والقدرة على رعاية أجيال شابة.. في هذا المقال محاولة لكشف مشاهد غابت عنها كاميرات الفضائيات وتجاهلته التقارير الدولية، وعاشته عيون النساء المحدقة في الظلام.
خلفية عن الحصار غير القانوني على قطاع غزة:
إن تأثير الحصار الإسرائيلي الذي يشكل بالأساس انتهاكا لكافة الحقوق والمواثيق الدولية، ولازال قائما منذ ما يزيد عن 5 سنوات متواصلة أصاب خلالها الإنسان الفلسطيني وحصد منه معنى الحياة والمفهوم الحقيقي للأمن والاستقرار، وساهم في ارتفاع وتيرة العنف الداخلي، ما أدى بدوره إلى مزيد من العنف تجاه المرأة الفلسطينية وفي تراجع دورها التنموي والإنساني بعد أن صادر كل مقومات الصمود، فقد دمر البنية التحتية لقطاع غزة، وحرم آلاف السكان من منازلهم بالهدم الكلي والجزئي وأفقد الاستقرار لآلاف من النساء والرجال، وصادر حق الطفولة بحياة آمنة بل انتهك حق الحياة باستمرار عدوانه.
فقد عانى- ولازال- سكان قطاع غزة بنسائه ورجاله من حصار إسرائيلي مجحف، والذي بدأ منذ عام 2006 وتحديدا بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية وازدادت حدته بعد اختطاف الجندي جلعاد شاليط، ولكنه ازداد شدة بعد أن سيطرت الحركة على قطاع غزة عام 2007 واستلمت مقاليد الحكم فيه.
كما واجه كافة مواطنو قطاع غزة عقابا جماعيا من الاحتلال الإسرائيلي، حصار طال كافة مناحي الحياة وترك بالغ الأثر على كل مواطني القطاع من نساء ورجال وأطفال، وفي وقت تشتد فيه الأوضاع الإنسانية لتصل ذروتها في بعض الأحيان فيما يتعلق بتوفر الخدمات الإنسانية والاجتماعية الأساسية لمواطني القطاع وفي ظروف اقتصادية قاسية تتصف بارتفاع نسب البطالة وتدني مستوى الدخل وارتفاع نسب الفقر.
لم تتوقف معاناة الشعب الفلسطيني منذ ما يزيد على قرن من الزمان، واشتدت هذه المعاناة بعد عام 48 وما رافق ذلك من تهجير قسري لمئات الآلآف من السكان الفلسطينيين المدنيين، وأحداث النكبة التي تركت آثارها حتى يومنا هذا، لقد ترك الاحتلال الإسرائيلي والحصار آثارا جلية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وساهم في زيادة نسبة الفقر وتدني فرص التعليم والرعاية الصحية والرفاه الاجتماعي، فقد منع الشعب الفلسطيني من التحكم بموارده الطبيعية والبشرية ومن تشكيل كيانه المستقل، ما أدى إلى ربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي، ما زاد من تدهور الأوضاع الاقتصادية للأسر الفلسطينية وجعل الكثير منها تحت خط الفقر فقد زادت نسبة الأسر التي تعيش في فقر مدقع عن 66%، بينما زادت نسبة الفقر عن 80% بعد الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة.
ووصف جون هولمز، منسق جهود الإغاثة الطارئة للأمم المتحدة، الحصار بأنه "عقاب جماعي" للسكان المدنيين في قطاع غزة. كما أدى الحصار إلى نقص في الغذاء والدواء، والتضييق على حقوق سكان قطاع غزة في التعليم والصحة والمأوى والثقافة والتنمية والعمل.
إن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة أودت بحياة 118 امرأة، وجرح 825 آخرين، اضافة الى ذلك فقد تضررت البنية التحتية لقطاع غزة، فعلى سبيل المثال، 2114 منزل دمر بالكامل، وعلى الرغم من وجود الاحصاءات لا يمكن قياس الاعداد الحقيقية للضحايا فالحصيلة مروعة والحجم الحقيقي للمعاناة يزداد يوما بعد يوم في قطاع غزة.
فقد أصدر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان (2009) ’من خلال عيون النساء ’من أجل تسليط الضوء على تأثير تحديد الجندر في عملية الرصاص المصبوب والإغلاقات الإسرائيلية غير القانونية. ووضع النساء في قطاع غزة، والمعاناة الناجمة عن نتيجة النزاع المسلح والاحتلال الإسرائيلي، حيث عرض هذا التقرير حالات 12 امرأة متأثرة بالاعتداءات الاسرائيلية للتدليل على مدى معاناة المدنيين في قطاع غزة ، واستمرار الصعوبات التي يواجهونها نتيجة للدمار الذي أحدثته القوات الإسرائيلية واستمرار الإغلاق غير القانوني. و من خلال عيون النساء الذي يسلط الضوء على الصعوبات التي تواجهها النساء في قطاع غزة، من فقدان لأطفالهن وأزواجهن وأقاربهن وبيوتهن ومصادر رزقهن، وذلك على مدى 42 عاما من الصراع والاحتلال والإغلاق الإسرائيلي المفروض الذي يتعرض له سكان قطاع غزة.
لقد كانت النساء ضحايا الهجمات الإسرائيلية العديدة، في انتهاك للحماية الممنوحة للنساء الواضحة بموجب القانون الدولي الإنساني. في كثير من الحالات التي وثقها المركز، إذ أن هذه الهجمات تصل إلى مستوى جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف. فمنذ بداية الانتفاضة الثانية في سبتمبر 2000، قتلت 281 من النساء في الهجمات الاسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، و163 امرأة قد قتلت قبل اندلاع عملية الرصاص المصبوب في 27 ديسمبر 2008 وفي السنوات الأولى من الانتفاضة الثانية كانت غالبية الضحايا من النساء.
و يرى المركز أنه في كثير من الحالات استهدفت القوات الإسرائيلية مباشرة المدنيين الفلسطينيين، بما في ذلك النساء والأطفال. ويرى المركز أن القوات الإسرائيلية فشلت في اتخاذ الاحتياطات اللازمة في خط الهجوم، والتقيد بقواعد القانون الدولي الإنساني. وقد تم توثيق الجرائم والانتهاكات الخطيرة لاتفاقيات جنيف، ان انتهاكات القانون الدولي الإنساني التي ارتكبتها القوات الاسرائيلية في قطاع غزة تصل إلى وصف جرائم ضد الانسانية، والإغلاق الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة هو شكل من أشكال العقاب الجماعي، في انتهاك للمادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة. الأمر الذي ساهم بشكل مباشر بتفاقم الأزمة الانسانية في قطاع غزة.
لقد تحملت النساء الفلسطينيات ولازلن يتحملن القسط الاكبر من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتي تأتي بمجملها نتيجة الاوضاع السياسية غير المستقرة على المجتمع الفلسطيني، فقد نبهت دراسة المرأة في قطاع غزة – حصار، إفقار، وفلتان أمني (2007) الصادرة عن مركز شؤون المرأة إلى معاناة المرأة الفلسطينية في قطاع غزة من أشكال مختلفة